تَزويجُ الأنثى القاصِر وانعكَاساتهُ عَليها

المعلومة القانونية

* بلال بوزرادي Bilal bouzradi
طالب بسلك الإجازة، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان.تقديم:

لاَزالت ظاهرة تزويج القاصرات تَلُوح في الأفق، يُقابلها ارتفاع طلبات الإذن بالزواج لدى أقسام قضاء الأسرة التابعة لدائرة نفوذ المحاكم الابتدائية، ولعل السبب في ذلك راجعٌ إلى رغبة الأسر في التخلص من بناتهن إعتقادا منهم على أن الفتاة خُلقت للزواج، ومُكوثُها في بيت والديها يجلب الخزي والعار، فيالها من عادات فاسدة !!

والقاصر في نظر المشرع المغربي هو الذي لم يصل بعد إلى سن الثامنة عشر من عمره[1]؛ حيث ينقسم إلى صنفين، فاقدٌ للأهلية وناقصها[2]

إلا أن المدونة رغم هذا التحديد، أعطت من خلال المادة  20 -من مدونة الأسرة- للقاضي  حق الإذن بزواج القاصر عن هذا السن ذكرا كان أم أنثى، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الإستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي، والإستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي[3].

وفي سياق الحديث عن  الضمانات الواردة في مدونة الأسرة المرتبطة بزواج القاصر، تُعتبر ضمانات جد متقدمة حتى مقارنة مع بعض الدول الغربية، والإشكال المطروح يتمثل على المستوى العملي، فهل يتم تفعيل تلك الضمانات تفعيلا جيدا ؟[4].

كما أن مصطلح القاصرات معاصر للفتيات اللاتي لم يبلغن، ومعناه: العاجزات، وتحديد القصور من عدمه مرجعه إلى الشرع، والفقهاء اختلفـوا فـي تحديـد السـن كأحـد مناطـات التكليـف، ومعظـم القـوانين الدولية جرت على ما اتفق مع مذهب الحنفية، وهو بلوغ ثمانية عشر عاما- وهذا عند الأحناف فــي الغــلام، وأمــا الجاريــة عنــدهم فــإذا بلغــت ســبعة عشــر- والكــلام هــذا فــي التكليــف، وأمــا فــي الزواج فليس في الشريعة تحديـد لـه؛ لأن هـذا مبنـي علـى المصـلحة، وكـل فتـاة تختلـف مصـلحتها عن الأخرى، وإنمــــا اكتفــــى الشـــارع باشــــتراط الــــولي لصــــحة عقـــد النكــــاح ثقــــة بأمانتــــه ومعرفتــــه بمصلحتها[5].

وباعتبار الزواج هو رباط مقدس بين رجل  وامرأة، وقد شرع الله سبحانه وتعالى الزواج لغاية عظيمة؛ فالغاية ّ الأساسية من   الزواج هي الاستقرار النفسي والروحي لهذا الرباط ّ المقدس، إلا أن الزواج كنظام تعرض لبعض  التحولات والتغيرات التي أدت إلى بروز طائفة من المشكلات الاجتماعية تتمثل بصورة رئيسية بالزواج المبكر[6].

كما أن التقاليد تعتبر من الأسباب المؤثّرة تأثيراً مباشراً في زواج القاصرات، فتنتشر هذه الأفكار في المجتمعات التي تعتمد على الموروث الاجتماعيّ المرتبط بتزويج الفتيات بعمرٍ دون السن القانوني، كجزءٍ من العادات المتعارف عليها في القرية أو القبيلة التي ينتسبون إليها، ونظرا للجهل الفكريّ الذي ينتشر بين العائلات التي لا تدرك مدى الخطورة والضرر في تزويج الفتاة في عمرٍ دون سن الرشد، ولا يعلمون أنّها غير قادرة على تحمل مسؤولية الزواج، وغيرها من المسؤوليات العائلية الأخرى، طامعين في بناء حياتها مع زوجها واستقلالها ماديا، فيُغامرون بها في قارب الزواج لعل الله يُيَسر أمورها، ولا يُفكرون في أن الزواج مشروع، والمشروع يمكن أن ينجح كما يمكن أن يفشل.

وبعد هذه التوطئة البسيطة، ارتأيت أن أتحدث عن زواج القاصرات كظاهرة منتشرة وبكثرة في مجتمعنا هذا، ( خصوصاً العالم القروي)، ودراستها من حيث الأسباب ( أولأ )، ثم الآثار المترتبة على القاصر الأنثى ضحية العلاقة الزوجية في حالة فشلها ( ثانياً )، على اعتبار أن نجاح هاته العلاقة لا يُثير أيّ إشكال

          أولاً: أسباب تزويج الأنثى القاصر. 

تتعدد أسباب تزويج القاصرات وتختلف الدوافع التي تُلقي بها في قَفصِ الزواجِ، منها ماهو اجتماعي يخُص الوضعية الاجتماعية للعائلة التي غالباً ما تكون من الطبقة الهشة.

كما أن الوضع الاقتصادي من أهمِ العوامل المؤثرة في اتخاذ قرار تزويج الفتاة دون سن الرشد، بالنظر إلى أن الزواج في     كثير من الحالات يكون حلا حسب اعتقاد بعض العائلات لتردي الوضع الاقتصادي للأسرة، فيكون قرار تزويج الفتاة وهي قاصر فرصة للتخلص من عبء مصاريفها[7].

ويمكن إجمال أهم  الأسباب التي تؤدي بالأبوين إلى تزويج بِنتِهِمَا في الآتي[8]:

  • الوضع الاقتصادي السيء: الذي يكون مبررا في أحيانا كثيرة للأهل لقرار التزويج مبكرا للفتاة والإغراءات المالية على اعتبار الزواج المبكر صفقة رابحة، لأن في بعض المجتمعات يفرض آباء الفتاة مهرا مُهما.
  • الذهنية التقليدية المزروعة في مجتمعنا التي ترسم معايير محددة للزواج لجهة السن وحصره بالسن المبكر.
  • الرأي الغالب في المجتمعات العربية أن الزواج في سن مبكرة هو الإنجاز الأهم لأي فتاة نتيجة انتشار مفاهيم السترة والعنوسة.
  • تزويج القاصرات يؤمن شرف العائلة لأن التأخير به يشكل عارا للعائلة ويسيئ إلى سمعتها ووضعيتها الاجتماعية.
  • الدور النمطي للمرأة في المجتمع كربة منزل وأسرة وعليها أن تولي هذا الدور مبكرا ضمانة لنجاحه، وتميزها عن الرجل، وشك في قدراتها، فهي فقط وجدت لتكون زوجة وأُم لأولادها وليست عنصرا ناجحا في المجتمع، وكيانا مستقلا مثلها مثل الرجل.

كما أن البحث عن أصل العلاقة التي تجمع بين القاصر وزوجها قبل إبرام عقد الزواج، مِنشأنه تأكيد أونفي الدوافع السوسيوثقافية للزواج المبكر. وقد أظهرت أجوبة المستجوبات أن علاقتهن بأزواجهن قبل الارتباط بهم توزعت بين من لم يسبق لهن أن تعرفن عليه من قبل، وهن من شكل الأغلبية في هذه النقطة، وبين من كن على علاقة بهم قبل الزواج، وأخريات توزعت علاقتهن مع أزواجهن بين العلاقات العائلية وعلاقات الجوار وهو ما يوضحه المبيانان التاليان:[9]

ومن خلال تحليل هذين المبيانين تحليلا علميا، يتبين أن نسبة القاصرات اللواتي يجهلن أزواجهن قبل أن يتقدموا إلى خطبتهن بلغت نسبة 45.03٪ [10]؛ حيث أن أغلب القاصرات المتزوجات لم يسبق لهن التعرف على شريك الحياة من قبل، وهاته الفئة هي التي تستحوذ على النسبة المئوية الكبيرة مقارنة بالفئات الأخرى.

وإذا كانت هاته أهم الأسباب والدوافع التي تَجعل الأبوين يُزوجُون فتياتهم، فما هي يا ترى الآثار المترتبة على حياة الفتاة القاصر في حالة انهيار العلاقة الزوجية ؟

ثانياً: انعكاسات الزواج على الأنثى القاصر.

يُخلف هذا الزواج في حالة فشله آثارا وخيمة على الفتاة ضحية العلاقة الزوجية، مِن تذمر في حالتها النفسية، وكذا حتى في علاقاتها؛ حيث دائما ماتجِدُها مُنغَلقة على نفسها، وتصرفاتها توحي بأنها عديمة الثقة بالمجتمع، ناهيك عن وجود أطفال ضحايا هذا الزواج الملعون، حيث تُصبح الأم القاصر المُطلقة مجبرة على حضن طفلها وتربيته رغم الظروف الاجتماعية المزرية والصعبة، فلاحلّ أمامها، وبالتالي تكون خُطة الأب و الأم[11] في تزويج بِنتِهِما والتخلص منها قد باءت بالفشل، وهاهي المِسكينة القاصر رجعت إلى بيت والديها وبين ذراعيها طفل تحمله.

خُطة الأبوين للتخلص من أعباء فرد من الأسرة لم تكُن في محلها، فتِلك البنتُ التي كانت أمل والديها في أن تبني حياتها مع زوجها، وتُخفف عليهم ثِقل الحياة، رجعت وبرفقتها طفلها البريء الذي لا ذنب له، وأمام إهمال للنفقة على الإبن من طرف أبيه تارة، وتملصه من المسؤولية تارة أخرى، والفقر المُدقِع الذي تعاني منه أسرة الأنثى القاصر، تجد نفسها مُجبرة على الخروج للبحث عن عمل يسُد رمقها، و رَمق طِفلها.

ومن بين الانعكاسات المترتبة على حياة القاصر نجد آثار نفسية واجتماعية تتمثل في الحرمان؛ الحرمان العاطفي من حنان الوالدين، والحرمـان مـن حقهـا في اختيـار الـزوج ، والحرمـان من عيش مرحلة الطفولة التي إن مرت بسلام كبرت الطفلة لتصبح إنسانة سوية، لـذا فـإن حرمانها من الاستمتاع بهذه السن يؤدي عند تعرضها لضـغوط إلى ارتـداد لهـذه المرحلـة في صـــورة أمـــراض نفســـية مثـــل الهســـتيريا و الفصـــام، الاكتئـــاب، القلـــق واضـــطرابات الشخصية، كما أن القاصر تشعر بنوع من العبودية؛ تصبح الزوجة القاصر مصابة بالعبودية للزوج وأهل الزوج نظرا لصغر سنها، خاصة بحصول الاعتداءات الجسدية واللفظية عليها، كما يرتفع لها الشُعور بالدونية؛ حيث تَعتبر نفسها عبء ثقيل على أسرتها، وأنها مكروهة من قبلهم نظرا لتزويجها في ذلك العمر الصغير، وتشعر الطفلة أنها مجرد سلعة تم بيعها والتخلص منها[12].

ومن هنا تبدأ قصة حزينة أخرى، تَعيشها الفتاة ضحية الزواج الجبري، حيث تُصبح تائهة في مجتمع لا يرحم، خصوصاً وأنها مطلقة ولها طفل، فهَل تحمله على هون، أم تَدُسه في التراب ؟

وغالبا ما يَنظُر إليها المجتمع بنظرة حقيرة تزيد على ما بها من أوجاع و آلام، ولأن وضعيتها تقتضي منها البحث عن شغل عاجلا غير آجل، فتبدأ بالسؤال عن عمل  لَعلّ الله يفتح لها أبواب الرزق ويغنيها بالحلال عن الحرام، وهنا تجِد الكلاب الجائعة جنسيا ملاذا لها، خصوصا عندما تَنكشف بأنها مُطلقة وفي حاجة إلى العمل، و وضعُها الاجتماعي يُرثى له، فيتِمُ مُساومتُها بشرفها وتُبتزُ مقابل المال، فما أقبحهُ موقف !!

فيبقى للضحية[13] خياران لا ثالث لهما؛ إما أن تَسلُك طريق الحلال، وتشتغل في أيّ كان، ويَكون دخلُها من عرقٍ جَبِينها، رغم أنه طريق شاق ومُتعب، وإما أن تَسلُك طريق الحرام، وتَمتَهِن الدعارة والفساد في أشكال متعددة، لِيُسر و سُهولة الحصول على المال والوصول إليه، الذي هو مربطُ الفرس ونُقطة الهَدفِ، وبالتالي كان لِزَاما على الدولة أن تولي حماية فُضلى وتقوم بتحصين حقوق القاصرات ضحايا هذا الزواج و كذا حقوق أطفالهن الأبرياء.

مع العلم أن زواج القاصر استثناء من القاعدة التي تقول أن أهلية الزواج تكتمل ببلوغ الفتى والفتاة المتمتعين بقواهم العقلية ثمان عشرة سنة شمسية[14]

وبالتالي هذه المهمة تقتضي وضع استراتيجية متكاملة تجتمع بين حملات توعية موجهة إلى الجميع مع التركيز على الأوساط المستهدفة لشرح الضرر الذي يسببه الزواج المبكر، وبين تشجيع التعلم ونشر أهميته وسط الفتيات في المدن والقرى، ويبقى عامل  تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسر من العوامل الأساسية التي تساعد على الحد من الظاهرة المقلقة[15].

وعلى الرغم من الجهود المبذولة من طرف الفاعلين في الميدان، تبقى ظاهرة تزويج القاصرات مُقلقة نظرا لإرتفاع قضايا الطلاق داخل المحاكم، بالإضافة إلى العنف الجسدي والنفسي الذي يتعرضن له أثناء العلاقة الزوجية، خصوصا في حالة وجود أطفال، فالطفل لا يُمكن له أن يُربي طفلا !!

وهاته الآثار السلبية تؤرق الدولة والمجتمع على حد سواء، والحد من تداعياتها على التنمية في أبعادها المتعددة، يقتضي الأمر تظافر  الجهود ، والرفع من مستوى تعبئة جميع الفاعلين لكسب رهان القضاء على هذه الممارسة، التي تعوق تمتع الطفل بحقوقه، وصيانة مصالحه الفضلى[16]

وفي الأخير، أود أن أقول لجميع الآباء والأمهات أولا، ثُم لجميع السادة القُضاة المكلفين بالزواج ثانياً، رِفقاً بتلك الفتاة المِسكينة التي اعتبرها أبويها سِلعة من أجل الحصول على المهر،  أو من أجل التخلص منها كي تُخفف عليهم ثِقل وضعيتهم الاجتماعية، أو كي تبني مستقبلها وهي في عُمر صغير، فمكانُها الأصلي هو المدرسة، أما الزواج فهو مرحلة تَستوجِبُ أن يكونا كل من الزوج والزوجة في حالة نفسية وبنية جسمانية جيدة، حتى يتحقق هدف الشارع من تشريع الزواج، خصوصا وأنهُ ميثاق غليظ على وجهِ الدوام، وليس لمُدة محددة أو معلومة، لهذا وجب التريث قبل أخذ قرار هذا التزويج.

كما أنوهُ وأشيد بالدور التي تقوم به السلطة القضائية، سواء النيابة العَامة باعتبارها طرفا أصليا في جميع القضايا التي تخُص تطبيق مقتضيات مدونة الأسرة[17]، أو القضاة المكلفين بالزواج، وما مِن مرة نسمع أنه تم رفض طلب أو طلبات ترمي إلى تزويج فتيات قاصرات بدافع أن بنيتهم الجسمانية أو حالتهم النفسية لا تسمح، وهذا إن دل على شيء فإنما يدُل على الحرص الشديد التي توليه السلطة القضائية  لمصلحة القاصر بصفة خاصة والمُجتمع بصفة عامة.

ولعُمق هذا الموضوع سأتوقفُ عند هذا الحد، طامِعا في غد أفضل بالنسبة للقاصر، وأتمنى أن يكون هذا الموضوع قد عالج إشكالية زواج الأنثى القاصر وحاول تسليط الضوء عليها، فما كان من توفيق فمِن اللّه، وماكان من سهو أو خطأ فمني ومن الشيطان.

 

الإحالات والمراجغ:

[1] المادة 209 من مدونة الأسرة المغربية.

[2] راجع المادتان 213 و 217، مرجع سابق.

[3] دراسة تشخيصية حول زواج القاصر، رئاسة النيابة العامة، إعلان مراكش 2020 للقضاء على العنف ضد النساء، ص 23.

[4] تصريح حسن إبراهيمي، مستشار بمحكمة الاستئناف بالرباط، ملحق برئاسة النيابة العامة، لقناة Medi1 TV

[5] زواج القاصرات بين الدين والعادات، عادل الجبار، ص 5.

[6] القاضي فوزي الخميس ومن معه، حماية القاصرات من الزواج المبكر، بيروت، ص 5.

[7] دراسة تشخيصية حول زواج القاصر، مرجع سابق، ص 105.

[8] جواناعبد الله ومن معها، تزويج القاصرات، جامعة الحكمة، ص 6

[9] دراسة تشخيصية حول زواج القاصر، مرجع سابق، ص 139.

[10] هذه الإحصائيات تمت من تاريخ صدور المدونة إلى حدود سنة 2019.

[11] أحيانا تكون صاحبة فكرة الزواج هي الأم ، وأحيانا أخرى الأب أو إبنهُما (أخ الأنثى القاصر) نتيجة علاقة صداقة تربطه بالخاطب طالِب الزواج.

[12] زواج القاصرات بين الدين والعادات، عادل الجبار، مرجع سابق، ص 7 و 8.

[13] الأنثى القاصر في هاته الحالة ضحية لأن إرادتها لم تُناقش، خصوصاً والضغط المُمَارس عليها من طرف والِديها والذي كان سببا في هذا الزواج.

[14] المادة 19 من مُدونة الأسرة، مرجع سابق.

[15] جوانا عبدالله ومن معها، تزويج القاصرات، مرجع سابق، ص 25.

[16] دراسة تشخيصية حول زواج القاصر، مرجع سابق، ص 233.

[17] المادة 3 من مُدونة الأسرة، مرجع سابق.