الرئيسية أقلام الصين ومسؤليتها القانونية المفترضة عن كوفيد 19

الصين ومسؤليتها القانونية المفترضة عن كوفيد 19

17 مايو 2020 - 13:27
مشاركة

لازالت تداعيات فيروس كورونا (كوفيد 19) تصيب دول المعمور دون استثناء ،ولازال العالم يسعى جاهدا لمواجهة تفشي هذه الجائحة والتخفيف من انعكاساتها  واثارها على مجموعة من القطاعات الحياتية.

وفي خضم المعركة الشرسة مع هذا الوباء، بدأت بعض الأصوات العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية تنادي بمحاسبة الصين بسبب تسترها على الفيروس في بداية ظهوره على أراضيها، على الرغم من تحذيرات الطبيب الصينى ‘ لى وينج يانج ‘ الذي عبر عن قلقه من الفيروس الغامض منتصف دجنبر الماضي  كما قام بنشر توعيه بوجود نوع جديد من الفيروسات المتطورة من فصيله ‘سارس’ والتي جاء بها بعض الذين تواجدوا فى سوق ‘وهان للأسماك’ في الصين إلا أن الحكومة الصينيه قامت بتهديده ومطالبته بالوقوف عن الحديث كما أجبرته الشرطة على توقيع اعتراف نشره للادعاءات والشائعات التي تضر بسلامة البلاد، ليضطر لتقديم اعتذارعلني كما وعد بعدم تكرار ذلك في الثالث من يناير في هذا الموضوع إلى أن مات هو نفسه متأثرا بهذا الفيروس في السابع من فبراير في مستشفى وهان المركزي، بعد إصابته بالفيروس الذي حاول تحذير السلطات منه فاعتقلته.

كما جاء في تقرير لوزارة الأمن الداخلي الامريكية أن الصين توقفت عن إبلاغ منظمة الصحة العالمية بأن الفيروس ‘كان مرضا معديا’ معظم شهر يناير حتى يمكنها طلب الإمدادات الطبية من الخارج وبأن وارداتها من أقنعة الوجه والعباءات الجراحية والقفازات زادت بشكل حاد، فضلا عن ذلك فقد سمحت الصين بسفر الملايين ممن كان بعضهم حاملين للعدوى دون أن تظهر عليهم أعراضها.

كما اتهم المستشار التجاري للبيت الأبيض بيتر نافورو بكين بأنها لم تتخذ التدابير الكافية لمنع سفر المصابين بالفيروس إلى دول أخرى، مشيرا إلى أن الصين منعت الرحلات الجوية من ووهان إلى بكين وشنغهاي، رغم أنه كان ينبغي منعها إلى ميلان ونيويورك.

وتحدثت بعض المصادر الاستخبارية الألمانية على أن الرئيس الصيني شي جين بينغ طلب شخصيا من مدير منظمة الصحة تأخير التحذير العالمي بشأن فيروس كورونا، وهو ما أفقد العالم أسابيع من الوقت لبدء مكافحة الجائحة، حيث لم تعلن منظمة الصحة العالمية  عن كوفيد-19 كوباء عالمي إلا في الحادي عشر من مارس الماضي، كما اتهم ترامب منظمة الصحة العالمية بالتسترعلى السبب الرئيس للفيروس الذي اصطلح على تسميته ب”الفيروس الصيني” نظرا لأنها لم تناقش فرضية تسربه عن طريق الخطأ من مختبر وهان الصيني.

وتبرز المسؤولية الدولية للصين-حسب بعض المحللين والفاعلين القانونيين-في أنها قد أخلت بالتزام قانوني يتجلى في إهمال أخذ الحيطة وعدم التعامل مع الأمر بجدية  فضلا عن التستر المتعمد بعدم تبليغ الدول بانتشار الفيروس وكذلك عن عدم غلقها للحدود، في حين يذهب البعض الاخر إلى تعمد الصين تفشي الوباء معتبرين وباء كوفيد 19 سلاحا موجها .

فما هو الأساس و التكييف القانوني الممكن لكل من الفرضيتن، وهل يمكن بناء على ذلك مقاضاة الصين أو من ثبتت مسؤوليته في كلتا الحالتين هذا ما سنحاول التطرق له في هذا الموضوع من خلال المحورين التالين:

المحور الأول: مسؤولية الصين عن التستر وعدم الإخطار السريع بخصوص تفشي كوفيد 19:

يبني أصحاب الرأي القائل بإمكانية محاكمة الصين بناء عن تسترها على تفشي الفيروس في بدايته بحيث أسهم ذلك في انتشاره خارج حدودها، وإزهاق الأرواح وتوقف الاقتصاد وخسارة مليارات الدولارات بشكل يتواصل حتى بعد الانتهاء من كتابة هذه الأسطر، فضلا عن تجميد التواصل الاجتماعي وفرض إجراءات الحجر الصحي وما تثيره من انعكاسات على النفسية والسلوك الاجتماعي في الوقت الذي عوض التستر على تفشي الفيروس كان يمكن فيه محاصرته والقضاء عليه قبل أن يتحول إلى جائحة عالمية بسبب الملايين الذين غادروا وهان في الفترة من منتصف دجنبر و23 يناير عندما اتخذت الصين قرار إغلاق المدينة.

وتقوم أركان المسؤولية الدولية على:

-ثبوت الفعل غير المشروع أو الخطأ الصادر عن أحد أشخاص القانون الدولي

-ثبوت الضرر لدولة أو دول أخرى.

-ثبوت نسبة الفعل غير المشروع إلى شخص قانون الدولي. فإذا ثبت ذلك، يكون من آثار المسؤولية الدولية أن يتم تحميلها لمن ثبتت بحقه، وينشأ التزام بإصلاح كل ما ترتب من أضرار.

وقد أكد العرف والفقه والقضاء الدولي وقرارات المحافل الدولية والعديد من الاتفاقيات الدولية التزام الدولة المسؤولة بإصلاح الضرر بطريقة كافية، وذلك بناء على القاعدة المستقرة القائلة بأن كل ضرر يوجب المسؤولية.

ففي هذه الحالة تقع المسؤولية المدنية على الدولة وفق نظرية المخاطر، أو ما يعرف باسم نظرية المسؤولية الدولية المطلقة، والتي تفيد بأن استغلال المشروع الذي تصاحبه مخاطر استثنائية يستتبعه تحمل المسؤولية في حالة الضرر الذي يلحق بالغير دون اتجاه القصد بإلحاق الضرر بالغير.

وقد أخذ القضاء الدولي بهذه النظرية في بعض أحكامه ومن ذلك قضية حادثة مضيق كورفر الشهيرة (1) بين بريطانيا وألبانيا بين عامي 1947 و 1949 ،وكذلك قضية التجارب النووية بين استراليا ضد فرنسا سنة 1974، حيث عقد الاختصاص القضائي لمحكمة العدل الدولية ، حيث أصدرت أحكام تلتزم فيه الدول بتقديم تعويض مادي و معنوي إلى الأطراف الأخرى المتضررة، وعليه تكون المحكمة المختصة برفع دعوى النزاع وإثبات الادلة هي محكمة العدل الدولية هذا من جهة .

من جهة أخرى، فإنه إذا صحت المعطيات الأمريكية حول تستر الصين عن الفيروس ثم عدم إغلاقها لحركة السفر عبر الحدود فإن مسؤولية الصين قائمة وذلك لمخالفتها لوائح منظمة الصحة العالمية (2) الموقعة عام2005  والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2007، و التي تهدف إلى منع الانتشار الدولي للمرض والحماية منه، والتحكم فيه، وتقديم الاستجابة للصحة العامة، والحد من التعطل البغيض للمواصلات والتجارة، على الصعيد العالمي.

وتعتبر هذه اللوائح، أداة دولية قانونية ملزمة لجميع الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية، ولجميع الدول غير الأعضاء، في منظمة الصحة العالمية، التي وافقت على الالتزام بها، وهي معاهدة دولية وقعت عليها الصين، ومن ثمة فهي ملزمة قانونيا بالحفاظ على بنودها.

ويحتم مضمون المادة 6 من لوائح منظمة الصحة العالمية على كل الدول  بالتزام الشفافية في التعامل مع المعلومات والحقائق المرتبطة بالأمراض المعدية والأوبئة بشكل فوري ومباشر ،وأن تخطر منظمة الصحة في غضون 28 ساعة من تقييم معلومات الصحة العمومية بجميع الأحداث التي قد تشكل طارئة صحية عمومية تثير قلقا دوليا،بينما تنص المادة 7 على أنه:”إذا وجدت دولة طرف بينة على حدث غير متوقع أو غير عادي في أراضيها،بغض النظر عن منشئه أو مصدره،يمكن أن يشكل طارئة صحية عمومية تثير قلقا دوليا فعليها أن تزود منظمة الصحة العالمية بكل المعلومات ذات الصلة بالصحة العمومية.”

وبناء عليه نرى بأن  الصين انتهكت المادة 64 من دستور منظمة الصحة العالمية من خلال انتهاك المادتين 6 و 7 من اللوائح الصحية الدولية والتي توجب على كل دولة عضو تقديم تقارير إحصائية ووبائية(3).

وحسب المادة 56 من اللوائح الصحية فإنه في حالة وقوع حدث أو نزاع بين منظمة الصحة العالمية ودولة أو أكثر من الدول الأطراف فإن المسألة تعرض على جمعية الصحة غير أنه في الحالة التي لا تحل خلالها النزاعات من خلال المفاوضة أو بوساطة جمعية الصحة فإن الأمر يحال  لمحكمة العدل الدولية طبقا لنظام المحكمة الأساسي حسب المادة 75 من دستور منظمة الصحة العالمية (4).

وبناء على ذلك، فإن قواعد المسؤولية الدولية حاضرة فيما لو رغبت أي من الدول المتضررة برفع شكواها إلى محكمة العدل الدولية ضد الصين أو منظمة الصحة العالمية إن ثبت تورطها في ما نسب إليها حيث يتاح لأي دولة ذات مصلحة، تود رفع قضية تعويض ضد الصين بشأن انتشار فايروس كوفيد – 19، أن تبتدئ بتسجيل قضيتها من خلال اللجوء لجمعية الصحة كشرط لأن تحال القضية إلى محكمة العدل. كما يمكن الاعتماد على المادتين 21 و 22 من دستور منظمة الصحة العالمية واللتان تمنحان جمعية الصحة العالمية سلطة اعتماد لوائح تنفيذية (مثل اللوائح الصحية الدولية)، وعلى أنها باعتمادها تلك اللوائح “تدخل حيز التنفيذ بالنسبة لجميع الأعضاء”.

ويمكن كذلك هنا إثاره مسؤولية منظمة الصحة العالمية بصفتها المسؤولة عن الأمن الصحي العالمي إذا ثبت تواطئها مع الصين حسب  الاتهام الذي وجه لها من طرف ترامب بناء على المادة 75 من دستور منظمة الصحة العالمية-السالفة الذكر- والتي تعقد الاختصاص القضائي لمحكمة العدل الدولية.

غير أن مكمن الصعوبة هنا، يتجلى في أن التحاكم لمحكمة العدل الدولية لا يتم إلا برضاء الأطراف ومن المستبعد أن تمنح الصين رضاءها على الوقوف أمام قضاة المحكمة فالقضاء الدولي بصفة عامة يقوم على مبدأ أساسي وهو احترام سيادة الدول الذي يتطلب موافقة الدول كشرط أساسي للمثول أمامه. أضف لذلك أن محكمة العدل الدولية لا تملك آلية التنفيذ الجبري وسبق للصين أن ضربت عرض الحائط بقرار المحكمة في نزاعها مع الفلبين في 2016م بشأن بحر الصين الجنوبي باعتبارها الحكم ‘قطعة من ورق’ وبالتالي فإن الأمر ذاته متوقع في حالة كوفيد-19،أما بخصوص منظمة الصحة العالمية فإنها تتمتع بالحصانة، كونها تابعة لولاية القانون الدولي.

المحور الثاني: المسؤولية الجنائية للصين عن وباء كوفيد 19:

طالبت بعض الأصوات المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق في اتهام الصين بقتل الاف الأشخاص وإصابة الملايين حول العالم، معتبرين أن انتشار الفيروس وما نتج عنه كان متعمدا، واضعين فرضيات عدة من قبيل استخدام الفايروس من قبيل السلاح الجرثومي مثلا.

وفي هذه الحالة فإن الجرائم التي عددتها المحكمة الجنائية كاختصاص لها يمكنها أن تتحمل هذه الجريمة إن ثبتت حقا كما أننا سنكون أمام مجموعة من الفرضيات القانونية المتعلقة بالقانون الدولي وقانون المحكمة الجنائية الدولية.

وتعتبر الجرائم الدولية أهم تجسيد للعمل الغير المشروع دوليا هي الجرائم الدولية حيث تحظى بأهمية خاصة في وقتنا الحاضر الذي ينتهك فيه القانون الدولي أكثر مما يحترم نتيجة ارتكاب هذه الجرائم الدولية بمظاهرها المتعددة .

ويمكن تعريف الجريمة الدولية بأنها تلك “التي تقع مخالفة للقانون الدولي حيث يرتكبها الشخص الدولي بسلوك إيجابي أو سلبي عالما بحرمة السلوك وراغباً بارتكابه محدثاً ضرراً على المستوى الدولي”(5)غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن الفقه القانوني الدولي لا يعرف وجودا لقائمة جامعة مانعة للجرائم الدولية، والشاهد على ذلك أن الوثائق الدولية التي اهتمت بتناول وتعداد هذا النوع من الجرائم حرصت دائما على تأكيد أن هذا التعداد لا يعني عدم وجود جرائم أخرى لم ترد فيها. ولكن بالاستناد إلى السوابق الدولية والعودة إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة التي بدأت عملها في الأول من تموز عام 2002 والتي خولت وفق لنصوص نظامها الأساسي صلاحية معاقبة مرتكبي أشد الجرائم خطورة، وغدت موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، يمكن تحديد أبرز هذه الجرائم الدولية بأنها تشمل جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان وهو ما نصت عليه المادة 5 من نظام روما الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.

1)هل يمكن اعتبار اعتبار كوفيد 19 جريمة حرب؟

دعا البعض إلى اعتبار استخدام الفايروس من قبيل السلاح الموجه بمثابة جريمة حرب والتي تعرف بأنها كل انتهاك لقوانين وأعراف الحرب والتي ترتكب أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. هنا لا بد لنا من تحليل كلمة الحرب الفعلية أو النزاعات المسلحة ومناقشة فيما لو ثبت أن هناك حرب بالفعل تم استخدام السلاح الجرثومي فيها. فبلا شك، تنطبق مفاهيم القانون الدولي الإنساني على النزاعات المسلحة فقط وحيث أننا لا نستطيع القول بأننا نواجه نزاعا مسلحا صريحا بالمفهوم القانوني، إلا أن الأمر سيكون مثيراً للجدل فيما لو أنه ثبت أن فيروسا مفتعلا في مختبرات خاصة قد تم تطويره واستخدمه بالفعل كسلاح جرثومي.

2) فرضية جريمة العدوان؟

في حين كيفها بعض القانونيين على أنها ربما تشكل “جريمة العدوان” والتي تعد من أخطر الجرائم الدولية وأكثرها فداحة على الإطلاق، فهي الجريمة الدولية الكبرى التي ترتكب في أثنائها وخلالها وبمناسبتها العديد من الجرائم الدولية الكبرى، كجرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية. وقد عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة العدوان خلال دورتها التاسعة والعشرين في العام 1974 بأنه استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو بأي صورة أخرى تتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة وفقا لنص هذا التعريف. واعتبرت أن الحروب العدوانية جريمة ضد السلم الدولي والعدوان يرتب المسؤولية الدولية وليس قانونياً ولا يجوز أن يُعدّ كذلك أي كسب إقليمي، أو أي مغنم خاص ناجم عن ارتكاب العدوان. وبرغم ذلك لم يتم بعد تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بنظر جريمة العدوان، لعدم الاتفاق على تبني تعريف خاص بالمسؤولية الشخصية عن ارتكابه.

3)قابلية التكييف كأحد جرائم الإنسانية:

وقد نكون إزاء أحد الجرائم ضد الإنسانية الموصوفة في القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الناشئة الذي يتضمن في المادة السابعة تعريفا للجرائم المرتكبة ضد الإنسانية “متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم”وهي تشمل ” الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية” وهناك تعريفات مماثلة لهذا المفهوم في النظام الأساسي لكل من المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة وتلك الخاصة برواندا والذي يجعل جريمة ما في عداد الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية هو ما تتسم به من اتساع نطاقها وطابعها المنهجي.

ومع الاعتراف بتداخل الحدود الفاصلة بين الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم إبادة الجنس (إذ من الممكن أن ينتمي الفعل ذاته إلى كل من الفئات الثلاث في الوقت ذاته)، لا يزال من الممكن التمييز ما بين الأنواع الثلاثة، وذلك بناء على الأركان المكونة لكل نوع من الجرائم.

ففي حالة جرائم الحرب لا بد أن ترتكب تلك الجرائم خلال صراعات أو نزاعات مسلحة، أما الجرائم ضد الإنسانية فمن الممكن أن ترتكب في وقت السلم أو الحرب، إلا أنها لا بد أن تكون جزءاً من عملية منهجية منظمة للقضاء على جماعة إنسانية بعينها، الأمر الذي يعنى أنّ الجرائم ضد الإنسانية من غير الممكن أن تكون عمليات عنف معزولة أو عشوائية. أي إن الطابع المنهجي المنظم للجريمة يعد جزءا أساسيا في حالة الجرائم ضد الإنسانية، إلا أنه لا يزيد على كونه شرطا إضافيا في جرائم الحرب.

وهنا يجب التنبيه إلى أن الجرائم الدولية لا تزال من الموضوعات الخلافية في القانون الدولي، فلا يزال من الصعب تحقق ما يمكن تسميته بالاتفاق الكامل على أنواع الجرائم الدولية، الأمر الذي يؤكد أنّ عملية تعريف المفاهيم والجرائم الدولية تخضع في جانب كبير منها للعوامل والتفاعلات السياسية والاعتبارات المصلحية، وهذه تحكم التفاعلات ما بين الدول المختلفة في المحافل والمؤتمرات الدولية، التي عادة ما يتم خلالها وضع التعريفات والاتفاق على الخطوط العريضة التي تشكل الأركان التي تقوم عليها الأنواع المختلفة للجرائم الدولية، ثم إنه أمام بعض الثغرات القانونية التي تعتري القانون الدولي عن مجالات يكون فيها القانون غير كاف لحكم القضية، وهو ما تتاح أمامه إمكانية اللجوء إلى المبادئ العامة للقانون, بوصفها مصدرا متميزا للقانون الدولي والتي تقوم على أساس الإرادة المفترضة لغالبية الدول, كونها تعبر عن الاتجاه العام للالتزام بما تتضمنه الأنظمة القانونية الداخلية من قواعد, وبذلك يمكن أن تصبح جزءا

لها بصفتها المصدر والذي يسبقه الاعتراف بها من عموم الأنظمة الداخلية للدول, وهي بهذا الوصف تكمل القانون الدولي الجنائي وتؤدي فيه وظيفة مهمة وهي سد النقص الذي قد تتركه الأعراف والمعاهدات الدولية في حكم قضية معروضة أمام القضاء المختص بنظر الجرائم الدولية, وهي بذلك تسهم بدور مهم في تطوير قواعد القانون الدولي العام بشكل عام والقانون الدولي الجنائي بشكل خاص.

وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام العديد من التكييفات التي يمكن أن تخضع لها الجريمة المفترضة بكون الصين أو غيرها قد استخدمت فايروس كوفيد 19 من قبيل السلاح الموجه.

غير أن الأمر ليس بهذه البساطة لأسباب قانونية أيضا، وذلك لعدم عضوية الصين في المحكمة الجنائية الدولية بما يجعل الأخيرة غير مختصة بالتحقيق في الفعل.

وحتى مع سلوك طريق الإحالة إلى المحكمة من  طرف مجلس الأمن الدولي فإن ذلك يصطدم بأن الصين وعلى غرار روسيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة (الأعضاء الخمسة الدائمين)،تمتلك حق ما يسمى بالفيتو أو النقض،و الذي ستستخدمه لا محالة أو قد يستخدمه حليفها الاستراتيجي روسيا في مواجهة أي قرار قد يصدر في مواجهة الصين.

أضف إلى ذلك أن المحكمة الجنائية الدولية تختص بملاحقة الأفراد لا الدول، وحتى توجيه الاتهام بدلا من دولة الصين إلى الرئيس شي جين بينغ أو غيره من المسؤولين الصينيين أمام هذه المحكمة، يعد أمر صعبا كذلك، حيث لم تصادق واشنطن ولا بكين على قانون روما الذي يعد النظام الأساسي للجنائية الدولية.

 

يبدل العالم مجهودات جبارة من أجل القضاء على فيروس كوفيد19 والحفاظ على الموازنة الاقتصادية التي تضررت كثيرا جراء ما فرض على الكرة الأرضية من مستجدات همت الحياة بصفة عامة نتيجة سياسة الحظر التي كان سببها الفيروس الذي ظهر وانطلق من الصين ليغزوا أغلب دول العالم مثيرا العديد من الفرضيات حول انتقاله مشيرا بأصبع الاتهام إلى الصين في كلتا الفرضيتين ما أدى معه إلى مطالبتها بتعويضات كبيرة عن الخسائر المادية والبشرية.

ونتيجة لضغط أمريكا ومجموعة من الدول الأوربية عبرت الصين عن استعدادها لاستقبال فريق من منظمة الصحة العالمية للتحقيق حول منشأ فيروس كورونا (كوفيد-19)،وهو ما قد يظهر مجموعة من الحقائق إن التزم التحقيق بالشفافية والحيادية، كما أنه يزكي إحدى الفرضيتين اللتين كانتا محور موضوعنا، غير أن الإشكال القانوني سيبقى حاضرا بحكم عدم وجود سابقة لتعويضات مقدمة بسبب تفشي أي وباء وحماية القوانين الدولية الحالية للدول العظمى.

وكانت ولاية ميسوري الأمريكية قد رفعت دعوى قضائية ضد السلطات الصينية بتهمة ‘الكذب على العالم’ فيما يتعلق بمخاطر فيروس كورونا،محملين المسؤولين الصينيين مسؤولية الأضرار غير القابلة للإصلاح لبلدان العالم.

وليست هذه الخطوة الأولى من نوعها المتعلقة بالخسائر الأميركية والمسؤولية الخارجية. ففي عام 2016، اعتمد الكونغرس قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب ‘جاستا’ الذي يسمح للمحاكم الأميركية بالنظر في الدعاوى المدنية التي رفعها ضحايا 11 شتنبر ضد السعودية بشأن دور الرياض المزعوم في الهجمات.

وعلى الرغم من أنه ليس لشكاوى الأفراد إلى المحاكم المحلية أي فرصة للنجاح، لأن الصين يمكنها الاحتجاج بحصاناتها من الولاية القضائية، وحتى إذا أدانت المحكمة الصين، فإنه من المستحيل تنفيذ القرار، بيد أن هذه الدول قد تلجأ لبعض الاجراءات البديلة

من قبيل قيام واشنطن وحلفاؤها بتجميد أصول وأموال الشركات الصينية المملوكة للدولة وفرض قيود على السفر وإلغاء التأشيرات ومنع المؤسسات المالية الأمريكية من تقديم قروض إلى شركات صينية ومنع تلك الشركات من التسجيل في أسواق الأوراق المالية في الولايات المتحدة وغيرها، لإجبار بكين على دفع تعويضات، وفي حال لجأت الصين لمقاضاة تلك الدول يتم إذن الاحتكام للقانون الدولي فيما يخص الوباء ومسؤولية الصين عنه، وهو إجراء مشابه لما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في قضية الرهائن الأمريكيين المحتجزين في طهران عام 1979، فتسوية تلك القضية تمت بعدما جمدت الولايات المتحدة الأرصدة الإيرانية لإجبار إيران على المثول أمام محكمة العدل الدولية، مما أدى إلى سعي إيران إلى إنهاء القضية بالتوقيع على اتفاقية الجزائر في 19 يناير 1981 تم بمقتضاها الإفراج عن الرهائن بعد مرور 444 يوما، لتنهي الولايات المتحدة تجميد الأموال الإيرانية.

وهذا السيناريو هو غيض من فيض في سلسلة من الإجراءات القانونية التي يظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية ستواكبها لتتمكن من إسقاط الديون الصينية لحكومات دول في إفريقيا وشرق أوروبا وأمريكا اللاتينية، في إطار مبادرة الحزام والطريق التي تستغلها الصين لفرض نفوذها حول العالم.

بالإضافة إلى ذلك يمكن اللجوء إلى الاختصاص الإفتائي لمحكمة العدل الدولية والذي لا يتطلب موافقة الصين للجوء إلى محكمة العدل الدولية، والذي يتمتع بقيمة قانونية وأدبية كبيرة حيث تقضي الفقرة الأولى من المادة 96 من ميثاق الأمم المتحدة أن “لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن أن يطلب إلى محكمة العدل الدولية إفتاءها في أية مسالة قانونية”، كما تنص الفقرة الثانية من المادة السادسة والتسعين انه لسائر فروع هيأة الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة المرتبطة بها طلب الإفتاء بعد أن تأذن لها بذلك الجمعية العامة، كما نصت المادة 65 من النظام الأساسي للمحكمة أن “للمحكمة أن تفتي في أية مسالة قانونية بناء على طلب أية هيأة رخص لها ميثاق الأمم المتحدة باستفتائها، أو حصل الترخيص لها بذلك طبقا لأحكام الميثاق،حيث يجوز للدول أن تهرب من ‘الفيتو’ في مجلس الأمن الدولي وتلجأ للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتضغط عليها لكي تقوم بنفسها أو تأذن لغيرها من أجهزة الأمم المتحدة بما فيها منظمة الصحة العالمية لطلب فتوى من محكمة العدل الدولية، بشأن مسؤولية الصين عن تفشي كوفيد 19.

وكانت ناميبيا قد حصلت على استقلالها عن جنوب إفريقيا بسب فتوى لمحكمة العدل الدولية عام 1971، ثم إن متابعة مثل هذه القضية أمام محكمة العدل الدولية، سيؤدي لا محالة إلى انتصارات سياسية كبيرة، وهو ما سيشكل مسار جديد في العلاقات الدولية سيكون له ما بعده وربما سيؤدي إلى مراكز جديدة في رقعة الشطرنج العالمية، بالإضافة إلى أنه يستفز الفكر القانوني الدولي ومدى حاجته إلى الاستشراف و التجديد والتحلي في ديباجته وتطبيقه بمفهوم القاعدة القانونية العامة والمجردة حتى لا نعاني من الارتباك القانوني فيما قد يجود به الزمن من نوازل كنازلة فيروس كوفيد 19.

 

(1)-للمزيد من المعلومات انظر:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D8%B6%D9%8A%D8%A9_%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9_%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%81%D9%88-تم تفحصه بتاريخ 10 أبريل 2020

(2)- تم اعتماد اللوائح الصحية من طرف منظمة الصحة العالمية المنظمة الدولية المختصة بالمجال الصحي وهي تابعة لمنظمة الأمم المتحدة . بدأت العمل حين دخل دستورها حيز النفاذ في عام 1948 إذ تم تحديد مسؤولية المنظمة لمكافحة الامراض والاوبئة ، وفي العام 1951 تم تبني القواعد التنظيميةIHR لتوفير قاعدة قانونية لاطار عمل المنظمة، والوقاية من الامراض الوبائية، وفي عام 2005 تم اعتماد قواعد تنظيمية صحية يطلق عليها اللوائح الصحية الدولية (2005) بوصفها أطارا قانونيا للإبلاغ عن الامراض الوبائية.

(3)- جاء في المادة 64 من دستور منظمة الصحة العالمية  “يقدم كل عضو تقارير إحصائية ووبائية بطريقة تحددها جمعية الصحة”.

(4)-جاء في المادة 75 من دستور منظمة الصحة العالمية “أي مسألة أو نزاع بشأن تفسير هذا الدستور أو تطبيقه لا تتم تسويته بالمفاوضة أو بوساطة جمعية الصحو،يحال إلى محكمة العدل الدولية،طبقا لنظام المحكمة الأساسي،ما لم تتفق الأطراف المعنية على طريقة أخرى للتسوية.

(5)خالد طعمة صعفك الشمري-القانون الجنائي الدولي-ص59

المعلومة القانونية

*شرف الدين دنياجي

باحث في القانون والترجمة

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً