الرئيسية أقلام التقادم في المادة المدنية ومدى شمولية المادة 6 من مرسوم الطوارئ الصحية

التقادم في المادة المدنية ومدى شمولية المادة 6 من مرسوم الطوارئ الصحية

23 مايو 2020 - 2:09
مشاركة

       في إطار التدابير الوقائية لمواجهة جائحة كورونا كان المغرب سباقا لاتخاذ تدابير احترازية للحد من هذه الظاهرة الكونية الخطيرة.

      وهكذا فقد تم اتخاذ مجموعة من التدابير سواء على المستوى الاجتماعي والاقتصادي أو على المستوى القانوني.

      وفي هذا الإطار فقد صدر بلاغ مشترك بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة مفاده تعليق انعقاد الجلسات بمختلف محاكم المملكة ابتداءا من 17 مارس 2020 إلى إشعار آخر باسثناء الجلسات المتعلقة بالبت في قضايا المعتقلين والجلسات المتعلقة بالبت في القضايا الاستعجالية وقضاء التحقيق.

      كما صدر مرسوم بقانون يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها بتاريخ 24 مارس 2020 بالجريدة الرسمية عدد 6867 مكرر.

     ونصت المادة 6 من المرسوم “يوقف سريان مفعول جميع الآجال المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فترة حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها، ويستأنف احتسابها ابتداءا من اليوم الموالي ليوم رفع حالة الطوارئ المذكورة.

      تسثتنى من أحكام الفقرة الأولى أعلاه آجال الطعن بالاسثئناف الخاصة بقضايا الأشخاص المتابعين في حالة اعتقال، وكذا مدد الوضع تحت الحراسة النظرية والإعتقال الإحتياطي.”

     وقد أثارت هذه المادة نقاشا ما بين مختلف القانونيين في المملكة حول مدى شمولية المادة 6 لمدد التقادم.

     وسنعمل من خلال هذه المشاركة المتواضعة على بسط إشكالية هذه المادة من خلال العرض لمبدأ التقادم في المادة المدنية ومدى شمولية المادة 6 لمدده؟.

   وكل أملنا أن تكون هذه المساهمة ذي فائدة ولو جزئيا في إطار النقاش حول هذا الموضوع.

     فمعلوم أن التقادم مؤسسة حقوقية وقانونية أوجدهما المشرع لاعتبارات معينة وهي عدم بقاء المدين تحت رحمة الدائن مدة معينة من الزمن ولضرورات معينة ترتبط باستقرار المعاملات ووضع حد للنزاعات القديمة التي يصعب إثباتها لاندثار الأدلة.

     وبقراءتنا لنصوص قانون الالتزامات والعقود نلاحظ أن المشرع جعل التقادم سببا لانقضاء الالتزامات وفقا لما نص عليه الفصل 319 كما نظم قانون الالتزامات والعقود أحكام التقادم بمقتضى الفصول 371 و 392.

     أما بخصوص أحكام المسطرة المدنية بصفته قانون شكلي لم يتطرق المشرع فيه لأحكام التقادم بالمرة، فهو وإن نص على آجال طويلة كما هو الشأن بالنسبة لأجل سقوط الأحكام طبقا للفصل 428 التي تكون قابلة للتنفيذ خلال ثلاثين سنة من اليوم الذي صدرت فيه تحت طائلة سقوطها بانصرام هذا الأجل، فإنه لم يجعل الأجالات المنصوص عليها في المسطرة المدنية من ضمن أجالات التقادم بل جعلها من ضمن أجالات السقوط كما سيأتي توضيح ذلك في حينيه.

     وعموما فإن التقادم على نوعين إما مكتسب أو مسقط، فالتقادم المكسب هو الذي يسمح لحائز الحق العيني أن يكسب هذا الحق إذا استمرت حيازته مدة من الزمن عينها القانون وذلك كما هو الشأن بالنسبة للمادة 250 من مدونة الحقوق العينية التي عينت مدة اكتساب ملكية العقار والتي جاء فيها “إذا حاز شخص أجنبي غير شريك ملكا حيازة مستوفية لشروطها واستمرت دون انقطاع عشر سنوات كاملة والقائم حاضر عالم بلا مانع ولا عذر فإنه يكسب بحيازته ملكية العقار”.

     كما ورد في الفقرة الأولى من المادة 3 من نفس المدونة “يترتب على الحيازة المستوفية للشروط القانونية اكتساب الحائز ملكية للعقار غير المحفظ أو أي حق عيني آخر يرد عليه إلى أن يثبث العكس…”

     فمن خلال هاذين النصين يبدو وبشكل واضح نطاق التقادم المكسب الذي يكون موضوعه ملكية العقار غير المحفظ وباقي الحقوق العينية المترتبة عليه.

     وعليه فالحيازة تشمل إضافة إلى حق الملكية باقي الحقوق العينية الأخرى شريطة أن تنصب على عقار غير محفظ، فلا تكتسب بالحيازة طبقا للمادة 261 من مدونة الحقوق العينية أملاك الدولة العامة والخاصة والأملاك الوقفية وأملاك الجماعات السلالية والجماعات المحلية والعقارات المحفظة وباقي الأملاك المنصوص عليها صراحة في القانون.

     أما التقادم المسقط فهو سبب يؤدي إلى انقضاء الحقوق العينية والشخصية مما عدى حق الملكية إذا سكت عليها صاحبها أو أهمل المطالبة بها زمن حدده القانون، و هذا النوع من التقادم هو الذي نظمه المشرع بمقتضى قانون الالتزامات والعقود فقد جاء في الفصل 371 منه “التقادم خلال المدة التي يحددها القانون يسقط الدعوى الناشئة عن الالتزام” كما جاء في في الفصل 387 ” كل الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة فيما عدا الاسثناءات الواردة فيما بعد، والاستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة”.

     هذا وبقراءة النصوص المنظمة للتقادم المسقط يلاحظ أن المشرع نظم مجموعة من المقتضيات المرتبطة بهذا النوع من التقادم كشروطه ومدده وبدء حسابها والاتفاقيات المعدلة لها وأسباب قطع التقادم ووقفه ووجوب التمسك به والنزول عنه وآثاره.

     ونظرا لشساعة هاته المواضيع سنقتصر على بحثها بنوع من الاقتضاب بهدف إبراز النقط التي ستسعفنا في وضع معايير للتمييز بين أجالات التقادم وأجالات السقوط لما لهذا الموضوع من أهمية في بسط الخلاف حول شمولية المادة 6 من مرسوم الطوارئ الصحية لمدد التقادم أم اقتصار هاته المادة على مدد السقوط فقط؟

     وهكذا فإن موطن الخلاف هو مدى استثناء المشرع لمدد التقادم من المادة أعلاه و بالتالي القول بأن هاته المادة تستغرق فقط آجال السقوط دون آجال التقادم و سنحاول تناول مبدأ التقادم (أولا) ثم (ثانيا) توضيح الفرق بين أجل التقادم وأجل السقوط. 

المحور الأول: مبدأ التقادم.

      *من حيث مدة التقادم فالقاعدة أنها محددة في خمس عشرة سنة، وقد أورد المشرع مجموعة من الاستثناءات عن هذه القاعدة منها ما هو وارد في بحث التقادم ومنها ما هو وارد في نصوص متفرقة وتتميز هذه الاستثناءات بمدد أقصر عن المدة الأصلية للتقادم، من ذلك مثلا ما أورده المشرع بمقتضى الفصل 311 بشأن تقادم دعاوى إبطال الالتزامات التي تتقادم خلال أجل سنة في كل الحالات التي لا يحدد فيها القانون أجلا مخالفا ويبدأ سريان هذا التقادم في حالة الإكراه من يوم زواله وفي حالة الغلط و التدليس من يوم اكتشافهما، أما بالنسبة إلى التصرفات المبرمة من طرف القاصرين فمن يوم بلوغهم سن الرشد، كما تتقادم دعاوى ضمان عيوب المبيع أو خلوه من الصفات الموعود بها طبقا للفصل 573 ق.ل.ع. بالنسبة للعقارات خلال 365 يوم بعد التسليم وبالنسبة للأشياء المنقولة والحيوانات خلال 30 يوم بعد التسليم، والأمثلة كثيرة في هذا الشأن يمكن الرجوع لها.

     *أما من حيث بدء سريان التقادم فالقاعدة العامة أن بدء سريان مدة التقادم يكون من وقت أن يكتسب الدائن الحق ويصبح بمقدوره الحصول عليه وفقا للفصل 380 من ق.ل.ع وقد جعل المشرع لهذه القاعدة بعض الاستثناءات قررها بنصوص خاصة على نوعين:

      نوع أول يجعل سريان مدة التقادم لاحقا ليوم اكتساب الحق كما هو الحال بالنسبة للفصل 311 الذي جعل دعاوى الإبطال لنقص في الأهلية أو للغلط أو التدليس أو الإكراه تتقادم بمرور سنة تبدأ من يوم بلوغ القاصر سن الرشد أو من يوم اكتشاف الغلط أو التدليس أو من يوم زوال الإكراه، أما النوع الثاني فيجعل سريان مدة التقادم مقدما على يوم اكتشاف الحق و هو الأمر الذي أقره المشرع في الفصل 376 بنصه “التقادم يسقط الدعاوى المتعلقة بالالتزامات التبعية في نفس الوقت الذي يسقط فيه الدعوى المتعلقة بالإلتزام الأصلي، ولو كان الزمن المحدد لتقادم الالتزامات التبعية لم ينقض بعد”

* من حيث قطع التقادم ووقفه.

     يعني قطع التقادم القضاء على مدته كليا وبدء حسابها من البداية أما التوقف فلا يعني القضاء على المدة السابقة للتقادم بل وقف سريان هذه المدة إلى حين زوال السبب الموقف لتعود للسريان .

  فالبنسبة لأسباب الإنقطاع فقد عينها المشرع بمقتضى الفصول 381 و 382 وهي إما أن تكون صادرة عن الدائن كمطالبة الدائن المدين بحقه مطالبة قضائية أو غير قضائية، وبطلب قبول الدين في تفليسة المدين، أو بكل إجراء تحفظي أو تنفيذي يباشر على أموال المدين أو بكل طلب يقدم للحصول على إذن في مباشرة هذه الإجراءات طبقا لما أورده المشرع في الفصل 381.

      وإما أن تكون صادرة عن المدين كأن يعترف المدين أو يقر بالحق المترتب في ذمته لمصلحة الدائن وفقا للفصل 382 من ق. ل.ع.

أما بالنسبة لأسباب وقف التقادم فإن المشرع عرض لها في الفصول 378 و 379 و 380،

     فهذه الأسباب راعى فيها المشرع الظرفية التي يوجد فيها الشخص والتي يستعصي معها عليه المطالبة بحقه ولذلك فإذا توافرت هاته الأسباب لا يستأنف سريان التقادم إلا من يوم زوالها، ومن قبيل هاته الأسباب ما أورده المشرع في الفصل 378 حيث يتوقف التقادم لمصلحة الدائن الذي يكون مرتبطا بالمدين برابطة الزوجية أو البنوة أو الأبوة أو الأمومة أو الولاية الشرعية، كما يتوقف التقادم أيضا وفقا للفصل 379 لمصلحة القاصر وناقص الأهلية إذا لم يكن لهم نائب شرعي يعنى بشؤونهم إلى حين بلوغهم سن الرشد أو ترشيدهم أو تعيين نائب قانوني لهم، و عليه فإن مبدأ انقطاع التقادم يختلف عن مبدأ وقفه لا من ناحية أسباب كل واحد منهم ولا من ناحية أثرها.

     فانقطاع التقادم يترتب عنه زوال المدة التي انقضت من التقادم قبل حصول السبب القاطع وهو الأثر الذي قرره المشرع بمقتضى الفصل 383 فيبدأ سريان تقادم جديد لنفس مدة التقادم القديم الذي انقطع ويبدأ سريان التقادم الجديد من يوم زوال سبب الإنقطاع. 

     وهذه الأحكام لا تنطبق على وقف التقادم الذي يترتب عن حدوث أسبابه تعطيل سريان مدة التقادم فإذا زال السبب و عاد أمد التقادم إلى السريان فإن المدة التي كان وقف خلالها لا تحسب ضمن مدة التقادم ولكن المدة السابقة قبل حصول سبب الوقف تحسب وتضاف إلى المدة التالية لزوال سبب الوقف.

* من حيث الاتفاقات المعدلة لمدة التقادم

      عرض المشرع لهذا الموضوع بمقتضى الفصل 375 بنصه “لايسوغ للمتعاقدين بمقتضى اتفاقات خاصة، تمديد أجل التقادم إلى أكثر من الخمس عشرة سنة التي يحددها القانون”

     وعليه فإن المشرع منع إطالة المدة الأصلية للتقادم وهي 15 سنة ويبدو من خلال الفصل السابق أن الأمر ينطوي أيضا على تمديد مدة التقادم القصير فيمنع إطالة مدة التقادم طويلا كان أو قصيرا.

     أما الاتفاقات الرامية إلى تقصير مدة التقادم فليس ثمة ما يمنعها قانونا وهو ما يفهم ضمنيا من النص أعلاه فإذا كان الفصل 375 قد منع إطالة مدة التقادم فإنه لم يمنع الإتفاق على تقصيره.

* من حيث إعمال التقادم و آثاره

      من المبادئ المكرسة أن التقادم لا يعتبر من النظام العام وبالتالي فإنه يتعين على صاحب المصلحة أن يتمسك به أمام القضاء فلا يجوز للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها وهو الأمر الذي قرره المشرع بمقتضى الفصل 372 بنصه “التقادم لا يسقط الدعوى بقوة القانون، بل لابد لمن له مصلحة فيه أن يحتج به. 

     وليس للقاضي أن يستند إلى التقادم من تلقاء نفسه”.

     وصاحب المصلحة في التمسك بالتقادم هو المدين الذي يتقدم بالتقادم في صورة دفع ردا على دعوى المدعي ويعتبر الدفع بالتقادم من الدفوع الموضوعية التي يسمح بإثارته في جميع مراحل الدعوى ولكن ليس لمن له المصلحة أن يتمسك بالتقادم أمام محكمة النقض إذا كان لم يسبق له أن أدلى بالتقادم أمام محاكم أولى درجة وثاني درجة .

    ذلك أن محكمة النقض تنظر في الدفوع التي أثيرت في المرحلة الابتدائية والاستئنافية مالم تكن هذه الدفوع متعلقة بالنظام العام.

    وهكذا فإن الالتزام الذي اكتملت مدة تقادمه لايعني أنه انقضى بالتقادم ما لم يتمسك به صاحب المصلحة، فإذا قام المدين مثلا بالوفاء بالتزامه بعد انقضاء مدة التقادم فإنه لا يستطيع استرداد ما دفع بحجة أن التزامه قد انقضى بالتقادم وأنه دفع غير المستحق حتى وإن كان يجهل وقوع التقادم وهذا بخلاف الحالة التي يتمسك صاحب المصلحة بالتقادم إذا اكتملت مدته حيث يترتب عن ذلك فعلا انقضاء الالتزام وامتناع سماع الدعوى به.

*من حيث التنازل عن التقادم :

      ورد بمقتضى الفصل 373 ” لايسوغ التنازل مقدما عن التقادم، لكن يسوغ التنازل عنه بعد حصوله”.

      وعليه فإنه لا يجوز التنازل عن التقادم قبل ثبوت الحق فيه تحت طائلة البطلان، ولئن كان لا يجوز التنازل عن التقادم قبل ثبوث الحق فيه فإنه يجوز التنازل عنه بعد حصوله وثبوت الحق فيه، فكما سبق القول أن الحق في الدفع بالتقادم مخول للمدين وهذا الحق ليس له مساس بالنظام العام ومن ثم فليس ما يمنع المدين التنازل عنه، وحتى يصح التنازل يجب أن يصدر ممن هو أهل للتصرف بحقوقه، وعليه لايجوز وقوع التنازل من قاصر أو ناقص الأهلية كما لايجوز أن يقوم به النائب الشرعي من ولي أو وصي أو مقدم إلا بإذن القاضي المكلف بشؤون القاصرين.

المحور الثاني: الفرق بين آجالات التقادم و السقوط.

      عرف الفقه آجال السقوط بأنه عبارة عن فقدان حق ممارسة الدعوى والذي يمس الشخص نتيجة عدم استعماله داخل الأجل المفروض الذي يكون قصير كقاعدة عامة، وذهب البعض الآخر في تحليله لنفس المفهوم إلى القول بأن ما يجعل هذه المؤسسة تختلف عن التقادم، هو ارتباطها بالنظام العام مما يجعل مددها غير قابلة للتوقف والانقطاع.

     وعموما فإن التقادم يختلف عن سقوط الحق في كثير من الأوجه. يقول الأستاذ عبد الرزاق السنهوري في شأن التمييز بين آجال التقادم وآجال السقوط (مواعيد السقوط كما أسماها) والمواعيد المسقطة هذه لها مهمة غير المهمة التي لمواعيد التقادم المسقط قد وضعها القانون لتعيين الميعاد الذي يجب أن يتم فيه حتما عمل معين وبخاصة لتحديد الوقت الذي يجب فيه استعمال رخصة قررها القانون فهي مواعيد حتمية ولابد أن يتم العمل فيها وإلا كان باطلا، لذلك فهي تختلف عن مواعيد التقادم لا في المهمة التي تقوم بها فحسب، بل هي في كيفية إعماله، فيجوز للقاضي إثارتها من تلقاء نفسه دون حاجة أن يتمسك الخصم بها، ولا تنقطع ولا يقف سريانها ولا يتخلف عنها التزام طبيعي، وهذا بخلاف التقادم لأن التقادم يجب أن يتمسك به الخصم كما يجوز وقف سريانه ويتخلف عن التقادم التزام طبيعي، كما أن الحق المتقادم إذ لم يصلح أن يكون طلبا فإنه يصلح أن يكون دفعا إذ الدفوع لا تتقادم أما الحق الذي سقط لعدم استعماله نفي الميعاد فلا يصلح لا طلبا ولا دفعا .

     ويحدث أن يقرر القانون ميعادا تقوم الشبهة في شأنه : هل هو ميعاد تقادم مسقط أم ميعاد مسقط ؟ ويكون المهم التعرف إلى طبيعة هذا الميعاد لما بين مواعيد التقادم المسقط والمواعيد المسقطة من الفروق التي تقدم ذكرها، ويغلب أن تكون المواعيد المسقطة قصيرة على خلاف مواعيد التقادم وخير معيار للتعرف على ما إذا كان الميعاد ميعاد تقادم أم ميعادا مسقطا هو تبين الغرض الذي قصد إليه القانون من تقرير هذا الميعاد فإن كان لحماية الأوضاع المستقرة أو لغير ذلك من أغراض التقادم فهو ميعاد تقادم، وإذا كان لتحديد الوقت الذي يجب خلاله استعمال الحق أو رفضه فهو ميعاد مسقط” (راجع في هذا الصدد ص 1000 وما بعدها من الجزء الثالث- الوسيط في شرح القانون المدني- عبد الرزاق السنهوري) 

      ومن أغراض التقادم أيضا أن يكون قرينة على الوفاء فالدين الذي مضت عليه مدة التقادم يغلب في الواقع أن يكون وفي والمشرع يجعل هذا الغالب الواقعي حقيقة قانونية فالتقادم طريقة للإثباث أو بالأحرى إعفاء من الإثبات أكثر منه لانقضاء الالتزام أما المواعيد المسقطة فالمشرع لا يضع قرينة ولا يفترض أمرا بل يحتم على صاحب الحق أن يستعمله في وقت معين وإلا سقط فسقوط الحق لا يقوم على قرينة الوفاء بل هو عقوبة على عدم استعمال الحق في الوقت المحدد فحينما قرر المشرع طبقا للمادة 304 من مدونة الحقوق العينية أن حق الشفعة إذا كان موضوعه عقار محفظ يسقط بمرور 30 يوم من يوم تبليغ نسخة من عقد الشراء فإنه يكون بذلك قد قرر عقاب الشفيع بسقوط حقه في ممارسة الشفعة اذا لم يبادر بممارسة حقه داخل الأجل المعين.

     ومن ثم فإن الفرق بين أجل التقادم وأجل السقوط أن الحق الأصلي في التقادم يكون موجودا قبل فلا يحتاج لرفع دعوى لكي يكون تاما فإذا طالب الدائن داخل مدة التقادم بحقه فإنه يطلب حقا كاملا ومقررا من قبل وهذا على عكس أحوال أجل السقوط فالحق لا يكون مقررا ولا موجودا ولا كاملا، إذ يحتاج لتقريره رفع الدعوى في الأجل المحدد وبذلك فالمدة في أحوال السقوط لازمة لتكوين الحق بخلاف مدة التقادم فهي ليست لازمة لتكوينه لأنه سبق أن تكون من قبل.

     ولذلك فإن الحق التام والموجود ليس كالحق الذي لم يوجد بعد فالحق التام يحتاج إلى حماية وذلك ما قرره المشرع بجعل التقادم يخضع للتوقف والإنقطاع وهذا على عكس أحوال السقوط  فالحق لم يولد كاملا فهو كشبه الحق إذ لا يحتاج لحماية قبل أن يكون موجودا.

     ولعل مواعيد السقوط تكاد تكون لا حصر لها فهي كثيرة وحتى المشرع لا يميز في استعمالها بين القوانين الموضوعية والشكلية ونمثل لها بالآجالات التي قررها المشرع بمقتضى قانون المسطرة المدنية فهاته الآجال تعتبر  كلها آجال سقوط حيث ورد بمقتضى الفصل 511 من قانون المسطرة المدنية “تحترم جميع الآجال المحددة بمقتضى هذا القانون لممارسة أحد الحقوق وإلا سقط الحق”.

     وعليه فإن الرأي الذي أثار الخلاف حول نطاق تطبيق المادة 6 من مرسوم الطوارئ الصحية ومدى شمولية هذه المادة للتقادم انطلق من فكرة أن المشرع استعمل عبارة “يوقف سريان مفعول جميع الآجالات” فعبارة “الآجال” لا تستغرق التقادم حيث ينحصر نطاقها على أجالات السقوط فقط، فالمشرع اكتفى بذكر جميع الآجال دون ذكر التقادم بحسب هذا الرأي.

     فصحيح أن المشرع قام بذكر جميع الآجال ولم يذكر التقادم و لكنه لم يذكر عبارة السقوط أيضا، من تم فإن عبارة الأجل تنسحب إلى أجلي التقادم والسقوط معا فإذا كان الفرق بارزا بين التقادم والسقوط على النحو الذي بيناه أعلاه فإنه لا فرق في مصطلح الأجل الذي يعني مدة الشيء، وإن كان أحيانا يعبر عنه بالمواعيد أو المدد فهذا لا يؤثر مادام المعنى واحد. 

    وقد استعمل المشرع مصطلح الأجل حتى في بحث التقادم طبقا للمادة 375 “لا يسوغ… تمديد أجل التقادم…”

     كما أن محكمة النقض تستعمل عبارة الأجل في أحوال التقادم وأحوال السقوط معا وهو ما قررته في إحدى قراراتها في الملف التجاري عدد 265 صادر بتاريخ 9 مارس 2005 و مما جاء في حيثياته “… فإن المحكمة كانت على صواب لما اعتبرت أن حق الطاعنين في إقامة الدعوى سقط لعدم استعماله في الأجل المحدد الذي هو أجل سقوط وليس أجل تقادم…”

     وهكذا فإنه يمكن القول أن عبارة “جميع الآجال” التي أوردها المشرع في المادة 6 من مرسوم الطوارئ الصحية تستغرق جميع الآجال سواء كانت آجال تقادم أم سقوط، كما أن مفعول وقف الآجال ينسحب أثره على جميع النصوص التشريعية  والتنظيمية.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً