المنظومة القانونية للتعمير والبناء في ضوء الممارسة العملية والعمل القضائي / كلمة رئيس النيابة العامة في ندوة وطنية

كلمة السيد الوكيل العام للملك، رئيس النيابة العامة

بمناسبة افتتاح الندوة الوطنية حول موضوع “المنظومة القانونية للتعمير والبناء في ضوء المما رسة العملية والعمل القضائي”

 

*ألقاها بالنيابة عنه السيد هشام بلاوي الكاتب العام لرئاسة النيابة العامة*

 

يومي 15-16 يونيو 2022 بالرباط

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وآله وصحبه أجمعين

 

– السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛

– السيدة وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة؛

– السيد الوالي الكاتب العام لوزارة الداخلية؛

– السيد الوكيل القضائي للمملكة؛

– السادة المسؤولون القضائيون؛

– السادة رؤساء الأقطاب والأطر بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية؛

– السادة رؤساء الأقطاب والأطر برئاسة النيابة العامة؛

– السادة المدراء والأطر بوزارة الداخلية ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة؛

– السادة المسؤولون الذين يتابعون معنا أشغال هذه الندوة عن بعد؛

– حضرات السيدات والسادة كل باسمه وصفته والتقدير الواجب لشخصه.

 

يشرفني أن أحضر معكم أشغال هذه الندوة الوطنية الهامة التي ينظمها المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشراكة مع رئاسة النيابة العامة ووزارة الداخلية ووزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة والوكالة القضائية للمملكة.

كما أغتنم هذه الفرصة لأتوجه بالشكر الجزيل لفضيلة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية على المجهودات التي ما فتئ يبذلها من أجل تعزيز علاقات التعاون المثمر التي يسعى جاهدا لتوفيرها، وعلى مبادرته الطيبة واستعداده الدائم لعقد مثل هذه اللقاءات والتفاعل معها لتحقيق عدالة في مستوى انتظارات القاضي الأول جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

كما أغتنم هذه المناسبة أيضاً لأعرب عن بالغ الثناء والتقدير لكل من فكر وأعد أو ساهم في تنظيمها والمشاركة في تأطير محاورها الأساسية، التي ستشكل لا محالة لبنة أساسية من لبنات تطوير قدرات المشاركين وتعزيز مكاسبهم المعرفية لمواجهة مختلف الإشكاليات التي تطرحها المنظومة القانونية للتعمير والبناء بغية إيجاد الحلول الملائمة لها.

حضرات السيدات والسادة؛

لئن كانت هذه الندوة الوطنية حول موضوع “المنظومة القانونية للتعمير والبناء في ضوء الممارسة العملية والعمل القضائي” تأتي في سياق وطني مهم يتسم بتنزيل النموذج التنموي الجديد ومراجعة مجموعة من النصوص القانونية الرامية إلى تعزيز تشريعنا الوطني بقوانين حديثة متطورة ومنسجمة مع التزامات بلادنا الدولية، فإنها تعكس روح التعاون بين السلطات والمؤسسات في خدمة قضايا العدالة وتجسد بجلاء اهتمام كل الفاعلين والجهات المساهمة في مجال التعمير وشؤونه لبلورة تصورات جديدة من شأنها الارتقاء بمستوى العمل ودعم المكاسب المحققة واستثمار التراكمات الإيجابية في هذا المجال.

ذلك أن تنظيم وتدبير المجال العمراني يشكل أحد أبرز مواضيع النقاش العمومي المرتبط بالمنظور الشامل والمتكامل للتنمية المستدامة بمختلف أبعادها عبر سن وتنفيذ برامج عمومية تتميز بتعدد المتدخلين فيها سواء على مستوى التخطيط العمراني وتنظيم التجمعات العمرانية وعقلنة أساليب العيش فيها والحد من الاختلالات المجالية التي يشهدها هذا القطاع وذلك وفقا لمنظور السياسة الوطنية لإعداد التراب الوطني التي تعتمد مقاربة مجالية تتوخى تحفيز الانسجام المجالي لجميع التدخلات العمومية وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي هذا الإطار  دعت التوجيهات السامية لصاحب الجلالة في الرسالة الموجهة للمشاركين في أشغال اللقاء الوطني لانطلاق الحوار الوطني حول إعداد التراب الوطني، المنعقد بتاريخ 26 يناير2000، إلى     (  …اعتماد منظور جديد لإعداد التراب الوطني قوامه اعتبار التهيئة الترابية أحسن وسيلة للحد من التفاوت الجهوي وأداة للتطوير العقلاني للمشهد الحضري وإنعاش العالم القروي، وأمثل طريقة للتوفيق بين النجاعة الاقتصادية وحماية الثروات من جهة وبين العدالة الاجتماعية والحفاظ على البيئة من جهة أخرى ذلكم المنظور الذي نحرص على أن يدخل في اعتباره الارتباط العضوي بين تهيئة التراب الوطني والتعمير باعتبارهما وجهين لعملة واحدة…) انتهى النطق الملكي السامي.

حضرات السيدات والسادة؛

بقدر ما يعتبر المجال العمراني رمزا لهويتنا الوطنية وعنصرا أساسيا لمقومات موروثنا الحضاري المتعدد المشارب، فإنه يشكل في الآن ذاته مجالا حيويا ومتجددا باستمرار ودعامة قوية للتنمية المستدامة الشاملة ومحورا استراتيجيا لتنزيل السياسات العمومية في هذا المجال.

ولا يخفى عليكم أن  تجاوز الاختلالات التي عرفتها منظومة التعمير، والمتمثلة أساسا في تعدد الجهات المكلفة بالمراقبة، و غياب الإجراءات الوقتية لتفادي المخالفات، و ضعف البعد الردعي والزجري للعقوبات المنصوص عليها في المقتضيات القانونية المعمول بها سابقا، كانت من بين الأهداف الأساسية المتوخاة من سن القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء والقاضي بتغيير وتتميم ونسخ بعض مقتضيات القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير والبناء والقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، وكذا الظهير الشريف المتعلق بتوسيع نطاق العمارات القروية.

لذلك فإن تحقيق التنزيل السليم لهذه المقتضيات القانونية  من أجل كسب رهان تعزيز الحكامة الجيدة والارتقاء بفعالية المراقبة والزجر في ميدان التعمير،  وتنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، يبقى رهينا  بتعزيز العمل المشترك بين كل المتدخلين في منظومة التعمير من أجل الإسراع  بتوفير الآليات القانونية والإمكانيات البشرية لمواجهة الاختلالات التي يعرفها التعمير والتدبير المجالي، كما هو الشأن بالنسبة للبناء غير القانوني، والذي أدى إلى إفراز بنية عمرانية غير لائقة، سواء بمركز المدينة أو ببعض الأحياء المحيطة بها نتجت عنها مجموعة من المشاكل الاجتماعية والنزاعات التي عرضت على القضاء، ولا تنحصر هذه الآثار السلبية لهذا النوع من البناء عند هذا الحد، بل إنها تمس حتى بالمجال البيئي بسبب عدم توفرها على المعايير الخاصة بالفضاء السكني، مما يؤدي إلى الإضرار بالمجال البيئي. تنضاف إلى ذلك الإشكالات المرتبطة بوضعية التجزئات العقارية غير مكتملة الإنجاز والتي قد تستمر على هذا الحال لسنوات مما يؤثر سلبا على تنمية المجال العقاري والبيئي. كل هذه المشاكل وغيرها تقتضي اتخاذ تدابير فعالة ومتكاملة لمعالجتها عبر تقوية آليات الحكامة والتتبع والتقييم في مختلف المجالات المرتبطة بالتعمير والعقار وتعزيز آليات الرقابة، ورصد حالات الفساد وزجر الفاعلين وتقوية قدرات الفاعلين العمومين في المجالات ذات الصلة بالموضوع.

حضرات السيدات والسادة؛

إن الرهان اليوم هو ضمان المشاركة الإيجابية للجميع كل من موقعه بكل مسؤولية للحفاظ على تناسق وانسجام النسيج العمراني ومقوماته الحضارية من خلال التصدي للممارسات المنافية لضوابط التعمير والبناء ، وما قد يترتب عنها من تهديد للسلامة الجسدية للمواطنين وأرواحهم وما تشكله من مس بالضوابط العامة للسلامة المطلوبة في البناء، فضلا عن انعكاساتها السلبية على تنظيم وتدبير المجال العمراني وعلى سيادة القانون ومبادئ الشفافية والنزاهة في تسيير الشأن العام وتحسين مناخ الأعمال.

هذه الحقيقة المرتبطة بالمخالفات والتجاوزات بقطاع التعمير هي التي عبر عنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في رسالته الموجهة إلى المشاركين في الملتقى الوطني لانطلاق إعداد مدونة التعمير بتاريخ 3 أكتوبر2005 حيث قال جلالته : (لقد سبق لجلالتنا في أكثر من مناسبة، توجيه نظر كافة المسؤولين والفاعلين، على المستوى الوطني والمحلي للاختلالات المتجلية في النسيج العمراني، والتي شاهدناها عن كثب، من خلال الجولات التفقدية، التي قمنا بها لمختلف جهات المملكة، وأصدرنا بشأنها تعليمات للحكومة، وللمؤتمنين على تدبير الشأن المحلي، من منتخبين وسلطات، من أجل وضح حد لمختلف التجاوزات والمخالفات، وعدم التساهل أو التهاون في زجرها والتي أضحى استفحالها لا يقتصر على تهديد أمن وسلامة المواطنين فحسب، بل يخل بالبعد العمراني المتناسق، الذي يعد أحد المعالم الأساسية لمشروعنا المجتمعي، الذي نسعى إلى إنجازه، مجددين دعوتنا للسلطات العمومية للتصدي لمختلف الخروقات، والوقاية منها بالتطبيق الحازم للقانون) انتهى النطق الملكي السامي.

من هذا المنطلق فإن التصدي لهذه الظواهر الإجرامية ومحاصرتها يقتضي التنسيق والتعاون وتظافر الجهود في مختلف القطاعات المتدخلة في الموضوع، عبر تسخير ما تتوفر عليه من الوسائل القانونية والموارد البشرية اللازمة لمكافحتها وتكريس الممارسات الفضلى ومبادئ الشفافية والنزاهة ومعالجة الإشكاليات التي أفرزها تطبيق النصوص القانونية من قبل الجهات المختصة في الموضوع بما يساير توجهات النموذج التنموي الجديد الرامية إلى تعزيز النزاهة وترسيخ الحكامة الجيدة، والحرص على تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مجال التعمير وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية في هذا المجال، فضلا عن إنجاز المعاينات الضرورية لمخالفات البناء في إبانها وترتيب الآثار القانونية على ضوء ذلك.

ولا بد من التأكيد في هذا الصدد أن  الجهود المبذولة في هذا المجال أفضت إلى تحقيق نتائج إيجابية على مستوى زجر المخالفات المرتكبة في مجال التعمير تمثلت في انخفاض عدد المتابعات القضائية المسجلة بالنيابات العامة لدى محاكم المملكة حيث عرفت سنة 2018 تسجيل حوالي 40395 متابعة قضائية في حين انخفض هذا العدد سنة 2019 إلى 33118 متابعة قضائية ، وقد عرف هذا العدد انخفاضا أيضا خلال سنة 2020 حيث سجلت مجموع النيابات العامة حوالي 22305 متابعة قضائية في حق أشخاص ارتكبوا أفعالا مخالفة لقانون التعمير والتجزئات العقارية، وللإشارة فأن 85% من مجموع القضايا التي توبع في إطارها هؤلاء المخالفين تتعلق بالبناء بدون رخصة، مما يستدعي بذل جهود أكبر من أجل تطويق هذه الظاهرة.

أمام هذا الوضع وانخراطاً من النيابة العامة في الجهود التي تبدلها بلادنا لتكون في مستوى الرهانات ومواجهة التحديات وانطلاقا من الأدوار المنوطة بها في الحرص على التطبيق السليم للقانون والدفاع عن الحق العام والذود عنه والتمسك بضوابط سيادة القانون، فإننا نؤكد على أن التصدي للمخالفات التي تمس نظام التعمير والبناء يشكل محور اهتمام مستمر وأولوية من أولويات السياسة الجنائية التي تسهر النيابات العامة على تنفيذها.

ولبلوغ الأهداف المنشودة لمكافحة جرائم التعمير والبناء  وبغية تجويد عمل النيابة العامة وتوحيد طرق عملها،  بادرت رئاسة النيابة العامة  إلى إصدار عدة دوريات في هذا الشأن،  من بينها الدورية رقم 5 س بتاريخ 24 يناير 2020، والتي حثت من خلالها النيابات العامة لدى المحاكم إلى دراسة المحاضر ومراقبة شكلياتها لتفادي أي عيوب شكلية أو صعوبات قد تعترض تنفيذ العقوبات المحكوم بها، مع الإسراع بإحالتها على المحكمة  بالإضافة إلى الإسراع بالبت في طلب الإذن بمعاينة المخالفات المرتكبة داخل الأماكن المعتمرة والعمل على مؤازرة السلطات الإدارية من طرف عناصر الشرطة القضائية عند عدم امتثال المخالفين فضلا عن التماس عقوبات زجرية تتناسب وخطورة الأفعال المرتكبة والطعن في الأحكام القضائية التي تقضي بعقوبات غير متناسبة مع خطورة الأفعال أو لا تراعي حالة العود والسهر على تبليغ مقررات الهدم إلى اللجنة الإدارية المختصة قانونا رفقة ما يفيد نهائية الحكم.

ختاما، لا يسعني إلا أن أجدد شكري لكل من ساهم في الإعداد لهذه الندوة الوطنية والمشاركة فيها، متمنياً أن تحقق الأهداف المرجوة منها وأن تتكلل أشغالها بمقترحات مبتكرة وتوصيات عملية كفيلة بإبداع حلول ملائمة لقضايا التعمير، في ظل التوجيهات الملكية السامية لجلالة الملك دام له النصر والتمكين وحفظه بما حفظ به الذكر الحكيم وأقر عينه بولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن وشد أزره بصنوه الرشيد الأمير مولاي رشيد وكافة أسرته الشريفة، إنه سميع مجيب.

وفقنا الله لما يحبه ويرضاه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قد يعجبك ايضا