العدول والموثقين وسؤال المساواة أمام الضريبة

ذ. أنوار الجاحظ

وضع آدم سميث في كتابه ” ثروة الأمم “ مجموعة من القواعد التي ينبغي على المشرع مراعاتها عند وضع أي تشريع ضريبي، وعلى رأسها قاعدة ” المساواة أمام الضريبة “، التي تقتضي بالضرورة خضوع كافة الملزمين الذين يشتغلون مراكز قانونية متماثلة لمعاملة قانونية واحدة دون تمييز أو تفرقة بينهم، وأي تقرير لأي امتياز أو استثناء من هذه القاعدة على أساس انتماء الملزم إلى طبقة معينة أو فئة محددة في تحمل التكاليف والأعباء العامة يعد إخلال بهذا المبدأ. ولا يقتصر مفهوم هذا مبدأ عند هذه الحدود المعرفية، بل ينصرف إلى كافة المداخيل التي تؤسس لعدالة جبائية، من بينها تمتع كافة الملزمين الذين يشتغلون مراكز قانونية متماثلة بنفس الحقوق والضمانات والامتيازات الضريبية.

ونظرا لأهمية هذا مبدأ، نجده تصدر جميع مضامين الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان. وارتقت به جل دساتير دول العالم إلى درجة قاعدة دستورية فرضت على المشرع الضريبي مخاطبة جميع الملزمين الذين يشتغلون مراكز قانونية متماثلة بنفس القواعد والإجراءات المؤسسة للالتزامات والحقوق والامتيازات الضريبة، دون تمييز أو تفرقة بينهم. ولذلك يفترض في المشرع الضريبي أن يضع قواعد ضريبية وإجراءات وتدابير، تحدد الملزمين المعنيين بالضريبة بالتحديد، ومقدار مساهمة كل ملزم من أفراد المجتمع في تحمل النفقات والأعباء العامة كل في نطاق قدرة استطاعته.

وبهذا الصدد، يعد العدول والموثقين من بين المدرجين في قائمة المخاطبين بنصوص القانون الضريبي – على غرار باقي الملزمين المهنيين -. نظرا لممارستهم لنشاط مهني يشكل واقعة منشئة للضرائب والرسوم التي يخضعون لها. غير أن معالجة المشرع الضريبي للنصوص المؤسسة للالتزامات والحقوق والامتيازات الضريبية للعدول والموثقين، يثير إشكالية مهمة ترتبط بمدى احترامه لمبدأ ” المساواة أمام الضريبة “، كما هو منصوص عليه في مضامين الإعلانات العالمية والإقليمية لحقوق الإنسان، وفي دستور المملكة المغربية. أي هل خاطب المشرع العدول والموثقين بنفس النصوص القانونية المؤسسة للأعباء والالتزامات، والتمتع بالحقوق ومنح الامتيازات الضريبية، دون تمييز أو تفرقة بينهم نظرا لاشتغالهم مراكز قانونية متماثلة على غرار باقي التشريعات المدنية والعقارية والجنائية ؟، أم أنه قام بتفييئ وتمييز هذه الالتزامات والحقوق والامتيازات الضريبية لتسري على البعض دون الأخر؟

يبدو منذ البداية، أن الالتزامات الضريبية تشكل الركن الأول لقاعدة ” المساواة أمام الضريبة “، باعتبارها مجموعة من الالتزامات القانونية التي تفرض على كل شخص يزاول نشاطا خاضعا للضريبة، أن يتقيد بمجموعة من الواجبات، سواء خلال مرحلة تقدير الوعاء الضريبي، أو خلال مرحلة تحصيل الدين الضريبي، ويترتب على مخالفتها  توقيع جزاء جبائية وجنائية.

وفي هذا السياق يعد العدول والموثقين من بين المدرجين في قائمة الالتزام الضريبي على غرار باقي الملزمين المهنيين. حيث يتحملون بالتزامات ضريبية أصلية، ترتبط بطبيعة النشاط المهني الذي يعد واقعة منشئة للضرائب والرسوم التي يخضع لها. إذ يخضعون للضريبة على الدخل صنف الدخول المهنية في إطار مزاولتهم لنشاطهم بصفة فردية. ويخضعون للضريبة على الشركات في إطار ممارستهم الجماعية عن طريق شركة مدنية مهنية – ما لم يختاروا نظام الضريبة على الدخل -. كما يخضعون كذلك للضريبة على القيمة المضافة التي تمثل ضريبة على رقم الأعمال التي تطبق على العمليات التوثيقية التي ينجزونها. بالإضافة إلى خضوعهم للرسم المهني نظرا لمزاولتهم لنشاط مهني.

ويتحملون كذلك بالتزامات ضريبية تبعية، ترتبط بإجراءات تلقي وتحرير مختلف العقود والمعاملات التي يختصون بتوثيقها. إذ يجب على العدلين أو الموثق، قبل تحرير أي عقد أو إشهاد، أن يقدما للأطراف كافة النصائح والإرشادات التي لها طابع جبائي. وفي حالة تفويت عقار أو حقوق عينية عقارية أو أصل تجاري، يجب كذلك على العدلين أو الموثق طلب شهادة تثبت أداء حصص الضرائب والرسوم المثقل بها العقار أو الأصل التجاري موضوع التفويت. كما تقع على عاتقهما مسؤولية جسيمة، تتمثل في التزامهما بكتمان السر المهني، وحفظ أصول الوثائق والمستندات التي لها طابع ضريبي. والقيام بإجراء التسجيل بالنسبة للوقائع الخاضعة للتسجيل بشكل إجباري، أو تلك التي أراد الأطراف إخضاعها له.

من جهة أخرى تعد الحقوق والامتيازات الضريبية الركن الثاني لقاعدة ” المساواة أمام الضريبة “، باعتبارها مجموعة من الضمانات التي يخولها المشرع للملزمين في مواجهة تعسف السلطات المخولة للإدارة الضريبية؛ كتطبيق القانون الضريبي تطبيقا سليما وعدم إصدار التفسيرات المتناقضة، واحترام الحريات الفردية والشخصية للملزمين وعدم التدخل في حياتهم الخاصة، والتزام مبدأ السرية الضريبية، وإعلام وإشعار الملزم بأي إجراء مسطري أو ضريبي سواء على مستوى الوعاء أو مستوى التحصيل سيتخذ ي حقه.

وبهذا الصدد نجد أنه إذا كان المشرع الضريبي قد خاطب العدول والموثقين بنفس الحقوق الضريبية التي خولها لجميع الملزمين على حد سواء.  إلا أنه من ناحية منح الامتيازات الضريبية لم يتعامل معهم بنفس المساواة المطلوبة ومال كل الميل إلى جهة الموثقين، حيث منحهم امتياز اختصاص تحرير العقود المتعلقة بالسكن الاجتماعي دون غيرهم من العدول، طبقا للشروط المنصوص عليها في المادة 93 من المدونة العامة للضريبة، التي أقرها البند الأول من المادة 7 من قانون المالية لسنة 2010. ومنحهم كذلك اختصاص حكري فى توثيق عقود السكن الرئيسي المعفى من الأرباح العقارية طبقا للشروط المنصوص عليها في المادة 63 من المدونة العامة للضريبة، التي جاء بها البند الأول من المادة السادسة من قانون المالية لسنة 2020. ونفس التوجه كرسته المادة الثامنة من مشروع قانون المالية رقم 50.22 للسنة المالية 2023، من خلال منح الموثقين امتيازا – خارج المدونة العامة للضرائب – اختصاص تحرير إبرام الوعد بالبيع وعقد البيع النهائي موضوع السكن المدعم من طرف الدولة – طبقا للشروط و الإجراءات المنصوص عليها في هذه المادة -، دون غيرهم من العدول.

   ويعتبر هذا التوجه الذي دأبت عليه قوانين المالية السنوية المتتالية منذ سنة 2010،  تفييئ غير مبرر وتمييز تشريعي يعصف بمبدأ مساواة العدول والموثقين أمام القانون، كما نصت عليه مضامين الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب، ولا سيما ما نصت عليه المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر1948. وما نصت عليه كذلك ديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر في 16 ديسمبر1966. وديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16 ديسمبر 1966. والمادة الثالثة من الباب الأول من الجزء الأول من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الصادر في 27 يونيو1981، التي أكدت جميعها أن جميع الناس سواء أمام القانون ويتمتعون بنفس بالحقوق ويتحملون الفرائض والواجبات دونما فرق بينهم.

ويمس هذا التوجه كذلك القواعد التي أسستها الوثيقة الدستورية لمبدأ ” المساواة أمام الضريبة “، الذي يقضي بالضرورة خضوع كافة الملزمين الذين يشتغلون مراكز قانونية متماثلة لنفس الأعباء والالتزامات، والتمتع  بنفس الحقوق والامتيازات الضريبية. وبهذا الصدد تكون قوانين المالية المتتالية قد خرقت أحكام الفصل السادس من الدستور، الذي يؤكد على أن جميع الأشخاص ذاتيين أو اعتباريين متساوون أمام القانون. وخرقت كذلك مبدأ ” العدالة الضريبية “ كما هو منصوص عليه طبقا لأحكام الفصلين 39 و40 من دستور المملكة، والذي يقضي بوجوب ضرورة أن يتحمل الجميع التكاليف العمومية كل قدر استطاعته. وانحرفت كذلك عن ” مبدأ المساواة “ كأحد المبادئ الموجهة لحكامة المرفق العمومي، الذي يقضي بتساوي الجميع أمامه سواء في الاستفادة من خدماته أو المساهمة في تحمل أعبائه كما هو منصوص عليه فى الفصل 154من الدستور المغربي.

ومن جهة أخرى يعد هذا التوجه فرسانا ميزانياتيا “، لكونه يخالف أحكام المادة السادسة من القانون التنظيمي رقم 130.13 لقانون المالية التي تنص على أنه: ” لا يمكن أن تتضمن قوانين المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل وبمراقبة استعمال الأموال العمومية “. وتطبيقا لهذه المقتضيات نجد أن الحكومة قد أدرجت بالمادتين 93 و63 من المدونة العامة للضرائب، و المادة 08 من مشروع قانون المالية لسنة 2023، اختصاص توثيق المعاملات العقارية الذي يعد مقتضى غريب عن الهندسة التشريعية لقانون المالية السنوي، والذي من المفروض أن تحتضنه  بيئة القوانين المنظمة للمهن القانونية المزاولة لمهام التوثيق.

   ويتضح كذلك أن المشرع، كرس لمنافسة غير مشروعة بين العدول والموثقين في توثيق المعاملات العقارية. وسيقيد إرادة المستهلك في اختيار الجهة التوثيقية التي يطمئن لها. ولهذا السبب يساءلنا هذا التوجه اللامشروع عن جدوى تنظيم مؤسسة التوثيق العدلي التي لا مجال للتذكير باختصاصها الأصيل فى توثيق المعاملات العقارية. وكذلك جدوى منح المشرع في القوانين العقارية والتجارية للعدول حق توثيق المعاملات العقارية والتجارية دون قيد أوشرط.

وعلى سبيل الختم، يتضح بدون شك أن المشرع الضريبي خاطب العدول والموثقين بنفس النصوص القانونية المؤسسة للالتزامات والحقوق الضريبية، إلا أنه من ناحية منح الامتيازات الضريبية لم يتعامل معهم بنفس المساواة المطلوبة ومال كل الميل إلى جهة الموثقين، حيث منحهم امتياز اختصاص تحرير العقود المتعلقة بالسكن الاجتماعي، واختصاص توثيق عقود السكن الرئيسي المعفى من الأرباح العقارية، وأخيرا منحهم اختصاص تحرير إبرام الوعد بالبيع وعقد البيع النهائي موضوع السكن المدعم من طرف الدولة. ويدل هذا التوجه أن المشرع بعد أن عجز عن منح الموثقين هذه الامتيازات في القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق، لجئ إلى قوانين المالية السنوية التي  أضحت آلية من آليات الريع التشريعي، وملجأ لتهريب الاختصاصات ومنح الامتيازات للموثقين و وتهميش العدول محرري العقود الرسمية.

ولذلك يجب على الوزارة المكلفة بالاقتصاد والمالية، باعتبارها المشرع الحقيقي لقوانين المالية، أن تستحضر التوجيهات الملكية السامية التي تؤكد على مساواة جميع المواطنين أمام الضريبة، وأن تستحضر كذلك شعار ” العدالة الضريبية ” الذي عنونت به المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات، وأن تأخذ بعين الاعتبار مقتضيات القانون الإطار المتعلق بالإصلاح الجبائي، وتمنح العدول حق اختصاص عقود السكن المدعم من طرف الدولة تحقيقا لمبدأ ” مساواة العدول و الموثقين أمام الضريبة ” عن طريق تتميم مقتضيات المادة الثامنة من مشروع قانون المالية لسنة 2023.

 

معلومات حول الكاتب:

ذ. أنوار الجاحظ

باحث في المالية العامة

قد يعجبك ايضا