الرئيسية أقلام من أجل آجال معقولة لأداء الديون البنكية المترتبة نتيجة جائحة كورونا

من أجل آجال معقولة لأداء الديون البنكية المترتبة نتيجة جائحة كورونا

16 مايو 2020 - 0:31
مشاركة

هل يمكن للقضاء أن يعتمد – وهو يبث في طلبات الإمهال القضائي أو مهلة الميسرة – على القوة القاهرة المنصوص عليها بقانون الالتزامات والعقود، بذل المادة 149 من قانون حماية المستهلك، خصوصا بالنسبة للتجار والمهنيين المتعلقة التزاماتهم بعقود بنكية تجارية ومهنية؟

يطرح التساؤل لأن الإمهال القضائي المنصوص عليه بالمادة 149 من قانون حماية المستهلك، امهال خاص بالأجير الذي فقد عمله أو في حالة اجتماعية غير متوقعة والتي تركها المشرع مبهمة دون تبيان المستفيد منها خصوصا وان إطار تطبيق قانون حماية المستهلك ضيق جدا باستقراء المادة 2 منه.

وأن الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود الخاص بالقوة القاهرة والفصول ذات الصلة قد يكون سندا مؤسسا لطلب تأجيل تنفيذ الإلتزام التعاقدي إلى أن يتعافى الاقتصاد وبالتبعية المدين – خصوصا التاجر والمهني – ويصبح قادرا على تنفيذ التزامه التعاقدي الذي يبقى قرضا بنكيا على سبيل المثال.

ليس من الممكن تعميم الإمهال أو الميسرة في أداء الديون البنكية على جميع المدينين في مواجهة جميع الدائنبن، لأن ذلك سيكون خطابا شعبويا من جهة و مسا بالنظام العام الاقتصادي من جهة أخرى ، لكن سند طلب الإمهال او الميسرة يمكنه ان يعتمد على القوة القاهرة وقدرة المدين على تنفيذ التزامه من عدمها بناء على مجموعة من الوثائق والمعطيات مثلا الحسابات البنكية والقوائم التركيبة والطلبيات التي هو في صدد تنفيذها والصفات العمومية التي يمكنه ان تكون قد رست عليه، ليبقى لكل طلب موجبات موضوعية خاصة به.

ذلك أن الجائحة التي يعيشها العالم بأسره لايمكن أن نتصور، من خلالها، أن الاقتصاد العالمي وبالتبعية المغربي سيتعافى منها بين ليلة وضحاها، ولو رفعت حالة الطواريء الصحية بعد شهر أو شهرين من الآن، لأن الإنتاج والعرض والطلب وترميم القدرة الشرائية المنهارة والتخلص من آثار الحجر الصحي خصوصا المالية منها والنفسية (ديون خارج الإطار المؤسساتي) لن يرجع إلى حالته شبه الطبيعية الا بعد سنة أو سنتبن على الأقل بالرغم من كل الأشياء التي تم القيام بها والتي همت حماية الأرواح وليس الاقتصاد وهو اختيار محمود وكنا مثالا يحتدى به.

إن المؤسسات البنكية، في إطار “لجنة اليقظة” التي اقترحت شبه امهال بناء على طلب المدين – عن ثلاثة أشهر فقط – لن يكون حلا سواء بالنسبة للأجراء او المهنيين أو المقاولات كيفما كانت انواع الديون (استهلاكية، عقارية، مهنية، تجارية… إلخ).

ذلك أن السماء سوف لن تمطر سيولة مالية مباشرة بعد رفع حالة الطواريء الصحية المنصوص عليها في المرسومين عدد 2.20.292 المؤرخ في 23 مارس 2020 وعدد 2.20.293 المؤرخ في 24 مارس 2020، لأن من بين الآثار المباشرة لجائحة كورونا هي تبديد مجموعة من الأصول التجارية وذلك بفقدان أهم عنصر وهو عنصر الزبناء سواء لأسباب موضوعية متعلقة بالنشاط التجاري الممارس أو ذاتية متعلقة بالتاجر نفسه وفريق عمله الذي سيكون توقيف عقد عمله وفقدانه لأجره واكتفائه بمبلغ 2000 من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سببا لفسخ عقد شغله بعد انتهاء الجائجة.
ونفس التحليل ينطبق على المهن الحرة (محامون، أطباء، موثقون… الخ) التي ستفقد الكثير من قدرتها على تنفيذ الالتزام نتيجة الجائحة التي بعثرت كل التوقعات وشلت النشاط الممارس وكمثال عدم رفع دعاوى الموضوع بالنسبة للمحامين وعدم إمكانية التنقل عند الموثقين لإبرام العقود او عند الأطباء خوفا من العدوى.

لن نكون مجانبين للصواب اذا قلنا أن عقلية المقاول بمفهوم L’entrepreneur ستتغير كثيرا خصوصا في شقها المتعلق بالمجازفة La prise de risque في زمان ما بعد كورونا.

أعرف الشاب هشام الذي كنت اتناول فطوري اليومي عنده بالمقهى التي كان يسيره (مسير حر) وكله حيوية ونشاط في استقبال زبائنه وترتيب مقهاه خصوصا أثناء مقابلات كرة القدم ودوره الاجتماعي في احتواء شباب الحي ورجاله المدمنين على المقهى وحتى بعض الأعطاب الاجتماعية الأخرى كان يتكلف بها نيابة عن المؤسسات المعنية بها، كان هشام يؤدي اكثر من 20000 درهم شهريا في إطار عقد تسيير حر لأصل تجاري (مقهى مجهزة) وكان يشغل اكثر من 5 اجراء قارين ويعيش يوما بيوم حتى أن ليالي مقابلات كرة القدم كانت بالنسبة له ولمساعديه يوم احتفال بامتياز وكنت أرى فيه الشاب الذي يجازف بمبالغ يومية من دخله لتجهيز المقهى وتأثيته والسهر عليه ليبقى في أبهى حلة.

كان هشام يوفر لمحبي الرجاء والوداد والريال والبارصا وكل باقي البطولات الغربية متعة في كل مقابلة، في جو من الفرجة الجماعية والتشجيع الأنيق. كان يلعب دور دور الشباب و “وزارة السعادة” التي أسست لها بعض الدول المتقدمة التي اعتبرت سعادة المواطن من بين مهامها.

انظر اليوم للمقهى وهو مغلق وهشام وأجرائه يهيمون في الأرض وأقول في نفسي، هل هشام سيعاود الكرة ويكتري مقهى آخر وهو الذي عاش هذه المرارة؟ لا أظن.

كيف يعيش الآن هشام وأسرته ؟ وبأية إمكانية مادية؟ فهو لا بالأجير ولا بالشخص المتوفر على بطاقة الرميد ولا بالمقاول الذي كان يدخر لليوم غير المعلوم؟

نفس التحليل ينطبق على المحامي المساعد مثلا الذي ليس بالأجير بمفهموم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وليس مهنيا مستقلا.

نفس الشيء ينطبق كذلك على مجموعة من الأشخاص والفاعلين في ميادين شتى منها الفن على سبيل المثال، والذين يشتغلون Freelance سواء في التلحين او التوزيع او المسرح او الانارة او الاخراج او الكتابة، هم محسوبون على قطاع الثقافة، لكن، لأسباب غير مفهومة ومرتبطة ربما بقلة الفرص، غير نظاميين من الناحيتين الضريبية والقانونية. هم ليسوا بأجراء ولا تسمح لهم كرامتهم وحسهم الفني بالتقدم بطلب بطاقة الرميد وبالتالي فهم بدون دعم لاشك في ذلك، في هذه الظرفية الصعبة.

الاستثمار في زمن ما بعد كورونا سيكون صعبا من الناحية النفسية اولا ويتطلب وقتا طويلا لينمو بالرغم من ان قواعد الاقتصاد تقول ان هناك ذائما رابحون ومستفيدون من الحروب والجائحات والاوبئة.

فهل سيتمكن الطبيب والموثق والمحامي والمقاولة كيفما كان نشاطها وحجمها ونشاطها – وهم جميعهم في حالة عطالة أو شبه عطالة مع تحمل مجموعة من المصاريف القارة – أن يرجعوا – هكذا – لوضعهم المالي والتجاري لما قبل جائحة كورونا في أول يوم رفع الحجر الصحي؟

وهل المخل بتنفيذ التزامه اتجاه البنك المقرض أخل بالتزامه عن قصد؟

صحيح ان الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون، لكن يجب استحظار مقتضيات الفصل 231 قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن “كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية. وهو لا يلزم بما وقع التصريح به فحسب، بل أيضا بكل ملحقات الالتزام التي يقررها القانون أو العرف أو الإنصاف وفقا لما تقتضيه طبيعته”، و مقتضيات الإنصاف حاضرة ومكملة لمقتضيات العقد شريعة المتعاقدين.

إن الرجوع للتوازن المالي Équilibre financier لن يتأتى الا بعد سنة أو سنتين على الأقل من العمل الشاق ليل نهار وبشكل مخالف لما كان عليه العمل ما قبل جائحة كورونا، لأن العالم سيتغير لا محالة بكل مكوناته ومنها الأنشطة المزاولة ونوعيتها وطريقة تسويقها.

سيتغير العالم اقتصاديا وسياسيا وأنماط استهلاك وادخار وتفكير واتخاذ القرار.

لن يشتغل العالم بجميع مكوناته كما كان، خصوصا فيما يتعلق بطرق العمل والتوازنات المالية والعلاقات بين الأشخاص والمؤسسات.

يقينا ستكثر المنازعات القضائية المتعلقة بفسخ العقود والتحلل من تنفيذ الالتزامات والكل في إطار القوة القاهرة، وسيكون محكا حقيقيا أمام القضاء للبث في نوازل جديدة بألوان جديدة وتأطير قانوني غير مناسب وضيق أحيانا.

هل سيكون من حق المدينين الذين تتوفر فيهم شروط العجز عن تنفيذ الالتزام الناتج عن القوة القاهرة ان يستفيدوا من الإمهال القضائي المنصوص عليه في المادة 149 من قانون حماية المستهلك بالرغم من ضيق “إطار تطبيقه” مع الأخذ بالقوة القاهرة، ليس من أجل التحلل من الإلتزام بل فقط من أجل تأجيل تنفيذ الإلتزام لسنة او سنتين حسب الحالات طبقا لأحكام الفصول 243 و 269 من قانون الالتزامات والعقود ؟

يقول الأستاذ محمد الكشبور في كتابه “نظام التعاقد ونظريتا القوة القاهرة والظروف الطارئة” الصفحة 68 “والقاعدة العامة ان القوة القاهرة ومتى تحققت كل الشروط التي يتطلبها المشرع بشانها ، عدت سببا كافيا بوحده لانقضاء الالتزام التعاقدية، أو على الأقل تأجيل تنفيذه اذا لم يكن في ذلك ضرر قد يصيب الدائن في الالتزام، أي اذا لم تنعدم اية فائدة من ذلك التأجيل، ورضى هو طبعا بذلك، دون تعسف منه”.

وهل المدين العاجز عن تنفيذ الالتزام بالأداء يعتبر في حالة مطل؟

يقول القانون” يكون المدين في حالة مَطْـل، إذا تأخر عن تنفيذ التزامه، كليا أو جزئيا، من غير سبب مقبول” (الفصل 254 من قانون الالتزامات والعقود).

وهل الجائحة العالمية لا تكفي للقول بوجود السبب المقبول لعدم تنفيذ الالتزام المقابل؟

ويمكن كذلك إثارة “استحالة التنفيذ” المنصوص عليها في الفصل 319 من قانون الالتزامات والعقود، ولما لا والفصل 335 من ذات القانون الذي نص على أنه “ينقضي الالتزام إذا نشأ ثم أصبح محله مستحيلا، استحالة طبيعية أو قانونية بغير فعل المدين أو خطإه وقبل أن يصير في حالة مَطْـل” وهي استحالة طبيعية بغير فعل المدين أو خطاه؟

أكيد ان المرافعة من أجل انقضاء الالتزام هو شيء نشاز وغير مقبول وماس بالنظام العام الاقتصادي، لكن هذا الدفع يجد مكانا له بخصوص تأجيل تنفيذ الالتزام.

لا نريد أن نرى مقاولات مشرحة في مختبرات الصعوبة (تسوية أو تصفية) أو جثثا في الطبيعة بين تمكين مالك العقار من عقاره او استرجاع هذا الأخير له قضائيا، وترك كل الحلول بين يدي البنك الذي سيجد نفسه مضطرا لبيع أصل تجاري بالمزاد العلني، والذي لن يشتريه احد لاختلاله وفقده لأهم عناصر فيه وهو الزبناء والسمعة وتبعات ذلك كذلك على مناصب الشغل وما يترتب عليها من آثار اجتماعية.

زمن ما بعد كورونا يحتاج لتأطير قانوني جديد يتطلب العمل على الترسانة القانونية برمتها وجعلها متجانسة ومتناسقة ومنفتحة. ترسانة قريبة من عالم الرقمنة Digital الذي نرفعه شعارا وبعيدة عن بعض المواد التي حين يضطلع عليها المستثمر الأجنبي مثلا يخيل اليه اننا فعلا في صحراء نركب جمالا، تنص المادة 458 من المسطرة المدنية على أنه ” لا تقبل الحجز الأشياء التالية:
1 – فراش النوم والملابس وأواني الطبخ اللازمة للمحجوز عليه ولعائلته؛
2 – الخيمة التي تأويهم؛
3 – الكتب والأدوات اللازمة لمهنة المحجوز عليه؛
4 – المواد الغذائية اللازمة مدة شهر للمحجوز عليه ولعائلته التي تحت كفالته؛
5 – بقرتين وستة رؤوس من الغنم أو المعز باختيار المحجوز عليه بالإضافة إلى فرس أو بغل أو جمل أو حمارين باختيار المحجوز عليه مع ما يلزم لأكل وفراش هذه الحيوانات مدة شهر من تبن وعلف وحبوب؛
6 – البذور الكافية لبذر مساحة تعادل مساحة الملك العائلي؛
7 – نصيب الخماس ما لم يكن لفائدة رب العمل.
والكل دون مساس بالمقتضيات المتعلقة بالملك العائلي”.

كم من منفذ عليه يسكن خيمة (الفقرة 2)؟ وما معنى الخيمة؟ نعم الخيمة بترجمتها بذات المسطرة La tente.

وهل القانون المغربي لا زال عاجزا على تغيير مصطلح الخماس ( الفقرة 7) بمصطلح آخر بل حتى لغة موليير تركته على حاله Khammès.

علاقة جديدة منتظرة بين المؤسسات البنكية والمجتمع المدني والاقتصادي – المتكون من جميع المواطنين و المقاولات والمهن الحرة – بين يدي القضاء الذي نراه أكثر في تحقيق العدالة بذل التطبيق الحرفي للقانون لأن الجائحة بكل تأكيذ ستغير أغلب القوانين.

لنا اليقين ان القانون والقضاء ومفهوم القوة القاهرة والظروف الطارئة ستعرف ثورة ما بعد كورونا.

سنرى اجتهادات قضائية وأحكام محكمين وفقها غزيرا بخصوص القوة القاهرة ، اذا ما كتب لنا الله عمرا بعد الجائحة نتيجة آثار جائحة كورونا.

خلاصة، لنا قضاء نعتز به كما لنا وطن نحبه، إذ قضت المحكمة الابتدائية بطانطان، شهر أبريل 2020 في عز الجائحة، برفض الدعوى الاستعجالية المرفوعة ضد رئيس المصلحة الإدارية والاقتصادية بالمستشفى الإقليمي الحسن الثاني بطانطان، المعفى من مهامه، رغم استفادته من السكن الوظيفي، وذلك بسبب فيروس “كورونا” المستجد.

وعللت المحكمة رفض الدعوى، كون أن طرد المدعى عليه من السكن الوظيفي يبقى غير مؤسس واقعا وقانونا خاصة بالنظر إلى التدابير الاحترازية التي تتخذها المملكة للحد من انتشار وباء كورونا المستجد حماية للصحة العامة، وأكدت على أن الاستجابة للطلب في هذا التوقيت والظرفية يبقى غير ذي أساس ويتعين معه الحكم برفض الطلب.

 

المعلومة القانونية

*الأستاذ لحسن فراحي

محام بهيئة الدار البيضاء دكتور في الحقوق
أستاذ زائر بكلية الحقوق بالمحمدية

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً