الرئيسية تقارير الإطار القانوني للوساطة الأسرية: أشغال دورة لتكوين مستشارين أسريين

الإطار القانوني للوساطة الأسرية: أشغال دورة لتكوين مستشارين أسريين

13 مايو 2020 - 0:42
مشاركة

بسم الله الرحمن الرحيم

معالي السيدات والسادة الأفاضل أعضاء اللجنة العلمية، وأعضاء اللجنة المنظمة لبرنامج الوساطة الأسرية،

السادة والسيدات الوسطاء المعتمدين لدى الهيئة الدولية للتحكيم والعلوم القانونية المشاركين والمشاركات خلال أشغال وفعاليات الدورة التكوينية ل”إعداد مستشار أسري محترف”،

ممثلي الهيئة الدولية للتحكيم والعلوم القانونية، ومركز المنارة للدراسات والأبحاث وكافة شركائهم والمتعاونين معهم في تنظيم فعاليات برنامج الوساطة الأسرية المحترمين، كل باسمه وصفته،

أيها الحضور الكريم،

الحمد لله الذي جعلنا أمة وسطا، وجعلنا سراة في آفاق العلوم، وقضى ألا يستوي الذي يعلمون والذي لا يعلمون، والصلاة والسلام على قارئ القران بلا ورق، مستعيذا بالذي خلق، من شر غاسق إذا وقب، صاحب العلم الذي لا ينضب، والقول الذي لا يكذب، وعلى آله وصحبه أجمعين…

وبعد أن ذكرنا الله وحمدنا وتذكرنا أحمد فصلينا عليه ومدحناه نبدأ ما قصدناه،

قبل الحديث عن الوساطة الأسرية من الأجدر أن نعرج إلى الوسائل البديلة بشكل عام والتي يقصد بها (طرق وأساليب إدارة وحل النزعات خارج إطار القضاء)، ولكن لابد أن نشير هنا إلى أن الوسائل البديلة ليست بديلة عن القضاء بالمفهوم الحرفي للكلمة بل هي في مجملها وسائل وآليات للتخفيف عن كاهل القضاء.

فصدق من قال (إن العدالة ليس أن يصل صاحب الحق إلى حقه فحسب، وإنما العدالة في أن يستوفي حقه بغير عنت وفي وقت قليل).

وكما هو معلوم أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، فلا يستطيع أن يعيش منعزلاً عن الأخرين، وحاجته المستمرة للغير تعتبر من ضمن الضروريات التي تفرض نفسها عليه منذ ولادته.

ونتيجة لحاجة الإنسان للغير ينطلق بفطرته لتكوين روابط وعلاقات معهم، تبدأ بالعلاقات الأسرية وصولاً إلى العلاقات داخل المجتمع.

فالأسرة التي يبدأ الإنسان أولى خطواته منها تعتبر النواة الأساسية الداعمة للمجتمع، حيث أن قوة وضعف المجتمع تقاس بناءً على تماسك الأسرة أو ضعفها، وصلاح المجتمع أو فساده يتعلق بالأسرة.

لذلك جاء الاهتمام بالأسرة منذ أن وجدت، لأن حجم التطورات الهائلة في العلاقات الشخصية والحياة الأسرية جعلها تواجه العديد من المشكلات والتحديات على كافة الأصعدة.

الأمر الذي يدعو إلى البحث عن وسائل وآليات نوعية لتستعيد الأسرة توازنها واستقرارها وتسترد دورها الفعال في بناء المجتمع، الأمر الذي أدركته البشرية منذ القدم فأعرض الإنسان عن اللجوء إلى القوة لحل مشكلاته ونزعاته المختلفة لما تخلفه من أضرار وويلات، واخذ يبحث عن وسائل أخرى لحل مشكلاته.

فالحضارات القديمة والشريعة الإسلامية كانت السباقة في معرفة تلك الوسائل، حيث عرف الإغريق والسومريون التحكيم، وفي العصور الوسطى لجأوا إلى حل المنازعات بالتحكيم والوساطة، ومن ثم جاءت الشريعة الإسلامية لتنشر العدل بين الناس من خلال الصلح والتحكيم والتفاوض، والأدلة على ذلك متعددة في التاريخ الإسلامي والإنساني.

وتشهد الحوارات القرآنية والنبوية على نجاح الحوار البناء في كشف الحقائق، وتدبير الاختلاف، وتحقيق الوساطة، والرقي بالإنسان إلى أعلى المراتب من أجل بناء عالم أفضل.

ومع رسوخ فكرة الدولة بمفهومها الحديث واستقرار الأنظمة السياسية، جاء القضاء النظامي ليتولى مهمة الفصل في جميع المنازعات، بعد أن رسمت الدولة عبر ألياتها التشريعية القواعد الناظمة التي تضمن تحقيق العدالة. إلا أن الأنظمة القضائية عبر العالم صدمت بجدار صلب متعدد الأوجه والأسباب جعلتها تشعر بالعجز في معالجة أعباء القضايا المتزايدة والمتشابكة ولا سيما القضايا الأسرية منها.

فالعالم اليوم يعيش في ظل أزمة القضاء بتنامي النزاعات ولا سيما الأسرية التي لم يتمكن معها جهاز العدالة من مواكبة هذه الوضعية الاجتماعية، فأضحى النظام القضائي سلبياً في معالجة شقاق الأسرة الذي ينتهي دائما بالطلاق والفرقة، وطرف فائز وآخر خاسر. في حين أن توفير طريق بديل كالصلح أو الوساطة سيوفر لغة الحوار ويمكن الأطراف من التواصل من جديد من أجل الوصول الى حل يرضي الطرفين معاً. فإقبال الدول على هذه البدائل يرجع من جهة الى أن القاضي لا يمتلك الوسائل الضرورية لحل هذا النوع الخاص والمميز من النزاع، لذلك من الأفضل انتداب هذه المهمة الى شخص آخر لديه من المؤهلات والخبرات ما يجعله محترفاً والأقدر على حلها. فالقاضي يمكنه أن يبت في النزاع ويقول كلمة القانون في الموضوع، لكنه لا يستطيع أن يختم خلاف الطرفين بصفة مطلقة بحل يرضي الطرفين معاً، ومن جهة أخرى فإن القاضي يشعر بنوع من العياء والسأم عند فصله في هذا النوع من القضايا لأنه لا يملك إلا إعمال القانون.

هذه المميزات تعبر بدون شك عن سبب جعل الوسائل البديلة الأصلح للأسرة بالإضافة الى أن النزاعات الأسرية هي ذات مواصفات وميزة خاصة، لأنها تتضمن أشخاصاً تجمعهم علاقات ترابط تستمر معهم طوال الزمن، والنزاعات الأسرية قبل أن تكون نزاعات قانونية هي نزاعات ذات روح وماهية عاطفية ووجدانية، كما أن الفرقة والطلاق له انعكاسات على جميع أفراد الأسرة خاصة الأطفال.

لذلك بدأت الدول تبحث عن وسائل أخرى تساعد مؤسساتها القضائية سميت بالوسائل البديلة، وبذلك يتضح لنا جلياً أن الدولة عادت للأصل بدلاً من البقاء على الاستثناء فقط- القضاء- فتناولت العديد من الدول إن لم يكن جُلها تنظيم الوسائل البديلة التي كانت معروفة في السابق إلى جانب استحداث وسائل أخرى فرضتها العادات والأعراف والتقاليد. فقد بادرت العديد من الدول بتشريع قوانين عامة وخاصة تتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية والصلح، لما تتمتع به تلك الوسائل من مزايا خاصة في تسوية المنازعات كافة.

ومن هذا التقديم ننطلق لنلقي بالضوء على إحدى الوسائل البدلية بل وأهمها في حل النزاعات الأسرية، لنخوض في غمار إطارها القانوني في عدة محاور تتمثل في شروط صحتها وصفات القائم عليها – الوسيط- ومن ثم نختم بالالتزامات والآثار التي تترتب عليها … ألا وهي (الوساطة الأسرية).

فعندما تدرس النزاع على الوجه الصحيح يكون الإعداد، وعندما تطوع ما بين يديك من نصوص لتخلق لنفسك مكان في هذا العالم الأسري فأنت حينها مستشار، وعندما تسخر مهاراتك وقدراتك وما لديك من تجارب وخبرات لتقريب وجهات النظر وتسوية النزاع فانت وسيط أسري. لنصبح بمجموعها مستشار أسري محترف!!

الإطار القانوني للوساطة الأسرية

تعتبر الوساطة من ضمن الوسائل البديلة لحل المنازعات، وتستمد الوسائل البديلة إطار القانوني من الشريعة الإسلامية الزاخرة بالأدلة القرآنية والأحاديث النبوية والأعراف والتقاليد إلى جانب التشريعات الوطنية والدولية.

  • حيث قال الله عزوجل في كتابه الحكيم عن الصلح والإصلاح بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) وقال في موضع أخر (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) هذا على صعيد الإصلاح بين الناس عامة.
  • على صعيد أخر دعا إلى التحكيم فقال عزوجل (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، وقال أيضاً (فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ).
  • وأدراكاً من الشارع الحكيم بأهمية إخماد فتيل النزاع ورأب الصدع الأسري ونشر المودة والوئام بين الزوجين وإحلال الوفاق بدل الشقاق قال عزوجل (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا). وقال عزوجل (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ).

وجاء من هدى النبوة ما يحثنا على الإصلاح بين الناس وما يكسبه المصلح من أجر حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ألا أخبرُكُم بأفضلَ من دَرجةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقةِ قالوا بلَى قال صلاحُ ذاتِ البينِ فإنَّ فسادَ ذاتِ البينِ هيَ الحالِقةُ).

وفي ذات السياق تناولت القوانين الوضعية هذه الوسائل وأشارت إليها في قوانين عامة وخاصة، ونظمت إجراءاتها وكيفية اللجوء إليها وحددت صفات وخصائص القائم عليها، حيث نظمتها في العديد من القوانين كالقانون المدني والتجاري والإداري والدولي، وتناولتها أيضاً في قانون الأحوال الشخصية ومدونة الأسرة وغيرها من القوانين لتحقق الغاية التي ابتغها المشرع من استخدام تلك الوسائل إلا وهو حل أو تسوية المنازعات بالطرق الودية.

ومن هذا المنطق يمكن لنا القول بأن هناك بعض الدول تناولت تلك الوسائل إلى جانب تناولها الوساطة الأسرية وبعضها الأخر تناولها وتجاهل الوساطة الأسرية، مكتفياً في إحالة النزاعات الزوجية إلى الحكمين والصلح أو إسناد مهمة التوفيق الأسرى إلى مكاتب إرشاد داخل جدران المحاكم أو المرافق العدلية.

فالنصوص الدستورية التي تضمنها الدساتير العربية والإسلامية تنص في متنها على أن الأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع ونصت كذلك على تسخير كافة الوسائل التي تكفل بقاءها واستمراها ورسمت الدولة الأليات التي تحميها من الناحية الاجتماعية والقانونية والاقتصادية.

حيث نجد المشرع المغربي ضَّمن في مدونة الأسرة مؤشرات لتفعيل الوساطة في مجال قضاء الأسرة، وقانون المسطرة المدنية حيث تم إدماج نظام الوساطة من خلال قانون 05-08 المعدل الباب الثامن منه، والميثاق الوطني حول إصلاح العدالة نص هذا الميثاق في إحدى توصياته على ضرورة مأسسة الوساطة الأسرية.

وتناول كذلك المشرع المغربي طبقاً لأحكام المادة (82) فيما يتعلق باللجوء إلى الحكمين أو مجلس العائلة أو تراه ما مؤهلاً لإصلاح ذات البين …). فهذه العبارة يمكن للوسيط الولوج من خلالها متى كان مؤهلاً لعمل الوساطة والإصلاح تحت إشراف المحكمة.

وتناول المشرع الجزائري الوساطة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية مع العلم أنه استثني منها المنازعات الأسرية لما فيها من خصوصية.

ونص قانون محاكم الأسرة المصري رقم (10) لسنة 2004 على أنه (تنشأ بدائرة اختصاص كل محكمة جزئية مكتب أو أكثر لتسوية المنازعات الأسرية …).

وتناول المشرع الأردني قانون الوساطة لتسوية النزاعات على الصعيد المدني أما على الصعيد الأسري فقد نص في قانون أصول المحاكمات الشرعية في المادة (11) فقرة ج (تنشأ مكاتب تسمى مكاتب الإصلاح والوساطة والتوفيق الأسري في المحاكم الشرعية ….).

ولقد أخذ المشرع الفلسطيني نفس النهج الأردني واعتمد مكاتب داخل المحاكم الشرعية للإصلاح والوساطة والتوفيق الأسري هذا من جانب، أما من جانب أخر يوجد لدينا في فلسطين مشروع قانون الوساطة في فلسطين، إلا أنه ما زال في أدراج المجلس التشريعي ولم يتم إقراره بسبب الظروف السياسية المعقدة للحالة الفلسطينية.

من مجمل هذه النصوص التي ذكرناها على سبيل المثال وغيرها التي تتعلق بالأسرة وطرق تسوية النزاعات التي تنشأ فيها، فلا يجوز لنا في هذا المقام أن نفسر العناية الربانية ولا حتى النصوص القانونية بما يبتعد عن غايتها النهائية المقصودة منها، ولا أن ينظر إليها بوصفها هائمة في فراغ، أو اعتبارها قيمة منفصلة عن محيطها، بل لابد أن يكون التفسير دائراً في فلك النصوص جميعها، وبناء على ذلك يعتبر التفسير الحق لتلك النصوص وغيرها إنما يتمثل في النظرة الأشمل لتلك النصوص التي تتضمنها والتي ترتبط جميعها بوحدة عضوية تجمعها بما يكفل تناغمها وانسجامها وتكاملها وتحقيق الغاية المرجوة منها، فالوساطة غايتها الصلح، والصلح تناولته الآيات القرآنية واعتمدت عليه البشرية في حل منازعاتها وعادت الدولة بتنظيم هذه الوسيلة في تشريعاتها الوطنية، وحثت عليها القوانين الدولية.

ولما كانت الوساطة الأسرية غايتها الصلح، فهي بمثابة وسيلة للوصول إلى غاية، فالوصول إلى تلك الغاية -الصلح- باستخدام أي وسيلة لا تخالف الشرع أو القانون فهي مشروعة، ومن هنا نستطيع أن نقول بأن الوساطة الأسرية وفق شروط وصفات معينة يمكن لها أن تكون الوسيلة الأكثر نجاعة في تحقيق الغاية منها وهي تسوية المنازعات الأسرية بالطرق الودية التي تضمن المحافظة على الروابط الأسرية.

مفهوم الوساطة الأسرية

قبل الخوض في مفهوم الوساطة الأسرية لابد لنا من الإشارة بأن العلاقات الأسرية ولا سيما العلاقات الزوجية منها تتصف بأنها علاقة تكاملية، حيث يُكمل أطرافها كلاٌ منهما الأخر، أساس بنيان هذه العلاقة هو المودة والرحمة.

فالعلاقة الزوجية والأسرية هي أسمى التفاعلات الإنسانية وأعرقها على الإطلاق، لذلك جاءت العناية الربانية لتحفظ هذه العلاقة واعُتبر الزواج من آيات الله الكبرى حيث قال جل وعلا (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) من هذا الهدي القرآني نستشعر قيمة هذه العلاقة التي وصفت في آية أخرى بالميثاق الغليظ حيث قال عزوجل (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا).

إلا أن العلاقة الزوجية ليست على وتيرة واحدة من الانسجام والوئام، تدب فيها بعض المنازعات الهدامة التي تجعلها تتصدع وتضطرب نتيجة لتلك المنازعات، لذلك كان لابد لنا من البحث عن وسائل لتعود العلاقات الأسرية إلى وضعها الطبيعي من التماسك والاستقرار.

 

تعريف الوساطة الأسرية:

تعريف الوساطة لغوياً جاء في لسان العرب (الوساطة هي المصدر، وهي مهمة الوسيط، أي الذي يتوسط بين متخاصمين، والذي هو أيضا الحسيب في بني قومه).

وبمكن تعريف الوساطة اصطلاحاً بأنها (عملية توافقية سرية، يقوم أطراف النزاع بتحديد طرف ثالث محايد ومستقل؛ لتقديم المساعدة لهم في التوصل إلى اتفاق تفاوضي مقبول من الطرفين).

أو هي (عملية بناء أو إعادة بناء الروابط العائلية بين الأفراد بتدخل شخص ثالث هو الوسيط، الذي لا يملك سلطة اتخاذ القرار، وذلك عن طريق تنظيم اجتماعات سرية، وإدارة الصراع بين أطراف الخصومة قصد إيجاد حل ودي للخلاف، يرضي جميع الأطراف من خلال الحوارات المستمرة الدائرة بينهم بمساعدة هذا الأخير).

فالوساطة والتوفيق والمصالحة، هي تعابير ذات مدول واحد، يدل على استعانة أطراف النزاع بشخص أو أكثر، يسمى الوسيط أو الموفق أو المصالح، وذلك بغية قيامه بمهمة تقريب التأليف والسعي لتقريب وجهات النظر بين الزوجين، مستخدماً مهارته للوصول بمساعدته إلى تسوية ودية يصنعها الأطراف.

وبالتالي يتضح لنا مركزية الوسيط القائم على عملية الوساطة، فالوسيط قد يكون شخص طبيعي متخصص أو شخص معنوي كالمؤسسات ـأو المراكز العاملة في مجال الوساطة والتحكيم.

أولاً: شروط صحة الوساطة الأسرية

        يجب أن تتوفر في الوساطة عدة شروط منها ما هي شروط شكلية وأخرى موضوعية، حتى تحظى الوساطة الأسرية بصحتها.

  • الشروط الشكلية: فيما يتعلق باتفاق الوساطة
  • أن يكون اتفاق الوساطة مكتوباً.
  • أن يتضمن مدة الوساطة وبيان تاريخ اتفاق الوساطة.
  • أن يتضمن على أسماء المتخاصمين وصفاتهم.
  • أن يتضمن اتفاق الوساطة على أسم الوسيط وعنوانه.
  • أن يتم تدوين ما تم الاتفاق عليه بين الأطراف.
  • أن يذيل اتفاق الوساطة بتوقيع الأطراف وتوقيع الوسيط.
  • الشروط الموضوعية:

حيث تتضمن الشروط الموضوعية على ما يلي:

  • ضرورة تحديد موضوع النزاع وأسبابه.
  • ضرورة تعيين الوسيط الذي تم الاتفاق عليه بين أطراف النزاع.
  • في حال لم يتم تعيين الوسيط ضمن الاتفاق أو عقد الوساطة الاتفاقية يجب ان يكون التعيين لشخص مختص في موضوع النزاع.
  • يجب أن يكون النزاع قابلاً للحل عن طريق الوساطة، حيث أن كل النزاعات التي يجوز فيها الصلح يجوز فيها الوساطة، ولا تجوز الوساطة فيما لا يجوز فيه الصلح. لأن غاية الوساطة كما أسلفنا هو الصلح.
  • يشترط في عقد الوساطة أن يتفق الأطراف على إلزامية الحل الذي تتوصل إليه الوساطة، مع الإشارة في هذا المقام إلى أن نتائج الوساطة كي تتوج بالنجاح ليس بالضرورة أن تعيد العلاقة الزوجية إلى سابق عهدها فقط، بل قد ينتج عن الوساطة الاتفاق على الانفصال الآمن.
  • يجب أن يتم تحديد إجراءات الوساطة التي يتفق عليها أطراف النزاع حتى تكون ملزمة لهم، بحيث لا تكون هذه الإجراءات من ضمن تلك التي تقع حصراً ضمن صلاحيات القضاء.

ثانياً: شروط صحة الوسيط

لابد أن يحظى الوسيط على عدة صفات منها ما هي متلازمة مع شخصيته ومنها ما تم اكتسابه من العلوم التي تلقاها، وأخرى سُقلت من خلال عمله وخبرته في هذا المجال. فالصفات الشخصية للوسيط نذكر بعض منها على سبيل المثال (الثقة بالنفس، الجدية، صبور وحليم، صاحب شخصية متوازنة، صادق وصريح، أمين وحافظ للسر، إيجابي ومتفائل، يتمتع بالذكاء ومرن في التعامل، صاحب تفكير منطقي ولديه بعد نظر …)، أما عن صفاته العلمية لابد للقائم على عملية الوساطة أن يكون من أصحاب الإجازة في العلوم القانونية أو الشرعية أو الاجتماعية والنفسية، شريطة إلمام غير القانونيين بكافة التشريعات المتعلقة بالأسرة حتى لا تهضم حقوق الأطراف.

        لابد للقائم على عملية الواسطة أن يتمتع بالعديد من الصفات العملية التي تؤهله أن يكون وسيطاً أسرياً محترفاً وهذه الصفات تتمثل فيما يلي:

  • أخلاقيات الوسيط: حيث لابد أن يتمتع الوسيط بأخلاق عالية، وأن تكون صحيفته الجنائية بيضاء، بمعنى أن يكون غير محكوم عليه بجناية أو جنحة أو أي جريمة مخلة بالشرف والأخلاق والأمانة. وأن يكون لديه شهادة باستمرار حتى يكون مؤهل للوساطة الأسرية حتى لا يتم الطعن بأهلية الوسيط ونزاهته.
  • عقد النية والإرادة لحل النزاع: يجب أن يكون الوسيط يتمتع بحسن النية واتجاه إرادته نحو حل النزاع، مصداقاً لقول الله عزوجل (إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما). وفي هذا المقام نتذكر الفاروق عمر بن الخطاب عندما بعث بحكمين لزوجين متخاصمين وعادا الحكمين دون أن يحلا النزاع، فغضب عمر حينها وقال كذبتما وصدق الله، لم تكن لديكما إرادة صادقة في الإصلاح ولو كانت تلك الإرادة لبارك الله في سعيكما، فعادا للزوجين وأحسنا النية وتلطفا بالزوجين فأصلحا بينهما.
  • أن يكون الوسيط متخصصاً في مجال النزاع، لأن النزاعات الأسرية ليست على وتيرة واحدة، فهناك نزاعات اجتماعية وأخرى مالية، وإرثية إلى غير ذلك من المشكلات الأسرية.
  • أن يكون الوسيط لديه المؤهلات الضرورية والخبرة التي تلزم لعمل الوساطة، فلا يكفي أن يكون الوسيط متخصصاً في مجال النزاع، بل لابد أن يكون لديه القدرة على إدارته متسلحاً بمهارات التواصل وإدارة الحوار والتفاوض.
  • استقلالية الوسيط، حيث يشترط أن يكون الوسيط مستقلاً استقلالاً تاماً أثناء قيامه بمهام الوساطة، ولا يكون له أي علاقة تربطه بأطراف النزاع لا سابقاً أو لاحقاً، وألا تكون لديه مصلحة في هذا النزاع، أو أن يكون قدم استشارة في موضوعه.

وفي حال كان الوسيط يعمل لدى مؤسسة أو مركز متخصص في الوساطة، يجب أن يستقل في وساطته عن مصالح تلك المؤسسة أو المركز الذي ينتمي إليه، وأن يعمل بكل نزاهة وشفافية دون تأثير من أي جهة، حتى لا يكون مضطراً للخروج عن الحيادية في النزاع.

المحور الثالث: التزامات الوسيط الأسري وآثاره

        للوسيط الأسرى حقوق وعليه التزامات، فعندما يقوم الوسيط بمهام الوساطة تنشأ في ذمته حقوقاً يتقاضاها تسمى (مقابل الأتعاب)، ويتحمل أطراف النزاع مقابل الأتعاب مالم يتفقوا على خلاف ذلك.

وفي بعض الدول كالجزائر مثلاً، يترك أمر تحديد قيمة الأتعاب التي يتلقاها الوسيط للقاضي في الوساطة القضائية على أن يراعي في تقدير أتعابه على الجهد المبذول واحترام الآجال وما حققه من نتائج وجودة العمل المنجز. وفي النظام الفرنسي فإن المهام التي ينجزها الوسيط تكون بمقابل نقدي يلتزم أطراف النزاع بتسديدها له بعد تحديدها بالتراضي بينهما ابتداءً.

في حين نص المشرع الأردني في قانون الوساطة على نفقات الوسيط والأثار المترتبة على نجاح الوساطة من عدمها. كما ورد في المادة (9) من ذات القانون على أن أتعاب الوسيط مرتبطة بمدى نجاح الوساطة.

أما فيما يتعلق بالالتزامات الوسيط الأسري:

يجب على الوسيط الأسري أن يلتزم:

  • الخصوصية والسرية: كما هو معلوم أن للوساطة ميزة أساسية تتمثل في المحافظة على خصوصية النزاع القائم بين الزوجين، حيث يفضل طرفا النزاع تسوية منازعاتهم بعيداً عن إجراءات المحاكمة العلنية هذا من جانب، ومن جانب أخر تتميز الوساطة بالسرية والكتمان وتعتبر الضمانة التي من شأنها أن تشجع أطراف النزاع على حرية الحوار والإدلاء بما لديهم من أحاديث لا يمكن تقديمها لأي شخص، كما أن تقديم التنازلات من الأطراف في مرحلة المفاوضات التي تتخلل عملية الوساطة لا يكون لها أي حجية أمام القضاء أو أي جهة أخرى فيما لو فشلت مساعي الوساطة. وهذا ما أكدته بعض التشريعات حيث جاء في قانون الوساطة الأردني على أنه (تعتبر إجراءات الوساطة سرية لا يجوز الاحتجاج بهها أو بما تم فيها من تنازلات من أطراف النزاع أمام أي محكمة أو أي جهة كانت). وبالتالي هذا الأمر من شأنه أن يساعد الوسيط في مهمته من تقريب وجهات النظر بين طرفي النزاع بغية التوصل إلى تسوية ودية.
  • عدم اتخاذ قرار او فرض حلول: يجب على الوسيط أن يلتزم بتسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة ومساعدتهم على التوصل لتسوية أو حل للمنازعة القائمة بينهم، فلا يجوز للوسيط اتخاذ قرار أو فرض حلول، وإنما ينحصر دوره في طرح الحلول البديلة للأطراف ولهم حرية الاختيار- مع الإشارة هنا إلى أن البعض يرى أنه يمتنع على الوسيط حتى القيام بطرح الحلول البديلة على الأطراف.
  • النزاهة والحياد: يشترط في الوسيط الأسري أن يقوم بعمله بالحياد وعدم الانحياز لأي طرف من أطراف النزاع، بمعنى أن يقف على مسافة واحدة بين طرفي النزاع، وأن يعمل كل ما بوسعه لحل النزاع بطريقة ودية مرضية للأطراف.
  • استغلال الوقت والحصول على حلول سريعة: حيث يتعين على الوسيط أن ينجز مهمته في حل النزاع الأسري في أقرب وقت ممكن وان لا يطيل إجراءات الوساطة وذلك متى كان الوسيط محترفاً يملك مهارات عالية وأسلوب مقنع ولديه قدرة علمية وخبرة في إدارة عملية الوساطة. حيث نصت بعض التشريعات أن أقصى مدة للوساطة ثلاثة أشهر كما هو الحال في قانون الوساطة الأردني، وما جاء بالخصوص في قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري.
  • مشاركة الأطراف: حيث يلتزم الوسيط بإشراك طرفي النزاع، حيث يقوم الوسيط بمهمة تسهيل الحوار بين طرفي النزاع، ومساعدتهما في تقريب وجهات النظر وتسهيل التواصل بينهما، وتوفير ملتقى للحوار قد يساهم في الوصل لحل مرضٍ لطرفي النزاع بعد تهيئة جو من الثقة والاطمئنان من أجل المصلحة دون ترك آثار سيئة في نفوس طرفي النزاع، فنجاح الوساطة مرهون بمشاركة حقيقية لطرفي النزاع من خلال البحث عن حلول عادلة ومقبولة من الطرفين معاً ليكونا خصمين رابحين.

الآثار المترتبة على الوساطة:

في حال الانتهاء من عمل الوسيط فإنه يترتب على عمله إما التوصل إلى اتفاق الصلح، أو فشل المساعي الودية لحل النزاع، وبالتالي فإن الآثار المترتبة في حالة التوصل لاتفاق الصلح ما يلي:

  • لابد من ضمان فاعلية الاتفاق الذي يتوصل إليه الأطراف، لأن من أهم ما يتوصل إليه الوسيط هو النتيجة، وأن يكتسب هذا الاتفاق الصفة التنفيذية ويكون قابلاً للتنفيذ ، وهو بطبيعة الحال الهدف النهائي من نظام الوساطة وحل النزاع، وبناء على ذلك بمجرد التوقيع على اتفاق الصلح من أطراف النزاع والوسيط يعتبر الاتفاق حينها بمثابة مستند عرفي حجة على أطرافه، مع الإشارة إلى أن نجاح الوساطة ليس فقط في عودة الحياة الأسرية لسابق عهدها كما ذكرنا سابقاً، بل يعتبر انتهاء الوساطة وحل النزاع بطريقة ودية أيضاً متى توصل الطرفان إلى استحالة الاستمرار معاً، وإنهاء علاقتهم الزوجية والانفصال الآمن.
  • أما في حال فشل الوساطة، أو عندما لا يتمكن الوسيط من تسوية النزاع كلياً أو جزئياً خلال الآجال القانونية المحددة، سواء أكان ذلك بسبب وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، أو نتيجة تغيب الخصوم أو عدم متابعتهم لإجراءات الوساطة يترتب على ذلك ما يلي:
  • تقديم تقرير إلى طرفي النزاع بعدم التوصل إلى تسوية، مع بيان مدى التزام كل طرف بحضوره ومتابعته إجراءات الوساطة. والتأكيد على أن ما تم تداوله في حوارات الوساطة يعتبر من ضمن الأسرار التي لا يمكن إفشاؤها، ولهم الحرية المطلقة في التوجه للقضاء لحل النزاع.
  • لا يجوز للوسيط تقديم أي بيانات أو إقرار أو ما تم به من إجراءات في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، كما ولا يجوز للوسيط أن يقدم التنازلات التي تنازل عنها أطراف النزاع خلال فترة الوساطة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً