الرئيسية قضاء كلمة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة افتتاح الدورة التكوينية حول;تعزيز قدرات السادة القضاة في مجال مكافحة جريمة غسل الأموال

كلمة السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة افتتاح الدورة التكوينية حول;تعزيز قدرات السادة القضاة في مجال مكافحة جريمة غسل الأموال

29 نوفمبر 2021 - 17:05
مشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه

يبعث فينا لقاؤكم دائماً مشاعر صادقة من الغبطة والحبور، لإحساسنا بعمق روح التعاون بين السلطات والمؤسسات في خدمة قضايا العدالة.
ولا نملك إلا أن نتوجه إليكم بالشكر والترحيب على تشريفكم لنا بالمشاركة والحضور في أشغال هذه الدورة التكوينية المتخصصة حول تعزيز قدرات القضاة في مجال مكافحة جريمة غسل الأموال، التي ينظمها المجلس الأعلى للسلطة القضائية بشراكة مع رئاسة النيابة العامة وبتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
وقد لا أجد أحسن من هذه المناسبة، كفرصة سانحة لنهنئ بلادنا من أجل تنصيب اللجنة الوطنية لمعالجة المعلومات المالية لرئاسة مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سنة 2022. وذلك خلال اجتماعها الثالث والثلاثين، الذي انعقد يومي 16 و17 نونبرالجاري بالقاهرة.
ولا شك أن هذا التتويج المستحق إنما يعكس حجم الثقة والتثمين الدوليين للمجهود الجماعي المبذول من طرف مختلف السلطات والمؤسسات المغربية، للرفع من درجات الملاءمة الممنوحة للمغرب من طرف الهيئات الدولية المعنية. والتي كان من ثمارها حصول بلادنا في أبريـل 2019 على درجة “أساسي” ، بالنسبة للنتيجة المباشرة المتعلقة بمكافحة الإرهاب وتمويله. اعترافا من المنتظم الدولي بنجاعة وفعالية التجربة المغربية في هذا الباب. فضلا عن إقتناع الخبراء المُقَيِّمين، وكذا الأعضاء الملاحظين بمجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بضرورة تحسين درجات الملاءمة التقنية الممنوحة للمغرب. بمناسبة اعتماد التقرير المغربي الثاني المتعلق بالتقييم المتبادل للمنظومة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في الاجتماع العام لمجموعة العمل المالي المنعقد بعمان الأردن خلال شهر أبريل 2019.
والأكيد أن جهود المؤسسات الوطنية تتواصل في هدي السياسة الملكية الرشيدة، وتنفيذاً لبرامج التنمية الشاملة والحكامة المستنيرة وبناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية، التي يسهر جلالة الملك على تعميمها وترسيخها.

حضرات السيدات والسادة؛
إن التأسيس لثقافة مكافحة غسل الأموال في بلدنا يتم وفق مقاربة تشاركية وتراكمية تنم عن دينامية حيوية تستجيب للمتطلبات الدولية مع مراعاة الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية والقانونية لبلادنا. ولعل هذه الرؤية التدريجية المتبصرة والمتفاعلة مع توصيات فريق العمل المالي، هي التي شكلت خلفية لمختلف التعديلات القانونية الموضوعية والشكلية التي أدخلت على قوانين مكافحة غسيل الأموال.
واضطلاعا من المجلس الأعلى للسلطة القضائية بدوره كعضو في المنظومة الوطنية لتنزيل خطة العمل المتفق عليها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتفعيلا لاختصاصاته الدستورية في صيانة الأمن القانوني وتحقيق النجاعة القضائية، فقد نظم دورات تكوينية حول غسل الأموال وشارك في أخرى.
وفي هذا السياق، فإن ملاءمة التشريع المغربي مع توصيات مجموعة العمل المالي والمعايير الدولية المنظمة لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، عبر إدخال تعديلات على مقتضيات القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، بموجب القانون رقم 12.18 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 8 يونيو 2021، يشكل مناسبة سانحة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية للاضطلاع بدوره التأطيري والتكويني للقضاة المعنيين بتطبيق هذا القانون. لاسيما بعدما تم توسيع دائرة الاختصاص المحلي للمتابعة والتحقيق والمحاكمة عن جرائم غسل الأموال، لتشمل إلى جانب المحكمة الابتدائية بالرباط، كلاًّ من محاكم الدار البيضاء ومراكش وفاس. وهو ما سيؤدي بلا شك إلى مزيد من النجاعة الأمنية والقضائية في مكافحة أشكال غسل الأموال، وحماية الاقتصاد الوطني والحفاظ على نظافة الدورة الاقتصادية للمملكة.
وتأتي هذه الدورة التكوينية لأجل تجديد معارف القضاة المكلفين بقضايا غسل الأموال من جهة. وكذلك لدعم قدرات قضاة آخرين كُلِّفوا بالمحاكم التي استُحدِث بها هذا الاختصاص، للنظر في قضايا غسل الأموال. والذين سيشرعُون ابتداء من فاتح يناير 2022 في مباشرة الاضطلاع بتلك القضايا. وذلك في المحكمة الابتدائية بمراكش بالنسبة لدوائر نفوذ محاكم الاستئناف بكل من مراكش وآسفي وورزازات وأكادير وكلميم والعيون. وبالمحكمة الابتدائية بفاس، بالنسبة لدوائر نفوذ محاكم الاستئناف بكل من فاس ومكناس والرشيدية وتازة والحسيمة والناضور ووجدة. وبالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بالنسبة لدوائر نفوذ محاكم الاستئناف بالدار البيضاء وسطات والجديدة وخريبكة وبني ملال. في حين سيصبح اختصاص المحكمة الابتدائية بالرباط – المختصة وطنياً في الوقت الراهن – مقتصراً على دوائر نفوذ محاكم الاستئناف بالرباط والقنيطرة وطنجة وتطوان.
كما أنه ينتظر أن تَبصُم هذه الدورة، من خلال ورقتها التحضيرية ومحاورها التأطيرية ومداخلاتها العلمية ومشارب مؤطريها وخبرائها وتجربتهم العملية، على حقيقة يحق لنا جميعاً أن نفخر بها، وهي مستوى الإرادة المسؤولة والنضج الفكري الذي وصل إليه التنسيق بين مختلف الفاعلين في المنظومة الوطنية لتنزيل خطة العمل الشاملة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

حضرات السيدات والسادة؛
لئن كان الوعي الجماعي لا يحتاج للتذكير بمخاطر غسل الأموال على الاقتصادات، ولاسيما الناشئة منها، فإن التذكير ببعض الأرقام يفرض نفسه، بالنظر لمبالغ الأموال غير النظيفة التي تكتسح الاقتصاد العالمي. بحيث تُقدَّر عمليات غَسل الأموال بما يقارب 2200 مليار دولار، أي ما يعادل نسبة 3% من الناتج الخام الدولي (المقدر حوالي 85000 مليار دولار). وإن خطورة هذا الرقم تصبح أكثر دلالة إذا عرفنا أنها تقترب من الناتج الداخلي الخام لاقتصادات دول كبرى كالمملكة المتحدة (2828 مليار دولار) وفرنسا (2775 مليار دولار) والهند (20716 مليار دولار). وتتجاوز الناتج الداخلي الخام لاقتصادات كبرى أخرى كإيطاليا (2072 مليار دولار) والبرازيل (1868 مليار دولار)، كندا (1711 مليار دولار)، روسيا (1619 مليار دولار) وكوريا الجنوبية (1425 مليار دولار). كما أن رقم المعاملات العالمي عن طريق غسل الأموال (2200 مليار دولار) يعادل معدل الناتج الداخلي الفردي لحوالي 200 مليون فرد من سكان العالم. وهو ما يكفي للقضاء على المجاعة بالعالم والتي يعاني منها حوالي 800 مليون شخص، يُتَوفى من بينهم 25000 شخص يومياً بسبب الجوع. بحيث إن اقتسامه بينهم يؤدي إلى حصول لكل واحد بين 800 مليون فقير على 230 دولاراً شهرياً، أي ثماني دولارات يوميا لكل فرد، وهو ما يكفي لمنع الموت بسبب الجوع.
وبذلك تظهر أهمية مكافحة غسل الأموال في العالم. ويتجلى كذلك سبب حرص السلطات المغربية على حماية الاقتصاد الوطني، ومنع اختراقه بعائدات الأنشطة الإجرامية وتداعيات ذلك على سمعة وشفافية ومصداقية المؤسسات الرسمية لدى الهيئات المالية الدولية . ويتجلى هذا الحرص الوطني من خلال تبني المملكة لعدة تدابير إجرائية في مستويات متعددة تشريعية وتنظيمية وقضائية؛
وستتيح هذه الدورة التكوينية فرصة التعريف الشمولي بهذه التدابير ولاسميا :
تشريعياً : بالوقوف على القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية المؤطرة لجريمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتعديلات التي أدخلت عليها في سياق الاستجابة للمعاير الدولية المستجدة؛
وتنظيمياً : باستحضار مختلف المؤسسات المتدخلة في مراقبة الهيئات الخاضعة، وتلقي التصاريح بالاشتباه وتحليل معطياتها وإعطائها المآل المناسب؛
وقضائياً: باستعراض تقنيات الأبحاث والتحريات وخصوصيات التحقيقات والمحاكمات، على ضوء ما تراكم من ممارسات قضائية، ممتدة لأكثر من عقد في تطبيق المقتضيات القانونية الموضوعية والإجرائية على الوقائع الجرمية المشكلة لغسل الأموال.

إن مرور أزيد من عشر سنوات على تطبيق قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتقسيم الاختصاص القضائي الوطني بين أربع محاكم، يشكل هو الآخر مناسبة لتبادل الرؤى بين الممارسين والخبراء الوطنيين والدوليين، حول مختلف الجوانب التشريعية والتنظيمية والقضائية ذات الصلة.
ولعل إشكاليات من قبيل مدى الاستقلالية أو التبعية بين الجريمة الأصلية وجريمة غسل الأموال، والتمييز بين مؤشرات الاشتباه المعتمدة في التحري والبحت، وعند الاقتضاء المتابعة. وحدود السلطة التقديرية لقاضي الموضوع في تقييم وسائل الإثبات. والاعتداد بالفعل الجرمي الأصلي حتى ولو ارتكب خارج الحدود، وحجية الأحكام الأجنبية أمام القضاء الوطني، وغيرها من المواضيع القانونية والعملية، لجديرة بأن تقام حولها الدورات التكوينية بما يُسهم في تبادل المعارف والآراء، وتعميق الفهم وتوحيده، بما يخدم العدالة والأمن القانوني. وهو رهان أساسي من رهانات هذه الدورة التكوينية التي ستكون فاتحة دورات تكوينية ولقاءات علمية أخرى حول جرائم الفساد المالي بصفة عامة.
ولعل التوصيات والمقترحات التي ستتوصلون لها ستكون لامحالة، مصدر إلهام للاجتهاد القضائي، وربما للمشرع. ومن جهتنا، فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية سيعمل على تتبع مخرجات هذه الدورات التكوينية وتفعيل توصياتها، قصد الرفع من النجاعة القضائية في مجال مكافحة جرائم غسل الأموال. باستحضار التوجيهات الملكية السامية المضمنة في الخطاب الموجه إلى القمة ال 31 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الافريقي المنعقدة بنواكشوط، حين نبه جلالته نصره الله إلى خطورة الفساد، الذي يساهم في الانحراف بقواعد الممارسة الديمقراطية، وفي تقويض سيادة الحق والقانون. كما يؤدي إلى تردي جودة العيش، وتفشي الجريمة المنظَّمة، وانعدام الأمن والإرهاب.

ولا يفوتني في الأخير أن أجدد لكم الشكر على تشريفكم لنا بالحضور لفعاليات الدورة التكوينية. كما أتوجه بالتنويه والتقدير لكل من ساهم في إعدادها، وتهيئ أسباب نجاحها، وتوفير الظروف المناسبة للمشاركين فيها.

مرحبا بكم مرة أخرى وشكرا على حسن إصغائكم.

والسلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً