الرئيسية أقلام مفهوم الدولة

مفهوم الدولة

5 يناير 2022 - 23:07
مشاركة

وُجد الإنسان على وجه الأرض وتنوعت احتياجاته، خلقه الله على الفطرة، والحرية المطلقة والرغبة الجامحة، ولكن مقابل ذلك كانت مخاطر الحياة له بالمرصاد، فالحيوانات البرية والظواهر الطبيعية كانت دائمًا ما تهدد بقاءه، وكان بجانب ذلك ميوله الاجتماعية، مما دفعه للتجمع وتكوين العشائر والأُسر، وتطورت تلك الأُسر والعشائر والجماعات لتستقر وتسكن القرى، ثم تطورت القرى لمدن، وتوسعت لتكوّن الأقاليم، واتحدت الأقاليم لتكوّن الدول، وبظهور الدول المختلفة متعددة الموارد والمطامع؛ ظهرت السياسة وظهر الاقتصاد.

حيث أن الدولة عبارة عن مجموعة من الأفراد، الذين يمارسون جميع نشاطاتهم البشريّة، مثل النشاطات السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، على إقليم جغرافي محدد، وفق نظام سياسي معيّن، ومتفق عليه، وتعتبر الدولة من أهم مكوّنات السياسة بعد الإنسان، وينقسم العالم إلى مجموعة كبيرة من الدول، التي تختلف في أنظمتها السياسيّة.كما أنّها عبارة عن كيان سياسي منظم، ومكوّن من مجموعة من الأفراد المقيمين على إقليم معيّن بصفة دائمة، تحت ظل حكومة مستقلة، وذات سيادة على إقليمها، قادرة على ضمان طاعة كل المقيمين فيها، وغير خاضعة لقوة مباشرة أو سيطرة خارجيّة.

إذ تميزت العصور القديمة والوسطى بغياب مفهوم الدولة ‏‎بشكلها الحالي، حيث انتشرت مسميات مختلفة منها، الإمبراطورية، والسلطنة، والممالك. إلا أن أغلب الممالك التي حكمت في العصور الوسطى في أوروبا حكمت باسم الدين، كفرنسا على سبيل المثال، وكان لسلطة الكنيسة أثر سلبي في التحكم بالدولة وسياستها، وإمكانها في عزل الملوك والأمراء عن طريق سحب الثقة منهم وفصلهم من الكنيسة، ما يعني إفتقادهم لثقة وطاعة الشعب الذي يثق بالكنيسة لما كانوا يروا من أنَّها تطبيق لإرادة الرب، فانتشرت الحروب الدينية لمدة ثلاثين عاماً وانتهت في عام 1648 بتوقيع اتفاقية وستفاليا في أوروبا؛ واضعة حداً للحرب الدينية وسلطة الكنيسة على الحكم؛ بإنشاء نظام جديد للدول في أوروبا عرف فيما بعد باسم الدولة الحديثة وتَعَمَّمَ في أنحاء العالم فيما بعد. ‏‎وتعتبر الدولة منذ نشأتها الحديثة في أعقاب مؤتمر وستفاليا، إحدى حقائق الحياة السياسية المعاصرة التي رسخت تدريجيَّاً حتى أصبحت تشكل اللبنة الأولى في بنية النظام الدولي الراهن. وبالرغم من اعتبار الدولة مؤسسة عالمية ضرورية، إلا أن تعريفها واسع ومتنوع لا يكاد يجمع عليه اثنان، بل ويمكن أن يُقال أَنَّ إيجاد تعريف واحد لمفهوم الدولة هو صراع إيديولوجي بحد ذاته؛ كون التعاريف المختلفة ناتجة عن نظريات مختلفة لوظيفة الدولة، مما يولد استراتيجيات سياسية ونتائج مختلفة، فمصطلح “الدولة” يشير إلى مجموعة من النظريات المختلفة والمترابطة والمتداخلة في كثير من الأحيان، حول مجموعة معينة من الظواهر السياسية. وتعريف الدولة الحديث: ‏‎تعود جذور كلمة الدولة للغة اللاتينية لكلمة Position التي تعني الوقوف، كما ظهر مصطلح الدولة في اللغات الأوروبية في مطلع القرن الخامس عشر، وفي القرن الثامن عشر تطور مصطلح الدولة واستخدم تعبير Publicae اللاتيني والذي يعني الشؤون العامة.

‏‎وللدولة عدة تعريفات وُضِعت من قبل العديد من المؤسسات ولاسيما الأوروبية منها، إلا أن التعريف الأكثر شيوعاً لمفهوم الدولة هو تعريف المفكر الألماني ماكس فيبر – Max Weber إذ عرَّفها بأنها منظمة سياسية إلزامية مع حكومة مركزية تحافظ على الاستخدام الشرعي للقوة في إطار معين الأراضي. ‏‎كما عرَّفت موسوعة لاروس – Larousse الفرنسية الدولة بأنها: “مجموعة من الأفراد الذين يعيشون على أرض محددة ويخضعون لسلطة معينة”. ‏

في حين رأى العديد من فقهاء القانون الدستوري أن الدولة: “كياناً إقليمياً يمتلك السيادة داخل الحدود وخارجها، ويحتكر قوى وأدوات الإكراه”. ‏‎وثمة تعريف آخر مقبول عموماً للدولة هو التعريف الوارد في اتفاقية مونتيفيديو – Montevideo بشأن حقوق وواجبات الدول في عام 1933.

وقد عُرِّفَتْ الدولة بأنها: مساحة من الأرض تمتلك سكان دائمون، إقليم محدد وحكومة قادرة على المحافظة والسيطرة الفعَّالة على أراضيها، وإجراء العلاقات الدولية مع الدول الأخرى. ‏‎وبالرغم من البساطة التي يَتَمَيَّزْ بها تعريف الدولة إلا أن مفهوم الدولة والبحث في تحديد أصل نشأتها واساس السلطة فيها يثير في الواقع عدداً هائلاً من الإشكاليات؛ فالدولة هي حقيقة سياسية؛ لأن المجتمع الدولي يتكون أساساً من وحدات سياسية يحمل كل منها لقب “دولة”، والدولة أيضاً مفهوم قانوني قُصِدَ منها ابتكار أداة ملائمة لتنظيم العلاقة بين وحدات سياسية غير متكافئة في القوة على أساس من العدالة والمساواة. فالعلاقات بين الدول يجب أن تؤسس من وجهة نظر القانون الدولي على مبدأ أو قاعدة المساواة في السيادة. والدولة فوق هذا وذام هي فكرة فلسفية مجردة؛ لأن نشأة المجتمعات السياسية المنظمة ليست معروفة أو مُوَثَّقَة تاريخيَّاً.

وفي غياب هذه المعرفة التاريخية المُوَثَّقَة توجد نظريات أو رؤى أو أفكار ذات طبيعة فلسفية تحاول تفسير نشأة الدولة، أو بعبارة أدق نشأة أهم ركن من أركانها وهو السلطة السياسية المنظمة. والدولة أخيراً هي كائن اجتماعي؛ لأن أحد أهم مقوماتها هو البشر الذين تجمعهم روابط خاصة تجعلهم قادرين على الحياة المشتركة. ‏

حيث لا تقوم الدولة بدون عناصر تكوينها، ولا يمكن أن يطلق مصطلح الدولة على أي كيانٍ فقد أحد هذه المكونات، ولربما برز القائلين بكون السيادة مقومٌ وعنصرٌ من مقومات الدولة وعناصر تكوينها، والرد المناسب في هذه الحال هو أن السيادة أحد واجبات الحكومة التي يجب أن تضمنها وتحققها كوفاءٍ حتميٍ لذلك العقد المذكور، وفي استدراج واستعراض لمقومات الدولة وعناصر تكوينها الأساسيةالمتمثلة في مايلي: ‏

الأرض: أو الإقليم يحق لهذا المكون أن يتربع على عرش مقومات الدولة وعناصر تكوينها، ذلك أن لا دولة دون أرضٍ أبدًا، والدولة نهايةً تقاس بسلطتها على أرضها وسيادتها عليها. ‏

الشعب: أما الشعب فلا يمكن الاستغناء عنه لبناء الدولة، حيث هو المكون الأهم في ظل وجود الأرض أو الإقليم، ولهذا الشعب سمات أو عناصر تربطه ببعضه، مثل: اللغة والدين والعرق وغيرها، ومع أن بعض الدراسات تجعل كلًا من اللغة والدين والعرق أو القومية عناصرًا مستقلةً بذاتها فإن الشعب أشمل منها فهوو المكون والمقوم.

‏‎السلطة: أو الحكومة، وهذه الأخيرة من الأهمية بمكان بحيث هي الطرف الآخر من ذلك العقد المذكور آنفًا مقابل الشعب وهو الطرف الأول، وكما تقدم فإن من وظائف الحكومة فرض السلطة والسيادة على شعبها وأرضها، واكتساب المكانة الرفيعة على مستوى العالم.

حيث يمكن القول أنَّ مفهوم الدولة تطور بتطور البشر عبر العصور وتخبطات وصراعات التي يعيشها العالم ؛ بهدف الوصول إلى أفضل صيغة ممكنة لشكل الدولة والحكم؛ لتكون قادرة على تلبية طموحات الشعب، وتنطوي في الوقت نفسه على الآليات والضوابط التي تمَّكن أي حكومة منتخبة من إدارة شؤون الدولة بأعلى قدر من الكفاءة. ✍🏻سمية بومروان المراجع والمصادر:

1- مقدمة ابن خلدون

2- قصة الحضارة

3- نشأة الدين – فراس السواح

4- أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ – خزعل الماجدي

5- الأساس في العلوم السياسية – قحطان الحمداني 6- موسوعة علم السياسة – ناظم عبد الواحد الجاسور

7- قاموس ومعجم المعاني

8-الدكتور حنا عيسى (28-4-2014)، “مقومات الدولة القانونية”، دنيا الوطن، اطّلع عليه بتاريخ 3-1-2018،صفحة 2-3، بتصرّف.

9-عبدالصمد سعدون الشمري (2012)، النظرية السياسية الحديثة (الطبعة الأولى)، عمّان: دار ومكتبة الحامد للنشر والتوزيع، صفحة 187-188. بتصرّف.

10-الدكتورة حنان محمد القيسي (2015)، النظرية العامة في القانون الدستوري (الطبعة الأولى)، القاهرة: المركز القومي للإصدارات القانونية، صفحة 22-24-25. بتصرّف. ‏

أ.د حسن نافعة، مبادئ علم السياسة، جامعة القاهرة، ‏‎كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية ‏‎

د. هادي الشيب، د. رضوان يحيى، مقدمة في عل السياسة والعلاقات الدولية، إصدار المركز الديمقراطي العربي، طبعة 2017.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً