الرئيسية أقلام نسيمة عسولي: حقوق الدفاع في ظل إجراء المحاكمة عن بعد

نسيمة عسولي: حقوق الدفاع في ظل إجراء المحاكمة عن بعد

19 مايو 2020 - 1:59
مشاركة

لا يختلف إثنان على أن وباء كوفيد 19 أثر بشكل كبير و واضح على الوضع الاقتصادي و الاجتماعي للدولة و المواطنين، فقد عطل فرض حالة الطوارئ الصحية و مايتبعها من تباعد بين الأشخاص للحد من انتشار الوباء، على سير مجموعة من القطاعات الحيوية و التي من ضمنها قطاع العدالة، فمن كان يتصور يوما أن يتم تعطيل سير المحاكمات و الإجراءات .

إن وباء كوفيد 19 قد أرخى بظلاله على منظومة العدالة، و فرض عليها ظرفا استثنائيا، و من أجل ضمان تحقيق العدالة و السهر على إجراء محاكمة عادلة في أجل معقول، دون انتظار طويل للمعتقلين، فإنه كان لابد من استعمال تقنية المحاكمة عن بعد كوسيلة لضمان تحقيق العدالة و الأمن الصحي لكافة أطراف منظومة العدالة .

و من أجل محاولة الإحاطة بهذا الموضوع، سنتطرق في المحور الأول إلى حقوق الدفاع في المحاكمة كأصل،
و في المحور الثاني لحقوق الدفاع في المحاكمة عن بعد في ظل حالة الطوارئ الصحية

● محور أول حقوق الدفاع في المحاكمة كأصل

إن دستور 2011 أولى حقوق الدفاع بأهمية كبيرة نظرا لإعتبارها ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة .
و لقد نص الدستور المغربي مسايرا بذلك المواثيق الدولية على مقتضيات قانونية, تكرس مفهوم حقوق الدفاع .

فما هوا المقصود بحق الدفاع ؟؟

إن حق الدفاع يتجلى في مجموع الإمكانات المتاحة للإنسان من أجل إثبات إدعاءاته و حقوقه، أو من أجل الرد على كل دفاع ضده، فهي امتيازات خاصة منحها المشرع لحماية الأفراد من كل تعسف أو ظلم.

يبتدؤ حق الدفاع من مرحلة البحث أو مواجهة ضباط الشرطة القضائية ذلك من خلال إخبار المتهم بحقه في الصمت و الإتصال بمحام، و اخباره بكل المنسوب إليه، مرورا بمرحلة المتابعة و التحقيق إلى مرحلة المحاكمة.

وحقوق الدفاع لا تشمل فقط المتهم بل جميع أطراف الخصومة الجنائية من أجل إقامة توازن يمكن من خلاله القاضي إلى محاولة التوصل إلى تكوين قناعته الشخصية وايجاد حل لكل أطراف الخصومة .
و من هنا يستلزمنا التوقف عند بعض المبادئ الرئيسية حول حقوق الدفاع .

– تنطلق حقوق الدفاع من مبدأ البراءة كأصل، وهو ما ورد في المادة 11 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، وما نص عليه دستور 2011 في الفصل 23 الفقرة 4 ، هذه الضمانة التي تكفل حق الانسان في دفع كل تهمة موجهة إليه و يصاحب هذه القرينة ” الشك يفسر لصالح المتهم”.

– من حقوق الدفاع الحق في التقاضي، و قد نص عليه الدستور الجديدفي الفصل 118 حيث جاء فيه “التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه و مصالحه التي يحميها القانون .

– لقد نص الدستور الجديد في الفصل 23 الفقرة 3 على حق من حقوق الدفاع بالغ الأهمية وهو إلزامية إخبار كل شخص تم اعتقاله على الفور وبطريقة يستوعبها، بدواعي اعتقاله و بحقوقه و من بينها التزام الصمت .

-كما أقر الدستور حق الانسان في الاستفادة من المساعدة القانونية و التي تكمن في الحق في إختيار محامي و من إمكانية الإتصال بأقاربه.

-و من أبرز المستجدات الدستورية في مجال حقوق الدفاع هو ضمان الدستور الحق في محاكمة عادلة في الفقرة 4 من الفصل 23 منه و في الفصل 120 الذي ينص على أن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة و في مجانية القضاء إذا كان المتقاضي معسرا لا يتوفر على موراد كافية .

و كخلاصة فإن الدستور المغربي الجديد قد جاء بالكثير من الحقوق المتعلقة بالدفاع والمنصوصة عليها بالمواثيق الدولية ويبقى تنزيل مقتضيات هذه الحقوق على أرض الواقع رهين بالإرادة السياسية الحقيقية لجميع مكونات المجتمع المغربي، غير أن هذا التطبيق للحقوق المتعلقة بالدفاع قد يثأتر بالحالات الإستثنائية التي نعيشها البلاد في الظرف الراهن المتعلق بأزمة كورونا و حالة الطوارئ .

● المحاكمة الرقمية كبديل في ظل أزمة كورونا ؛ تدابير احترازية لحماية هيئة الدفاع و الهيئة القضائية والمتقاضين.

سنتطرق أولا لحالة الطوارئ الصحية بالمغرب

إن حالة الطوارئ الصحية بالمغرب ، تقترن بتقييد حركة التنقل للمواطنين و جعلها مرتبطة باستصدار وثيقة رسمية من قبل رجال و اعوان السلطة، و ذلك من أجل احتواء وباء كوفيد 19 و الحد من انتشاره .

و التساؤل المطروح هنا حول السند القانوني لإعلان حالة الطوارئ ؟

حيث أن الدستور المغربي يخلو من اي عبارة تخص حالة الطوارئ ، حيث جاء في الفصل” 49″ القضايا التي يتداول فيها المجلس الوزاري، التي تشمل إعلان حالة الحصار، دون أي تحديد مسبق لمضمونها، فيما يكتف الفصل “74” بالتنصيص على إمكانية إعلان حالة الحصار لمدة 30 يوما، بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، لا تمدد إلا بقانون.

غياب نص دستوري أو قانوني يحدد بشكل واضح مفهوم حالة الطوارئ ، فإن الحكومة قامت باستصدار المرسوم قانون رقم 2.20.292، المؤطر لحالة الطوارئ الرسمية بالمغرب

فكيف تأثر حالة الطوارئ على سير منظومة العدالة بصفة عامة و سير المحاكم بصفة خاصة؟

و ماهو السند القانوني لإجراء المحاكمة عن بعد بتقنية الفيديو ؟

أولا تأثير حالة الطوارئ على سير العدالة .

إن فرض حالة الطوارئ الصحية أثر على سير المحاكمات التي أصبح من الضروري إجراؤها عن بعد من أجل ضمان السلامة الصحية لكافة أفراد منظومة العدالة و كذا المتقاضين ،

فأي ضمان لحقق الدفاع في المحاكمة عن بعد؟

إن الأصل في المحاكمة هو علنية الجلسة و الابتعاد عن محاكمة الأشخاص في السر، إلا إذا نص القانون على ذلك في بعض الحالات الخاصة مع مراعاة للاخلاق العامة أو النظام العام أو لحماية الأطراف أو الشهود .

و قد أورده الدستور بالفصل 123 على علنية الجلسات الا في الحالات التي يقرر فيها القانون خلاف ذلك. الا أن جميع الأحكام تصدر معللة وفي جلسة علنية طبقا للفصل 125.

وقد نصت المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الحق في أن يحاكم الشخص دون تأخير لا مبرر له، وأن يحاكم حضوريا وأن ينصب له محاميا دون تحميله أجرا على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الأجر. وقد نص الدستور المغربي بالمادة 120 على حق كل شخص في حكم يصدر في أجل معقول وعلى مجانية التقاضي ضمن الشروط التي يحددها القانون (121).

ومن حقوق الدفاع كذلك والتي تدخل في إطار المحاكمة العادلة المنصوص عليها دستوريا، حق الإنسان في المجادلة ودفع التهم ومناقشة شهود الاتهام بنفسه أو من قبل غيره.

ثانياً ماهو السند القانوني لإجراء المحاكمة عن بعد ؟

إذا فالأساس في المحاكمة كما جاء سابقا هوا العلنية . و التأكيد على أن إجراؤها عن بعد هو رهين بموافقة المعتقل، و إجراء المحاكمة في أجل معقول، فلا وجود لأي أساس قانوني لقيام المحاكمة عن بعد خاصة في المادة الزجرية لأنه يحكمها مبدأ الشرعية.

غير أن المحامين لبو نداء العدالة و القيم النبيلة للمهنة و حرصا منهم على حقوق الدفاع و ضمان المحاكمة العادلة لكل متهم .
غير أن هذه التقنية تطرح تساؤلات كثيرة حول مدى نجاعتها خصوصا مع ضعف الامكانيات اللوجيستيكية في المحاكم، مما يؤثر على تكوين قناعة الجنائية للقاضي، من ناحية و من ناحية أخرى صعوبة اطلاع المتهم على محضر تصريحاته، وصعوبة اطلاع المتهم على المحجوزات و مواجهته بها.

أيضا فيما يخص الحق في تنصيب محامي و إعداد الدفاع، في ظل انعدام وسائل التواصل و التخابر مع المحامي .
مما سيأثر على حق الدفاع و تحقيق المحاكمة العادلة.

و أخيرا، يمكن القول إن المحاكمة عن بعد و إن كانت وسيلة لابد منها لحماية الأشخاص من خطر انتشار عدوى فيروس كوفيد 19 ، فإنها دعوة لكافة أطراف المنظومة القضائية من أجل العمل على تحديث وسائل الإتصال الحديثة ، و الشروع في العمل بالتقنيات الحديثة،وتجهيز المحاكم بأجهزة تسهل العمل خصوصا في ظل ضعف الامكانيات اللوجيستيكية داخلها، من أجل ضمان محاكمة العادلة التي نص عليها الدستور و المواثيق الدولية.

المعلومة القانونية

بقلم الأستاذة *نسيمة عسولي
محامية متمرنة بهيئة الدار البيضاء

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً