الرئيسية مختارات التغير المناخي والنزاعات المسلحة

التغير المناخي والنزاعات المسلحة

13 يناير 2022 - 15:32
مشاركة

المعلومة القانونية

*أيوب حموشة حدي – خريج ماستر حقوق الإنسان والقانون الدولي الانساني بكلية الحقوق أكدال بالرباط.

شكلت الحرب الباردة التي دامت قرابة 45 عاما تهديدا كبيرا للسلم والأمن العالمي خصوصا وأن اطرافها كانا قوتين نوويتين، خصصا كلا الجانبين موارد هائلة ليس فقط لاكتساب القوة العسكرية ولكن أيضا للظفر بالسبق التكنولوجي والعلمي، وغالبا ما كان الصراع غير مباشر  حيث خاضه وكلاء للأطراف،

وكما هو الحال في الحرب الباردة، فإن التهديد الناجم عن التغير المناخي يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة، كالنزاعات المسلحة، إذ تتوفر مجموعة من الأسباب للإعتقاد بأن مسألة الأمن سترتبط بشكل وثيق بآثار التغير المناخي.

فناقوس الخطر الذي يهدد الأمن في القرن 21 يرتبط بين سلسلة من النتائج ابتداءا من عدم الإستقرار المناخي وصولا إلى عدم الإستقرار السياسي، الأمر الذي يؤدي إلى نزاعات وتدخلات عسكرية، مشكلا تهديدا مختلطا، يتجلى في هجرات جماعية وتوترات في الحدود ونزاعات حول الموارد الأساسية، مما ستتفاقم معه القضايا الأمنية، ويمكن عرضها في ستة مستويات:

  • التوترات المتعلقة بالحدود
  • الهجرة
  • إمدادات الطاقة
  • شح الموارد
  • الإضطرابات الإجتماعية
  • الأزمات الإنسانية.

فالمميز  في التغير المناخي أنه سينتج عنه أنواعا وأنماطا فريدة من الصراع، يعيد معه تحديد قيمة الموارد الهامة وخلق تحديات جديدة للحفاظ على النظام الإجتماعي والإستقرار.

 

فالتغير المناخي يفتح المجال نحو العديد من الإشكاليات التي تستحق الإجابة عنها بدءا من:

  • ماهية العلاقة بين النغير المناخي والنزاعات المسلحة (النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية)؟
  • كيف يشكل النغير المناخي تهديدا على السلم والأمن العالمي؟

 

أولا: العلاقة بين التغير الناخي والنزاعات المسلحة

أضحى بالإمكان الآن مناقشة كيف سيتم إضفاء الطابع الإقليمي على تغير المناخ في النزاعات المسلحة القائمة والحروب الباردة الناشئة، إذ ستتسع رقعة هذه النزاعات على مساحات شاسعة من الكوكب وستخلق حزامي توتر عالميين:

  • حزام التوتر الاستوائي وهو نطاق عريض يتمركز على خط الإستواء للكوكب حيث ينمو جنوبا الى أفريقيا ويمتد إلى عمق آسيا الوسطى إذ سيؤدي تغير المناخ الى تفاقم وتوسع حزام التوتر الاستوائي الحالي والذي يشمل الى حد كبير البلدان النامية.
  • سينشأ حزام توتر جديد يشمل الدوائر القطبية، فاتحا معه المجال للمطالبة وتطوير هذه المناطق، أخذا بالإعتبار أنه لا تزال الخلافات في هذه المناطق لم يتم حلها بعد، وبناءا على ذلك يشكل حزام التوتر الجديد تهديدا امنيا عكس الحزام الحالي بشكل خاص على البلدان المتقدمة.

ففي النصف الغربي سيشمل حزام التوتر  الإستوائي الجزء الشمالي من أمريكا الشمالية ( المكسيك وأمريكا الوسطى) والجزء الشمالي من أمريكا الجنوبية.

أما في أفريقيا يمتد حزام التوتر الإستوائي من شمال أفريقيا بدءا من المغرب متجها نحو الصومال كما يشمل البحر الأحمر  إلى الشرق الأوسط حيث يتصل بآسيا الوسطى بما في ذلك تركيا وإيران وكزاخستان والأجزاء الغربية من جنوب آسيا وترتبط هذه المنطقة القاحلة بدورها بشرق آسيا شمال مرتفعات التبت في شينجيانغ وصحراء جوبي حيث كانت المياه وستظل مصدرا للصراع.

 

 

ثانيا:  السياق السياسي لتغير المناخ والصراع

توصل المجتمع العلمي الى توافق واسع في الآراء بشأن آثار التغير المناخي، غير أن البحث حول العلاقة بين عدم الإستقرار الإجنماعي واحتمالية نشوب النزاعات المسلحة لا يزال متأخرا ، فبدراسة الروابط بينهما نجد أنها غير مباشرة بطبيعتها الى حد كبير، وكما تشير الأبحاث في الأمن البيئي، فإن الإهتمام بالصراع الدولي المباشر في غير محله.

يمكن تصور السياق السياسي لتغير المناخ والصراع على بعدين سياسيين يتقاطعان فأحد الأبعاد هو الآفاق نفسها اي الدراسات حول المجال، ويتعلق البعد الثاني بالنهج الذي يجب على صانعي السياسات والأفراد اتباعه في الاستجابة لتحدي تغير المناخ. الأمر الذي يمكن معه طرح عدة سيناريوهات:

أولا: إذا كانت آثار التغير المناخي تختلف شدتها نسبيا وجغرافيا هل يجب على الدولة العمل من أجل مصلحتها الوطنية كأفضل آلية للتكيف مع المستجدات والقضايا الامنية الناتجة عن التغير المناخي.

ثانيا: إذا كانت الدول ستعمل من أجل مصالها الوطنية في مواجهة آثار التغير المناخي، هل يعنبي أن القواعد والآليات الدولية يجب تركها جانبا أم يجب أن يتسم الفعل الدولي على  أساس التعاون والتقدم.

فمعظم الطرق المؤدية إلى الصراع غير مباشرة ونكمن في أنماط هيكلية وسلوكية:

هناك ثلاث أنماط هيكلية تربط بين التغير المناخي والنزاعات المسلحة وهي كالتالي:

  • الإتجاهات المستمرة
  • المتغيرات المتداخلة
  • الحاجة إلى مسببات الصراع

أولا: لا يظهر الصراع إلا بعد فترة متواصلة من أنماط مناخية متباينة، يمكن للناس البقاء على قيد الحياة من خلال تغير المناخ المنحرف قصير المدى من خلال استغلال الموارد المحفوظة، لكن هذه الإستراتجية لها حدود زمنية، فلا يتعلق الأمر بالبقاء على قيد الحياة في ظل هطول أمطار غزيرة أو شتاء قاس، بل تتعلق بتراكم العديد من الأحداث، فمع تراكم هذه الأحداث على مدى سنوات عديدة أو حنى عقود تيدأ الثروة المتراكمة في التناقص ثم تتفاوت في تهاية المطاف، فبدون تجديد ثروة المجتمع تتدهور صحة الإنسان ورفاهه، وبمرور الوقت، قد ينهار المجتمع نفسه، فالمجتمعات التي تتوفر على القليل من المدخرات ستكون أكثر عرضة للآثار السلبية لتغير المناخ، كما أن المجتمعات التي تستغل بيئتتها بشكل كبير  ستكون أقرب إلى احتمالية نشوب صراع من تلك التي لا تفعل ذلك.

ثانيا: لن يتسبب التغير الناخي لوحده في حدوث صراع، ولكن إلى جانب عوامل أخرى، سيسهم فيه ويشكله، ومع تغير المناخ المستمر، ستنخفض الثروة الاجتماعية، وسيضعف النسيج الاجتماعي مع مرور كل عام، وسيصبح أكثر عرضة لتحديات المستقبل، ولا يعني هذا أن المجتمعات غير قادرة على الاستجابة والتكيف لتهيئة الظروف من أجل البقاء، لكن التكيف ليس استراتيجية بقاء خطية، بدلا من ذلك يعد التكيف جزءا من شبكة معقدة من التفاعلات الاجتماعية إلى أن يضحى جزءا من النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كما أن العوامل البيئية ليست العوامل الوحيدة أو حتى المهمة التي التي تؤدي إلى الصراع، إلا أن العوامل الاخرى مثل الفقر وعدم المساواة بين المجموعات والافراد وتوافر الاسلحة والتوتر العرقي والمديونية الخارجية، والمرونة المؤسساتية، وشرعية الدولة وقدرتها واستعدادها للتدخل مهمة بقدر ما، إن لم تكن الاهم.

فالشبكة المعقدة من التغيرات المعقدة لها تأثير  هائل على انتقال تغير  المناخ إلى نزاعات مسلحة، ففي تاريخ البشرية كان تغير المناخ عاملا عزز اختراقات مهمة للتكنولوجيا كما كان سببا في اهيار حضارات في صراعات دموية، حيث يعتبر تغير المناخ عاملا قويا وفعالا في تحديد مصير المجتمعات، وقد يكون في بعض الحالات بمثابة قطعة أساسية لتفسير النزاعات، كما يجادل البعض بأن تأكيدات تغير المناخ كتهديد لحياة البشر هي استقراء بسيط للأطروحات المالتوسية فكلا الاطارين لهما فرق كبير في الديناميكيات.

ثالثا: يمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى خلق ظروف هيكلية للصراع ولكن يلزم إطلاق شرارة الصراع، وقد تضمنت المحفزات تاريخيا عمليات اغتيال أو أحداث طبيعية متطرفة أو أعمال عنف جماعية عشوائية، نظرا لاستمرار الضغوط التي يسببها التغير المناخي بمرور الوقت وبما أنها تختلط مع المتغيرات المتداخلة لانشاء بنية اجتماعية، فلا تزال هناك حاجة لوجود شرارة تكمل الارتباط بالنزاعات، فروندا في التيسعينيات هي أحد الامثلة على الشرارة التي أشعلت نزاع محتدم، إذ تتوفر روندا على عدد كبير من السكان المزارعين الذين يعيشون خلال فترة مناخية مناخية أكثر جفافا بشكل عام مقترنة بتغير واسع النطاق في استخدام الاراضي كما شهدت فترة من التدهور في القدرة الاستيعابية ( الموارد التي يحتاجها الاشخاص مقارنة بالموارد المتاحة) على هذه الخلفية، كان ارثا استعماريا ومجتمعا انقساميا على اسس عرقية بين الهوتو والتوتسي، ففي هذه البيئة الهيكلية كان من الممكن أن تؤدي العديد من الاحداث إلى اندلاع النزاعات.

اندلعت الإبادة الجماعية في روندا بسبب اغتيال رئيس البلاد الذي أسقطت طائرته في ظروف غامضة، فبالنظر إلى استيفاء هذه الشروط الثلاثة ( التناقض الهيكلي بمرور الوقت، والمتغيرات المتداخلة ووجود المحفزات) تنشأ النزاعات مع التغييرات المناخية، ومع ذلك، فإن الطريقة التي تحدث بها النزاعات المسلحة هي مسألة مختلفة.

من الممكن افتراض ثلاث سلوكيات مختلفة يمكن أن تؤدي من تغير المناخ إلى النزاعات المسلحة ( النزاعات المسلحة الدولية والنزاعات المسلحة غير الدولية) الندرة والوفرة وقضايا السيادة.

  • يمكن أن يؤدي تغير المناخ إلى نزاعات بسبب الندرة، لنفترض أن ظروف الجفاف وذوبان الأنهار الجليدية أن يؤدي إلى فقدان الأراضي الصالحة للزراعة، وفرض ضغوط شديدة على الحياة النباتية والحيوانية، والتسبب في تدهور موارد المياه العذبة، إذ ستزداد المنافسة والنزاعات مع تزايد ندرة هذه الموارد، وسيتضح هذا بشكل خاص مع نمو الطلب وتجاوز قدرة المنطقة على التلبية، ويمكن تقسيم الندرة إلى ثلاث أنواع مختلفة:.
  • تتعلق الندرة المادية عادة بالقيود المفروضة على محدودية الموارد المتاحة.
  • تتضمن الندرة الجيوسياسية بتوزيع الموارد المحدودة والمتجددة بين الدول.
  • يدخل ضمن الندرة الإجتماعية واللإقتصادية باختلافات التوزيع داخل الدول.

وأخير يشير الأمن البيئي إلى توافر الموارد المتجددة مثل الأنهار  والغابات حيث يمكن أن يتسبب النظام البيئي الجاف في إخلاء مجموعات سكانية بأكملها من منطقة ما، ومع ذلك يمكن أن يكون النزوح حدثا مطولا أو مفاجئا، فقد دفعت ظروفالجفاف والصحراء الأشخاص والجماعات منذ آلاف السنين إلى الهجرة من المنطقة الداخلية إلى شمال أفريقيا، كما أن الغرتفاعات المتزايدة في مستوى مياه الالبحر  ستقتلع ببطء ملايين الاشخاص من مواطنهم .

يحدد التغير المناخي احتمالية توفر الموارد أو ندرتها بشكل أو بآخر، مما يؤدي إلى تغير الثروة النسبية للأفراد والبلدان، خلال هذه الفترات من التغير  في الفدرة النسبية مدفوعا جزئيا بتغير المناخ، غالبا ما يضحى النزاع أكثر احتمالا، ولذلك فإن الندرة ليست احتمالا مطلقا، بل احتمال نسبي.

  • قد يؤدي تغير المناخ إلى نزاعات بسبب زيادة في الوفرة، مرة اخرى يجب أن يكون هذا مقياسا نسبيا، وليس مقياسا مطلقا، لنفترض أن أحد الموارد أصبح متاحا بشكل أكبر بسببتغير المناخ، على سبيل المثال، قد يسمح ارتفاع درجة حرارة المناطق الشديدة البرودة التي كانت في السابق غير اقتصادية باستخراج الموارد، فمن المحتمل أن تصبح حقول الغاز والنفط في شمال كندا وألسكا وسيبيريا متاحة مع ارتفاع درجة الحرارة، وبالتالي فهي قابلة للحياة من الناحية البيئيةن كما يفتح المجال للمطالبة بهذه الموارد في أماكن لم يقع فيها ترسيم للحدود بشكل واضح.

فأهمية النسبية للموارد تتسارع وتتعمق مع تغير المناخ، حيث قد يؤدي تغير درجات الحرارة إلى إبراز  الفرق بين مناخ مضياف وغير مضياف وبالمثل فتغيير نسبي طفيف في تقلب الموارد قد يؤدي إلى تراكم بمرور الوقت وينتج عنه مستويات اعلى بكثير من النزاعات المسلحة.

  • يفتح التغير المناخي المجال للإنغلاق حول قضايا المصالح الوطنية والسيادة، وعلى سبيل المثال فالممر الشمالي الغربي لكندا يصبح ممرا خال من الجليد في الصيف فاتحا المجال بين اروبا وآسيا.

فقد سبق أن وأعلنت كندا أن بعض الاجزاء هي مياه ذات سيادة بينما تتشيث الولايات المتحدة الامريكية على أنها مياه دولية حيث يؤدي التغير المناخي إلى الكشف عن اليابسة في القارة القطبية أو الجزر البحرية، وكما هو معلوم فإن قيمتها لا تكمن في الصخور التي تبرز على ارتفاع بضع أمتار  فوق المحيط، بدلا من ذلك فقيمتها تكمن في المنطقة الإقتصادية الخالصة حولها كما أنه هناك نقاش حول الصفائح القارية فالدنمارك تطالب بمنطقة شاسعة من القطب المتجمد الشمالي لأنه يقع على نفس الصفيحة القارية لغرينلاند.

وفي نفس السياق يؤدي ارتفاع مستوى مياه البحر  إلى إزاحة الاشخاص ببطء، وبالمثل فالجزر النائية في المحبط الهادئ والمحيط الهندي معرضة للخطر وتشمل هذه الجزر توفالا وكريباتي وجزر المارشال وتونكا والمالديف والعديد من الجزر الأخرى في تحالف الدول الجزرية الغيرة.

فالحكومات احتفظت في السابق بحقوقها السيادية في المنفى دون وجود مادي بعد أن غزت ألمانيا فرنسا وبولندا في الحرب العالمية الثانية، فهل سينطبق هذا المبدأ على الجزر المغمورة بالمياه جراء التغير المناخي.

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً