أزمة النظام الجنائي وسبل تجاوزها

المعلومة القانونية

من إعداد الباحث: محمد بوزرادي.

تقديم:

يقتضي الإقبال على الكتابة في موضوع يتعلق بحقوق الإنسان عامة، والعدالة الجنائية خاصة نوعا من الجرأة والكفاءة القانونية، نظرا لما تحضى به هذه الأخيرة من اهتمام وطني ودولي لارتباطهما بشكل مباشر وقوي بالجريمة الشخصية والحقوق الإجرائية التي لا يسوغ لأحد المساس بها إلا في الحدود الضرورية المسموح بها قانونا.

ومن المعروف أن نطاق حقوق الانسان استأثر بشكل كبير باهتمام الباحثين والاخصائيين ورجال القانون، وكذا مختلف المؤسسات التي تعتبر نفسها مسؤولة عن ضمان حقوق الإنسان.

وضمن هذا التطور الملحوظ الذي شهدته قضية حقوق الانسان، عرف موضوع العدالة الجنائية اهتماما خاصا وذلك بالنظر لاتصاله بحقوق تعد في حقيقتها حقوقا جوهرية في سائر أطوار المحاكمة الجنائية.

ولما كان علم العدالة الجنائية من العلوم القديمة الحديثة فإن التعامل معها ظل قائما من طرف المؤسسات القضائية.

وإذا كانت السياسة الجنائية تفرض تجريم الأفعال الضارة بمصلحة بالمجتمع والأفراد مبينة ماينبغي أن يظل جريمة وما يجب أن يكون مباحا استنادا إلى مبدأ ” شرعية التجريم والعقاب “، فإن العدالة الجنائية تفرض النظر إلى المتهم باعتباره إنسانا بريئا مع تمكينه من الاستفادة بحقوقه وخاصة الحق في محاكمة عادلة بناء على مقتضيات قانون المسطرة الجنائية.

ورغم أن السياسة الجنائية عبارة عن أفكار يتم ترجمتها إلى قواعد قانونية بهدف التقليل إن لم نقل محاربة الجريمة والتصدي لها حفاظا على النظام العام، إلا أنها تبقى ذات الأهمية باعتبارها حجر الزاوية في نجاح العدالة الجنائية .

وبغض النظر عن القيمة المضافة للعدالة الجنائية، إلا أنه لابد من الوقوف ولو على بعض مكامن النقص والخلل التي يعاني منها نظام العدالة الجنائية حتى نكون على بينة تامة بمختلف الاشكالات القانونية التي أصبحت منبع اهتمام من لدن الفاعلين الحقوقيين والقانونيين، خاصة وأن نظام العدالة الجنائية يقوم على معادلة ثنائية بالغة الدقة تروم إلى تحقيق الموازنة بين وقاية المجتمع من الجريمة من جهة، وحماية حقوق الأفراد من جهة أخرى، وهذا يقتضي تحقيق جل الضمانات الأساسية للأطراف في سائر أطوار المحاكمة الجنائية.

ومن خلال ما ذكر أعلاه، ارتاينا أن نقف وقفة تقييم لأهم تجليات العدالة الجنائية، فهناك جملة لا يستهان بها من الاكراهات التي تقف عائقا، بالإضافة إلى استحضار والانفتاح على مختلف الاليات الإصلاحية.

 

  • المطلب الأول: تمظهرات الإخلال بنظام العدالة الجنائية على المستوى التشريعي.
  • المطلب الثاني: الرؤية الإصلاحية التشريعية لنظام العدالة الجنائية .

 

المطلب الاول : تمظهرات الإخلال بنظام العدالة الجنائية على المستوى التشريعي.

إن النظام الجنائي المغربي في معركته الأخيرة في مواجهة الجريمة التي أقلقت مستويات تطورها وتناميها الجميع، أصبح يثير تساؤلات عميقة حول نجاعة النظام على مستوى التجريم، ومما لاشك فيه أن النظام الجنائي تعرض لعملية إضعاف امتدت على مدار عقود طويلة، إذ اعتقد الماسكون بزمام الأمر أن قضية صياغة نظام جنائي واحد صالح لعقود دون التفطن لتضخم الأزمات مستقبلا، وتتجلى بعض مظاهر العجر في مايلي:

  • الفقرة الأولى: تضخم النصوص التجريمية:

 

شهدت مختلف المجتمعات المعاصرة في الآونة الأخيرة تحولات جذرية على مستوى سياسة التجرين والعقاب، ولعل أبرز ما يكتشف من رصد التوجهات الكبرى للسياسات الجنائية المقارنة هي قضية امتداد نفوذ القانون الجنائي كرد فعل طبيعي وحل تفضيلي في مواجهة تصاعد المد الإجرامي الذي طالما يهدد أمن المجتمع واستقراره، وأمام هذا الوضع لا يجد المشرع حلا عدا الاستجابة السريعة إما بخلق نماذج جنائية جديدة أو تشديد العقوبة دون أن يراعي في الحقيقة وجود مبدأ الضرورة من عدمه.

إن التطور المجتمعي أبان عن عدم كفاية الاليات التقليدية وعجزها عن مواجهة طائفة من الجرائم التي أصبحت تهدد الاسس التي تنهض عليها الدولة.

ومما لا شك فيه هذا الأمر أزاح الجودة على القاعدة القانونية نتيجة الإسراف التشريعي ذي الأثر الجنائي، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار عمليات الترقيع المسترسلة التي طالت النظام الجنائي المغربي، وهذا لاشك أنه سينعكس سلبا على مبادئ حقوق الإنسان المنصوص عليا دستورية والمتعارف عليها دوليا.

 

  • الفقرة الثانية : الرؤية التقليدية للسياسة العقابية :

 

إن واقع سياستنا الجنائية يحتاج إلى وقفة تأمل عميقة ودراسة متأنية شاملة، لأنه رغم تبني المشرع الجنائي للمبادئ العامة للسياسة العقابية إلا أن الجريمة ظلت في تزايد مستمر ومعه ظاهرة العود، مما يبرز وجود خلل على مستوى السياسة العقابية وهو ما يستدعي مكاشفة هذا الواقع من خلال رصد مواقع الخلل التي تعيق أهداف هذا الإصلاح.

سنحاول ملامسة السياسة العقابية من خلال واقع السجون، لأن الاكتظاظ الحاصل داخل السجون إنما هو نتيجة احتلال العقوبة مكانة محورية في التشريع الجنائي وهذا يعيق المجهودات المبذولة من أجل النهوض بأوضاع السجون و السجناء ويمكن ذكر أسباب الاكتظاظ في مايل:

  • العقوبات الحبسية التي لا تستوعب تطبيق البرامج الإصلاحية.
  • اللجوء الى الاعتقال الاحتياطي في غالبية الجرائم رغم أنه تدبير استثنائي .
  • تحول الغرامة في العديد من الحالات إلى عقوبات حبسية …إلخ.

لقد أبانت سياسة التجريم والعقاب عن قصور واضح في حماية المجتمع من الجريمة وخير دليل على ذلك هو تصاعد ظاهر العود وهو ما يفسر فشل السياسة الجنائية المبنية على الردع والزجر وتغليب خيار العقوبات السالبة للحرية واللجوء المفرط إلى الاعتقال الاحتياطي ثم عدم تفعيل تقنية التواصل مع المجرم باعتباره محور الخصومة الجنائية وأساس الظاهر الإجرامية.

 

كل ما ذكر أعلاه كان بهدف إبراز مكامن الخلل والضعف في النظام الجنائي على المستوى التشريعي، فكيف السبيل لتجاوز هذه الاختلالات.

 

المطلب الثاني: الرؤية الإصلاحية لنظام العدالة الجنائية:

 

إن ما يهمنا في هذا المقام هو إصلاح نظام العقوبات الذي يعاني من اختلالات ومشاكل ، حتى وإن سلمنا بأن المشرع الجنائي يرغب في تقويم واصلاح سلوك المحكوم عليهم، إلا أن الواقع يشهد عكس ذلك إذ أن وتيرة الاجرام في تزايد مستمر والقضايا المعروضة على المحاكم خير دليل على ذلك، لذلك أصبحت جل التشريعات تراهن على بدائل لهذه العقوبات في إطار مكافحتها للجرائم، والتي تتمثل :

 

  • الفقرة الأولى: العمل لفائدة المنفعة العامة

يعتبر العمل لأجل المنفعة العامة أنجح بكثير من العقوبة الحبسية ، وقد أخذت بها معظم الدول كانجلترا وكندا وفرنسا وغيرهم، ولا شك أن العمل لأجل المنفعة العامة كتدبير بديل يستعمل لتسهيل جهود إعادة التأهيل الاجتماعي للمحكوم عليه، إلا أن تطبيق هذه العقوبة البديلة رهين بتوافر مجموعة من الشروط كان يكون المحكوم عليه بالغا بالإضافة إلى حضوره وموافقته على العمل خدمة للمنفعة العامة.

 

  • الفقرة الثانية : البدائل المالية

تتمثل البدائل المالية في الغرامة اليومية كعقوبة مالية وإن كانت تبدو ثقيلة إلا أنها مع ذلك أخف وطئا من العقوبة السالبة للحرية، هذا ففضلا عن كونها تدر دخلت مهما للدولة على خلاف العقوبة السالبة للحرية التي تكلفها ميزانية ثقيلة، غير أنه ما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد هو أن تقدير قيمة الغرامة المالية يقتضي بالضرورة الرجوع والنظر في الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمحكوم عليه. وهو نفس الامر الذي أصبح التشريع الفرنسي يعمل به، حيث يسمح بتحويل العقوبات الجزائية الى غرامات يومية .

 

 

  • الفقرة الثالثة : التدابير الرقابية

 

يمكن تجسيد هذه التدابير في ” الحبس في نهاية الأسبوع أو الحبس الدوري ” ومفاده أن المحكوم عليه عوض أن يقضي عقوبته الحبسية كاملة داخل السجن مع ما ينطوي عليه من تبعيات واثار سلبية، فانه يقضي هذه العقوبة خلال نهاية الأسبوع فقط.

ثم إن الوضع تحت المراقبة الالكترونية يعد من أبرز التطبيقات في التطور العلمي، ويقوم هذا الاسلوب بالسماح للمحكوم عليه بالبقاء في منزله غير أن تحركاته تبقى محدودة ومراقبة بواسطة جهاز الكتروني، بالإضافة إلى أن هناك تدبير مهم جدا وهو إجراء الصلح الجنائي الذي ندعوا المشرع الجنائي الى توسيع قاعدته باعتباره تصرف قانوني يرتب كل آثاره في الميدان الجنائي والذي يتمثل أساسا في إسقاط الدعوى العمومية، وهذا يرمي بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على الاواصر الأسرية والاستقرار والامن اضافة إلى الحد من المشاكل التي تعاني منها المؤسسات السجنية.

 

 

 

 

 

 

خلاصة:

 

حقا إن الدعوى الجنائية وسيلة الدولة لانزال العقاب على المجرم، إلا أنه يجب ان تكون هذه الدعوى وسيلة تحكم ممارسة القمع في سبيل الغايات البعيدة عن القانون والعدالة.

لذلك لابد من التنظيم الدقيق للاجراءات الجنائية بحيث تحمي حقوق الانسان تجاه المجتمع ومن يمثله في الدعوى الجنائية حتى لاتهدر كرامته ولا تمس حياته تجسيدا لمبدأ البراءة.

وإذا كانت السياسة الجنائية تجعل المجرم  هو محور اهتمامها وتبني عليه كل الخطط لمحاربة الظاهرة الأجرامية، فإننا نهيب بالمشرع الجنائي إلى الاسراع لإعادة النظر في كرونولوجية المقتضيات التشريعية المتعلقة بالقانون الجنائي، نهيا عن التعديلات المستمرة والمتتالية التي شملت عدة فصول والتي بلغت حوالي 33 تعديلا، ومما لاشك فيه أن هذه التدابير ستتيح المحكومي عليهم وضع مؤهلاتهم لفائدة المجتمع بدلا من الزج بهم في السجن،كما يحافظ على روابطه بما يسمح له بالاندماج من جديد في المجتمع.

ويبقى التأكيد في الختام إلى أن ارساء مقومات سياسة التجريم والعقاب لا تأتي إلا من خلال تشخيص وتقييم الوضع الحالي واقتراح حلول ناجحة وفعالة للمساهمة في تطوير وتحسين أداء السياسة الجنائية بالمغرب.

 

لائحة المراجع :

 

_ محمد الشيشي ” بداىل العقوبات السالبة للحرية ”

_ محمد بوزرادي ” العدالة الجنائية ”

_ محمد ولد قال” أزمة العدالة الجنائية ”

_ أحمد أبو العلاء ” القانون الجنائي العام .