التصور الجديد للإدارة اللاممركزة

المعلومة القانونية

✍🏻سمية بومروان : باحثة في القانون والعلوم السياسية.

تتراوح أساليب التنظيم الإداريّ في الدول جميعها بين المركزيّة الإداريّة، واللامركزيّة الإداريّة، وتُعتبَر المركزيّة هي الأقدم بينهما، ومن الجدير بالذكر أنّ الدول كانت قد تمكّنت من بَسط سيطرتها باستخدام المركزيّة الإداريّة على كلّ المناطق التابعة لها، إلّا أنّ التطوُّر الحاصل أظهر الحاجة إلى التخلّي عنها، والانتقال إلى اللامركزيّة التي تهتمّ بتوزيع الوظائف الإداريّة،وقبل أن نشرع بالحديث المُفصَّل، لا بُدّ لنا من تعريف المركزيّة الإداريّة، حيث تمّ تعريفها على أنّها: “حصر صلاحيّات القرار، وتجميعها في يد سلطة واحدة رئيسيّة، تنفرد بالبت في جميع الاختصاصات الداخلة في الوظيفة الإداريّة عن طريق ممثّليها”، كما تمّ تعريفها على أنّها: تجميع السُّلطات في يد هيئة مُعيَّنة، أو شخصٍ واحد.وقد عرفها بعض الفقهاء على انّها “تجميع صلاحيّات اتّخاذ القرارات في إدارةٍ، أو شخصٍ واحد، أو عددٍ محدودٍ من المديرين” ظهرت الإدارة المركزيّة بعد ممارسة الإدارة للعديد من الأنشطة المختلفة عن النشاطات الإداريّة المُعتادة، ممّا أثقل جهازها المركزيّ، فأدّى بطبيعة الحال إلى ظهور الإدارة اللامركزيّة؛ وذلك لابتكار قوانين جديدة تناسب المشروعات الجديدة، ممّا يعني التخفيف عن الإدارة المركزيّة، إلّا أنّها لا يمكن أن تكون بشكل مُطلَق؛ حيث لا بُدَّ لكلّ منظَّمة من أن تتحلّى بقدر من المركزيّة، واللامركزيّة في آنٍ معاً، وممّا يجدر ذكره في هذا المقال التعريفات التي وردت حول مفهوم الإدارة اللامركزيّة، وهي على النحو الآتي : ‎بيَّن (Kreitner) أنّها تعني: “تفويض كلِّ، أو بعض سُلطات الإدارة العليا إلى الوحدات والوظائف الأدنى في منظَّمات الأعمال”. أشار (William) إلى أنّها تعني: “المرونة في التبعيّة الإدارية، بحيث لا ترتبط الإدارات، أو الأقسام في إدارة المُنظمَّة، إذ تتدرَّج هَرَميّاً في إدارة المُنظَّمة ببعضها، بحيث تكفل تأدية الوظيفة الإداريّة للمُنظَّمة على وجهٍ لا يتعارض مع بعضه، وعلى وجهٍ لا يُحدِثُ تبايُناً، وتعارُضاً في أهداف المُنظَّمة”. عرَّفها (ماكغين، وويلش) بأنّها تعني: “نقل السلطة من مستوىً أعلى إلى مستوىً أدنى”، عرَّفها (خاشقجي) على أنّها: “إسناد سُلطة اتّخاذ القرارات، وإصدار الأوامر، والتعليمات إلى بعض المرؤوسين في المستويات الإداريّة الأدنى داخل التنظيم الإداري” إن اللاتركيز الإداري يفيد بأنه أسلوب في الإدارة، بموجبه يتم نقل بعض الاختصاصات لموظفي الدولة في العاصمة أو في الأقاليم، مع بقائهم خاضعين للسلطة المركزية، في إطار السلطة الرئاسية أو التسلسلية.

في حين أن اللامركزية تعني توزيع السلطات بين إدارة الدولة وهيئات إدارية محلية مستقلة ومنتخبة، ولا تخضع للسلطة المركزية مباشرة، إلا في حدود الرقابة التي تمارسها الإدارة عليها، كما هو مبين في القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية (الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات). اللامركزية الإدارية La Décentralisation administrative تعتبر اللامركزية الإدارية أسلوبا من أساليب التنظيم الإداري، بموجبه يتم نقل بعض الصلاحيات والاختصاصات ذات الطابع الإداري إلى أشخاص، معنوية عامة، إقليمية أو مرفقية. وتمارس تلك الصلاحيات والاختصاصات في النطاق الترابي أو المرفقي (المصلحي)، تحت إشراف ورقابة السلطة المركزية.

في ظل نظام المركزية الإدارية يتم تركيز الوظائف الإدارية بيد السلطة المركزية؛ في المقابل يتميز نظام اللامركزية الإدارية بتوزيع هذه الوظائف، وذلك عن طريق تحويل اختصاصات ووظائف إدارية من الإدارة المركزية إلى هيئات إدارية أخرى إقليمية أو ترابية (الجهات، العمالات والأقاليم والجماعات) أو مصلحية مرفقية (المؤسسات العامة)، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي، مع إخضاعها للرقابة الإدارية للسلطة المركزية. مواكبة للتحولات الإجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تعرفها المملكة، شهد التنظيم اللامركزي تطورا نوعيا على قدر كبير من الأهمية تمثل في صدور القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات والقانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والأقاليم والقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات. ومما لا شك فيه، فإن اتساع مجال الصلاحيات المخولة للجماعات الترابية لا سيما على المستوى الجهوي وأهمية الموارد البشرية والمالية التي وضعت رهن إشارتها، تتطلب النهوض باللاتمركز الإداري ووضع رؤية جديدة لتدخل الإدارات اللاممركزة للدولة، تحت إشراف والي الجهة، على المستوى الترابي.

ولتحقيق هاته الغاية، أصبح ضروريا مراجعة المقتضيات الحالية المعمول بها في مجال اللاتمركز الإداري والإنخراط في إعداد منهجية واضحة لكافة القطاعات الوزارية لتنفيذ لاتمركز حقيقي قوامه الفعالية والنجاعة، ويسمح بتحقيق التغيير المنشود في إطار سياسة إرادية شمولية ومنسجمة. وفي هذا الإطار، انكبت الحكومة على إعداد تصور جديد للإدارة اللاممركزة يتوخى الإستجابة للأهداف التالية:

• أ‌- تمتين فاعلية الإدارة اللاممركزة عبر تحسين علاقة الإدارة بالمواطنين (علاقة الإدارة – المواطنين)

• ب‌- المساعدة وتقديم الدعم والإستشارة للمنتخبين (علاقة الإدارة – المنتخبين)

• ج‌- بناء سياسات عمومية مندمجة وفعالة تحقق التقائية السياسات العمومية (علاقة الإدارة -الإدارة).

وفي هذا الصدد، يرتكز التصور الجديد للإدارة اللاممركزة على تنزيل مبادئ دستور يوليوز 2011 الذي بوء الجهة مستوى الصدارة في العلاقات بين مختلف الفاعلين المحليين، وجعلها فضاء للحوار والتشاور ولإعداد برامج التنمية وتتبعها. وتأسيسا على المبادئ المذكورة وعلى التوجيهات الملكية السامية، يمكن اختزال الخطوط العريضة للتصور الجديد للإدارة اللاممركزة في المحاور التالية:

• توضيح دور الإدارات المركزية وحصرها في مهام التأطير والتصور والتوجيه وتقييم ومراقبة أداء الإدارات اللاممركزة، فضلا عن الدور المنوط بها في مجال إعداد النصوص التشريعية والتنظيمية (مبدأ التفريع

• مواكبة الإصلاح الجهوي الأخير وإبراز المستوى الجهوي باعتباره الإطار الملائم لانسجام السياسات العمومية ولبرمجة مشاريع مختلف القطاعات الحكومية، على أن تتولى الإدارات الإقليمية مهمة تنفيذ السياسات العمومية وإنجاز برامج التضامن والتماسك الإجتماعي، وكذا المواكبة والمساعدة التقنية لفائدة الجماعات الترابية

• إمكانية تجميع المهام الإدارية المشتركة، المنسجمة أو المتكاملة عن طريق خلق إدارات جهوية تكون قادرة على إنجاز مشاريع جهوية تستلزم توحيد العمل وتظافر جهود عدة مصالح تابعة لنفس المستوى الترابي

• توضيح مجال تدخل وحدود العلاقات بين الفاعلين في مجال اللاتمركز من إدارات مركزية ومصالحها اللاممركزة وسلطات محلية، تقوم على أساس تفويض صلاحيات اتخاذ القرار، مع تدعيم مجال تنسيق أنشطة المصالح قصد ضمان وحدة عمل مصالح الدولة على المستوى الجهوي.

وبناءا علي ما سبق يمكن القول أن المركزية تهدف إلى احتكار الوظيفة الإدارية في الدولة أما اللامركزية فتهدف إلى تقسيم السلطة بين الحكومة المركزية وبين الأشخاص الإداريين الآخرين في الدولة. فالنظام الإداري المركزي يْعنى بتركيز الوظيفة التنفيذية في يد الحكومة المركزية.

والنظام الإداري اللامركزي بالعكس يوزع وظائف الدولة الإدارية بين الحكومة المركزية وبين الأشخاص الإدارية الأخرى كما قلنا. ومن هذا المنطلق يتبين أن المركزية تقضي بحصر الوظيفة الإدارية بين يدي السلطة المركزية.

أما اللامركزية فترمي إلى توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطة التنفيذية والهيآت الأخرى المنتخبة محلياً كالجماعة والإقليم أو الجهة.

وهي تهدف إلى تحويل بعض الإختصاصات من الدولة الى هيئات تتمتع بالشخصية القانونية. بالإضافة إلى إن هذه الهيئات تدير وتباشر السلطة الإدارية بكل حرية إلا أنها مع ذلك تبقى بطبيعة الحال تحت مراقبة الدولة.

 

المراجع:

‎بوجمعة بوعزاوي، التنظيم الإداري، الطبعة الأولى، دار ابي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، 2013 ،ص.23. ‎مليكة الصروخ، التنظيم الإداري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2010، ص.42. ‎كريم لحرش، القانون الإداري المغربي، الطبعة الثالثة، مطبعة الامنية، الرباط، 2014، ص.91.

-أ ب ياسين ربوح (2016/2017)، محاضرات في إدارة الجماعات المحلية في الجزائر، ورقلة: جامعة قاصدي مرباح، صفحة 1.

-أ ب حمدي خدیجة، وبلحاج ھجیرة (2016/2017)، التنظيم الإداري في الجزائر، معسكر: جامعة مصطفى اسطنبولي، صفحة 14-15. بتصرّف. -أ ب ت ث ج خالد بن فيحان المنديل (2004م)، المركزيّة واللامركزيّة في اتّخاذ القرار وعلاقتها بالأداء الوظيفي، الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، صفحة 22، 19، 18-17، 14، 11، بتصرّف.

-أ.د. محمد محمد جاهين، مقدّمة في الإدارة العامّة، السعودية: جامعة أم القرى، صفحة 61.

-أ ب أ.د. رافع خضر صالح شبر (31-5-2011)، “المركزية واللامركزية الإدارية في الدولة الموحدة”، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 20-11-2018. بتصرّف.

-أ.د رشيد خالد راشد منصور (2004م)، المركزية واللامركزية في الإدارة التربوية في فلسطين من وجهة نظر مديري ومديرات المدارس الحكوميّة في محافظات شمال الضفّة الفلسطينيّة، نابلس- فلسطين: جامعة النجاح الوطنيّة، صفحة 57-60. بتصرّف.

-د.فهد عيد ناصر بن فهد (2010م)، تطبيق اللامركزيّة وأثرها على مستوى أداء العاملين، عمّان- الأردن: جامعة الشرق الأوسط، صفحة 11، 14-15. بتصرّف.

-أ ب م.د. يوسف يعقوب شحاذة (2014م)، واقع الإدارة اللامركزيّة لعمداء جامعة بغداد من وجهة نظر معاونيهم ورؤساء الأقسام العلميّة، العراق: جامعة بغداد، صفحة 362-363. بتصرّف.

-د. نبيه محمد : الجهوية المتقدمة بين للامركزية واللاتمركز (الجانب القانوني والحاسبي)طبعة 2019 https://www.kas.de/documents/276068/276117/Publ.