الرئيسية مختارات الخروج القضائي عن التوجه التشريعي وسؤال الأمن القضائي؟ قواعد الإحالة على المحكمة الإدارية للاختصاص نموذجا

الخروج القضائي عن التوجه التشريعي وسؤال الأمن القضائي؟ قواعد الإحالة على المحكمة الإدارية للاختصاص نموذجا

الخروج القضائي عن التوجه التشريعي وسؤال الأمن القضائي؟ "قواعد الإحالة على المحكمة الإدارية
28 أغسطس 2021 - 18:24
مشاركة

المعلومة القانونية

*الأستــــــاذ فخـــــصــي مــــعاذ

  • الكاتب الأول لندوة التمرين هيئة المحامين بالدار البيضاء.
  • طالب باحث بسلك الدكتوراه كلية الحقوق بالدار البيضاء.

مقدمــــــــــة

كثيــــرة هي المظاهر التي اختلت فيها المبادئ القانونية، و اضـــطربت من خلالها النــــصوص،        وضاعت فيها الحقوق، وذلك بسبب نص غامض أو معيب، أو توجه قضائي قد يختلف من محكمة لأخرى، كما قد يختلف بين محكمة النقض غرفا أو أزمنة.

إن هذه المظاهر بغض النظر عن سلبياتها العملية، فإنها تضرب ضربا بمبدأي الأمنيين القانوني والقضائي، واللذان يعتبران مقياس السير المتقن للمساطر القضائية والوضع الصحيح للنصوص القانونية في أي دولة كيفما كانت، إذ تبقى الغاية الأساس من كل ذلك هي الوصول إلى الحق ونــــصرته، و اطمئنان المتقاضــي و سلامته.

و إذا كانت القواعد القانونية تنقسم إلى قواعد موضوعية وأخرى مسطرية -كتقنية تشريعية أصبح ينهجها المشرع في نصوصه-[1]، فإن اضطراب قواعد الشكل والمسطرة يبقى مردودا وغير مستساغ، ذلك أن المسطرة هي الوسيلة الأساس للوصول إلى الحق الموضوعي، لذلك كان من اللازم أن توضع قواعد المسطرة بوضوح ويسر و تقنية، لا تشوبها شائبة و لا يختلف فيها اثنان.

و من أبرز مظاهر اضطراب الأمنين القانوني والقضائي في الجانب المسطري، قواعد الإحالة للاختصاص من المحاكم الابتدائيــــة إلى المحـــــــاكم الإداريـــــــــة وإشكالاتها، والنصوص القانونية اللازمة التطبيق فيها، إضافة إلى التوجهات الغريبة أحيانا لبعض الهيئات القضائية المفعلة لها.

و من تم يطرح الإشكال الآتي:

 ” إلى أي حد استطاع المشرع المحافظة على الأمنييـــن القانوني والقضائي في ضوء قواعد الإحالة للاختصاص على المحاكم الإدارية ؟ ”

 

وتنبثق عن هذه الإشكالية المحورية مجموعة من التساؤلات الفرعية نذكر منها :

  • ما هو أساس قواعد الإحالة للاختصاص على المحاكم الإدارية؟
  • أي نص سيطبق على هذه القواعد؟
  • ما هي أوجه التضارب بين ق.م.م و القانون المحدث للمحاكم الإدارية؟
  • ما هي أبرز التوجهات القضائية في هذا الباب؟

أسئلة وأخرى سنحاول الجواب عليها في هذا البحث معتمدين خطة عمل على النحو التالي:

  • المحور الأول: دراسة تحليلية للقواعد القانونية الخاصة بالإحالة للاختصاص على المحاكم الإدارية.
  • المحور الثاني: التوجه القضائي الشاذ في قواعد الإحالة للاختصاص على المحاكم الإدارية.
  • المحور الثالث: تصحيح التوجه القضائي في ظل مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية.

المحور الأول: دراسة تحليلية للقواعد القانونية الخاصة بالإحالة للاختصاص على المحاكم الإدارية.

إن أهم الأسس القانونية التي تؤطر مسألة الإحالة للاختصاص تتمثل أولا في قانون المسطرة المدنية بوصفه الشريعة الإجرائية العامة الذي أطر تلك القواعد، وذلك في الفصل 16 و 17 منه.

أما النص الخاص فيبقى هو القانون المحدث للمحاكم الإدارية وخاصة المادة 12 و 13 منه.

فبماذا جاءت هذه النصوص من مقتضيات؟

1- قانون المسطرة المدنية:

إذا كان ظهير الالتزامات والعقود هو الشريعـــــة العامــــة لكل القوانين الموضوعية[2]، فإن قانون المسطرة المدنية بسبب قدمه من جهة، وتنظيم مجموعة من النصوص اللاحقة الخاصة بقواعد المسطرة من جهة أخرى، يمكن اعتباره الشريعة الإجرائية العامة لكل النصوص الإجرائية، إذ في غياب نص خاص يؤطر مقتضى مسطري معين أو عند وجود لبس أو غموض في مسألة مسطرية، يجب أن يرجع إلى هذا القانون كملجأ لإيجاد الحل.

وتعتبر نقطة الإحالة للاختصاص من القواعد المسطرية التي نظمها قانون المسطرة المدنية، حيث أسس المشرع لذلك في المادة 16 منه والتي جاء فيها :

“يجب على الأطراف الدفع بعدم الاختصاص النوعي أو المكاني قبل كل دفع أو دفاع. لا يمكن إثارة هذا الدفع في طور الاستئناف إلا بالنسبة للأحكام الغيابية. يجب على من يثير الدفع أن يبين المحكمة التي ترفع إليها القضية وإلا كان الطلب غير مقبول. إذا قبل الدفع رفع الملف إلى المحكمة المختصة التي تكون الإحالة عليها بقوة القانون وبدون صائر. يمكن الحكم بعدم الاختصاص النوعي تلقائيا من لدن قاضي الدرجة الأولى.”

وبذلك أعطى المشــــــرع صلاحية الدفع بعدم الاختصــــاص النوعي أو المكاني وأطره بمجموعة من الضوابط أبرزها:

  • أن يتم هذا الدفع قبل كل دفع أو دفاع، و هو ما يميز الدفع بعدم الاختصاص عن الدفوع الكلية في المادة المدنية، إذ أن وقت إثارته يبقى من النظام العام وينتج عن ذلك ضياع الحق في التمسك به في حالة ما إذا أغفل إثارته قبل كل الدفوع الأخرى، سواء أكانت دفوعا شكلية أو دفوعا بعدم القبول أو دفوعا موضوعية.
  • يمنع إثارة هذا الدفع في المرحلة الاستئنافية، وهو تحصيل حاصل للنقطة السابقة، اللهم إن تعلق الأمر بحكم غيابي لم يشارك فيه المتعرض.
  • ضرورة توضيح المثير والمتمسك بالدفع بعدم الاختصاص للمحكمة التي يدعي الاختصاص لها تحت طائلة عدم قبول الدفع.
  • في حالة قبول الدفع فإن الملف يرفع إلى المحكمة المختصة التي يحال عليها بقوة القانون بعد صيرورة الحكم نهائيا وبدون صائر.
  • تبت المحكمة في الدفع بعدم الاختصاص بحكم مستقل أو تؤخر البت فيه إلى غاية الحكم في الجوهر.

غير أنه إن كانت هذه المقتضيات صالحة للتفعيل أمام المحاكم الابتدائية العادية، فإن الأمر يختلف في بعض الجزئيات بخصوص إثارة هذا الدفع أمام المحاكم الإدارية أو أمام المحاكم الابتدائية بخصوص دفوع الإحالة على المحاكم الإدارية.

2- القانون المحدث للمحاكم الإدارية

إن الأساس القانوني الذي ينظم الدفع بعدم الاختصاص الذي يثار لصالح المحكمة الإدارية أمام المحكمة الابتدائية أو أمام المحكمة الإدارية مباشرة تؤطره المـــواد 12 و 13 و 14 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، غير أن المتصفح لهذه المواد يستشف أنها تحيل مباشرة إلى الفصل 16 و17 من قانون المسطرة المدنية، إضافة إلى المادة 7 من نفس القانون التي تحيل صراحة على تطبيق ق.م.م في ما لم يصدر بشأنه نص خاص، مما يستشف معه بأن قواعد الاختصاص هذه تخضع لنفس القواعد السالفة البيان باستثناء بعض النقط الاستثنائية المتمثلة في ما يلي:

  • أن البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي من طرف المحكمة والحالة هذه يجب أن يتم بحكم مستقل و لا يمكنها أن تضم الدفع هذا إلى الجوهر، عكس ما نصت عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 16 من ق.م.م الذي تعطي للمحكمة صلاحية ضم الدفع إلى الجوهر.

تجدر الإشارة بخصوص هذا النقطة أن النــــــص وإن كان واضحا في صياغتــــــه ومفهومه، فإن هناك بعض الأحكام والقرارات القضائية التي أعطت إمكانية ضم هذا الدفع إلى الجوهر ولو تعلق الأمر بدفع للاختصاص الإداري كلما كانت طبيعة الاختصاص واضحة من جهة، وأن المشرع من جهة أخرى لم يرتب أي جزاء على مخالفة هذه القاعدة.

ونذكر من ذلك ما جاء في قرار للمجلس الأعلى بتاريخ 16/03/2005 :

” إن المادة 13 من القانون رقم 41.90 المحدث للمحاكم الإدارية و إن نص على أن الدفع بعدم الاختصاص النوعي إذا أثير أمام جهة قضائية عادية أو إدارية وجب عليها أن تبت فيه بحكم مستقل، فإنه لم يرتب أي جزاء على عدم مراعاة ذلك مما تكون معه الوسيلة المعتمدة غير جديرة بالاعتبار”.[3]

كما جاء في قرار آخر للمجلس الأعلى بتاريخ 12/07/2006 ما يلي :

لا يكون الاحتجاج عن طريق الاستئناف بخرق المادة 13 من قانون 41.90 بضمّ الدفع بعدم الاختصاص النوعي للموضوع جدوى متى ثبت الاختصاص فعلا للمحكمة الإدارية “.[4]

و جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 25/03/2010 في نفس الاتجاه ما يلي :

لا يُعتدّ بالنعي على الحكم القطعي المطعون فيه بخرق المادة 13 من القانون رقم 41.90 بإحداث محاكم إدارية التي توجب البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي بحكم مستقل، ما دام قد تحقق القصد من هذا المقتضى بإصدار المحكمة حكما صرحت فيه باختصاصها و قضت في نفس الوقت في الجوهر”.[5]

كما جاء في قرار للمجلس الأعلى صادر بتاريخ 24/05/2006، جوابا على الوسيلة المرتكزة على خرق المادة 13 من قانون 41.90 بضمّ الدفع بعدم الاختصاص إلى الجوهر، ما يلي :

“……………. و عليه، فإن المحكمة الابتدائية كانت على صواب لما صرحت باختصاصها للبت في الطلب الشيء الذي تنعدم معه الجدوى من مناقشة الفصل 13 من قانون 41.90 المحتج بخرقه“.[6]

ورأينا في ذلك أن دور القضاء يبقى هو تطبيق النص القانوني وتفعيله لا التشريع لنص قانوني جديد، خاصة عنــــدما يتعلــــق الأمر بنص واضح الصياغة و المفهوم.

  • أن الطعن في الحكم بعدم الاختصاص هذا يخضع لمقتضيات خاصة أطرتها الفقرة الثانية من المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، فيقبل الحكم هذا الطعن فيه بالاستئناف مستقلا أمام محكمة النقض كمرجع استئنافي لا كمحكمة قانون، وتبت هذه الأخيرة في الطعن داخل أجل 30 يوما من تاريخ وضع مقال الطعن.

يستنتج إذن، و بعد سرد أبرز الأحكام المؤطرة لقواعد الدفع بعدم الاختصاص أمام المحكمة الإدارية أو لصالحـــــــها أن هذا الدفع يخضع بشــــأن وقـــــــت إثارته و الطعن فيه للقواعد الخاصة المنصوص عليها في القانون المحدث للمحاكم الإدارية، ليخضــع في باقي أحكامـــه الأخـــــرى و خاصة قواعد الإحالة لقانون المسطرة المدنية.

الشيء الذي يدفعنا للتساؤل عن توجه المحاكم الإدارية في ذلك.

المحور الثاني: التوجه القضائي الشاذ في قواعد الإحالة للاختصاص على المحاكم الإدارية.

خلف التوجه القضائي لبعض المحاكم الإدارية بخصوص مسألة الإحالة للاختصاص جدلا كبيرا بين الممارسين، إذ أن هذه المحاكم اتخذت توجها قضائيا شاذا عللته في معظم أحكامها بقواعد المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، هذه المادة التي إن أثارت مجموعة من الإشكالات في صياغتها، إلا أنه بخصوص مسألة الإحالة ظلت ساكتة عنها، سامحة بتطبيق قواعد الإحالة المنصوص عليها في ق.م.م.

و يتمثل هذا التوجه المذكور في أن المحاكم الإدارية تشترط في الإحالة عليها أن تكون من محكمة النقض بوصفها مرجعا استئنافيا، أما إذا لم يطعن الطرف صاحب المصلحة في الاختصاص وأحيل الملف بكامله عليها من المحكمة الابتدائية، فإنها لا تقبل هذه الإحالة، فتُعيِن الملف بجلسة بدون استدعاء الأطراف، وتحكم بإرجاع الملف إلى المحكمة المحيلة، ليبقى للطرف صاحب المصلحة آن ذاك صلاحيـــــة سحب الوثــــائق الأصليـــــة من المحكمة الابتدائية والتقدم بمقال جديد أمام المحكمة الإدارية للمطالبة بحقه.

و نمثل لهذا التوجه بنازلة عملية تقدم من خلالها المدعي بمقال أمام المحكمة الابتدائية المدنية بالدار البيضاء طالب من خلالها بأداء تعويضات ناتجة عن أخطاء ارتكبتــــها المدعى عليــــها، والتي سببت للمدعي مجموعة من الأضرار، إلا أن المدعى عليها دفعت بعدم الاختصاص النوعي للمحكمة الابتدائية المدنية للبت في النزاع، بحكم أن الأشغال التي كانت تنجزها – موضوع الخطأ- والتي ترتب عنها الحادث المتسبب في الضرر كانت بمناسبة القيام بأشغال عمومية لمرفق عام فُوض لها من طرف الجماعة الحضرية، ليبقى الاختصاص الأصيل للبت في النزاع للمحكمة الإدارية عوض المحكمة الابتدائية المدنية.

و هو ما استجابت له المحكمة الابتدائية المدنية، لتقضي بعدم اختصاصها في النزاع، وبإحالة الملف كاملا على المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بدون صائر بعد صيرورة الحكم نهائيا، فجاء في الحكم ما يلي: “ و حيث إن المدعى عليها و إن كانت فعلا شركة مساهمة إلا أنها تتوفر على حق امتياز مرفق عمومي وتقوم بمهام مفوض لها بها صراحة من طرف الجماعة الحضرية للدار البيضاء التي حلت محلها في تسيير المرفق العام المتعلق بالماء و الكهرباء و الصرف الصحي.

و حيث إن الأضرار التي يطلب عنها المدعي التعويض يؤسسها على نشاط الشركة أثناء قيامها بمهام تسيير المرفق العام مما يدخل في خانة نشاطات شخص من أشخاص القانون العام باعتباره يدبر مرفقا عاما يتمثل في وضع وتمرير قنوات الصرف الصحي، مما يجعل المحكمة الإدارية هي المختصة للبت في الطلب أعلاه طبقا لمقتضيات الفقرة الأولى من المادة 8 من القانون رقم 41.90 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية …… و حيث إن المادة 12 من نفس القانون نصت على أن القواعد المتعلقة بالاختصاص النوعي تعتـــبر من قبيل النظــــام العـــــام و للأطراف أن يدفعوا بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل إجراءات الدعوى و على الجهة القضائية المعروضة عليها القضية أن تثيره تلقائيا.

و حيث إنه اعتمادا على مقتضيات المادتين أعلاه، فإنه يتعين التصريح بعدم الاختصاص النوعي لهذه المحكمة للبت في الطلب و إحالة الملف على المحكمة الادارية للاختصاص طبقا لمقتضيات الفصل 16 من ق.م.م.

و حيث يتعين إحالة الملف على المحكمة المختصة بدون صائر و بعد صيرورة الحكم نهائيا.”[7]

يلاحظ إذن، أن الحكم المذكور قد طبق مقتضيات المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية في شق منه، وذلك بإصداره لحكم مستقل يخص الدفع لصالح المحكمة الإدارية، كما طبق قواعد الفصل 16 من ق.م.م في الشق الثاني، وذلك بخصوص الإحالة على المحكمة الإدارية بعد صيرورة الحكم نهائيا.

وبعد صدور الحكم بالنتيجة والتعليل السالف البيان، وبعد اقتناع المدعي باختصاص المحكمة الإدارية، وبعد مرور أجل الطعن في الحكم القاضي بعدم الاختصاص وحصول المدعي على  شهادة بعدم الطعن التي أصبح معها الحكم نهائيا حائزا لقوة الشيء المقضي به، وتطبيقا للحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية، تمت إحالة الملف على المحكمة الإدارية.

إلا أنه بعد الإحالة على المحكمة الإدارية عِين ملف القضية بجلسة بدون استدعاء الأطراف، لتصدر المحكمة الإدارية حكما قضى بإرجاع الملف إلى المحكمة الابتدائية المدنية وبسحب صاحب المصلحة للوثائق و وضع مقال جديد أمام المحكمة الإدارية إن هو أراد الاستمرار في دعواه، فجاء في حكمها ما يلي: ” لكن حيث إن الدفع بعد الاختصاص النوعي الذي يثار أمام المحكمة العادية سواء كانت ابتدائية أو استئنافية تنظمه مقتضيات المادة 13 من القانون 41-90 المحدث للمحاكم الإدارية التي تنص على ما يلي: … و حيث إن هذه المقتضيات تعتبر من النظام العام لا يجوز مخالفتها و بالتالي لا يحق لأي محكمة عادية بدرجتيها أن تحيل الملف على المحكمة الإدارية بعد تصريحها بعد اختصاصها النوعي على اعتبار أن المقتضيات الواجبة التطبيق هي مقتضيات المادة 13 المشــــــــار إليها أعلاه وليست مقتضيــــــــات المادة 16 من ق.م.م و ذلك تفاديا لصدور أحكام متناقضة بين المحاكم العادية و الغرفة الإدارية بمحكمة النقض بشأن المحكمة المختصة نوعيا، ومن جهة أخرى فإن المقتضيات السالفة الذكر تساهم بشكل فعال في تسريع البت في القضية على اعتبار أن المشرع قد حدد أجل البت لمحكمة النقض في 30 يوما فقط، كما أن صاحب الشأن ( الذي هو المدعي في نازلة الحال) هو الذي له الحق في سحب وثائق ملفه من المحكمة العادية وتسجيل دعواه من جديد أمام المحكمة الإدارية بمجرد علمه بالحكم القاضي بعدم الاختصاص النوعي….

و حيث إنه أمام كل هذه المعطيات واحتراما للتطبيق السليم للقانون فقد ارتأت المحكمة الأمر بإرجاع الملف برمته إلى المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء قصد سلوك المسطرة القانونية الواجبة الاتباع.” 

و تعليقا على هذا التوجه المحترم نثير الملاحظات الآتية:

  • إن هذا التوجه يرفض أي إحالة من محكمة عادية بدرجتيها على المحكمة الإدارية ويؤسس لذلك على أساس المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية المذكورة، إلا أن المتصفح لهذه المادة يجدها لا تتحدث إطلاقا عن قاعدة الإحالة على المحكمة الإدارية، و لا تمنــــــــع أي إحالة عليها لا صراحة و لا ضمنيا.
  • إذا كانت القاعدة أن الأصل في الأشياء الإباحة فإن نازلة الحال بغض النظر عن خضوعها لهذه القاعدة فإنها تخضع لنص قانوني صريح واضح وهو الفصل 16 من ق.م.م الذي يعطي صلاحية الإحالة الصريحة بقوة القانون.
  • أن ما سيميز القرار الذي ستصدره محكمة النقض هو نهائيته و حيازته لوصف قوة الشيء المقضي به بآثارها القانونية، وهو نفس الوصف والأثر الذي سيحوزه الحكم بعد التنــــــازل عن الطعن بالاستئناف أمام محكمة النقض والحصول على الشهادة بعدم الطعن.
  • أن تعليل المحكمة وإن اقتصر على علل منطقية متمثلة في تجنـــب صدور أحكـــام متناقضـــة، وتجنب تعطيـــل البت في القضية، إلا أن النظر إلى مآل النص ونتائجه لا يكون إلا عند الغموض الواضح الذي يجعل القاضي مجتهدا في تبني وترجيح التوجه الأكثر فائدة.
  • أن المادة 7 من القانون المحتج به كانت واضحة وصريحة في إمكانية تطبيق قانون المسطرة المدنية في ما لم يرد في القانون المحدث للمحاكم الإدارية، وأن مسألة الإحالة من أبرز تطبيقات ذلك، إذ بعدم تطرق المادة 13 لقاعدة الإحالة فإن الرأي السديد يبقى هو الخضوع لمقتضيات الإحالة الواردة في الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية، وهو تماما ما طبقه القاضي الابتدائي في نازلة الحال.

مما يجعل الرأي السديد حسب توجهنا المتواضع هو تطبيق الشريعة الإجرائية العامة وتفعيل قواعد الإحالة المنصوص عليها هناك.

المحور الثالث: تصحيح التوجه القضائي في ظل مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية.

إن ما يدعم ما توجهنا إليه في خلاصتنا تعليقا عن التوجه الشاذ لبعض المحاكم الإدارية بشأن مسألة الاحالة على المحكمة الإدارية للاختصاص، هو تدخل المشرع في ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية، ليوضح التوجه السديد ويأتي بقواعد آمرة واضحة الدلالة يوجب على المحاكم تطبيقها.

و لأهمية النص نسرده كاملا و الذي جاء فيه:

” تثير محكمة أول درجة، ابتدائية كانت أو ابتدائية تجارية أو ابتدائية إدارية أو القسم المتخصص في القضاء التجاري أو القسم المتخصص في القضاء الإداري بالمحكمة الابتدائية، عدم الاختصاص النوعي تلقائيا.

يمكن للأطراف الدفع بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل الدعوى أمام محاكم أول درجة، و أمام الأقسام المتخصصة في القضاء التجاري و الأقسام المتخصصة في القضاء الإداري بالمحاكم الابتدائية.

يجب على المحكمة أو القسم المتخصص في القضاء التجاري أو القسم المتخصص في القضاء الإداري بالمحكمة الابتدائية البت في الدفع بعدم الاختصاص النوعي داخل أجل ثمانية أيام من تاريخ إثارة الدفع بحكم مستقل لا يقبل أي طعن.

إذا قضت المحكمة أو القسم المتخصص في القضاء التجاري أو القسم المتخصص في القضاء الإداري بالمحكمة الابتدائية بعدم الاختصاص النوعي، أحيلت القضية إلى المحكمة المختصة دون مصاريف، و يجب على الجهة القضائية المحال إليها القضية البت فيها.

 

لا يمكن إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي لأول مرة أمام محاكم ثاني درجة إلا بالنسية للأحكام الغيابيــــــة، و في هذه الحالة إذا قضت بإلغاء الحكــــــم و صرحت بعدم الاختصاص النوعي تحيل القضية دون مصاريف إلى المحكمة المختصة داخل أجل أقصاه ثمانية أيام.

لا يمكن إثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي لأول مرة أمام محكمة النقض“.

 يتضح إذن أن المشرع وضح موقفه بخصوص الدفع بعدم الاختصاص النوعي بصفة عامة، ونقطة الإحالة للاختصاص بصفة خاصة، معدلا بذلك مجموعة من المقتضيات التي أثارت مجموعة من الإشكالات، ومنتصرا لما سبق أن توجهنا له سابقا.

إن أهم نقطتين أساسيتين أكدت عليهما المسودة وأعادت النظر في كليهما في ضوء المادة 19 منها هما:

  • أن الحكم البات في عدم الاختصاص لا يقبل أي طعن كان، وبذلك تجاوز المشرع إشكالات الطعن و آجاله والمحكمة التي تنظر فيه …
  • أن المحكمة المحال عليها الملف للاختصاص ملزمة بقوة القانون في البت في النزاع و لا يجوز لها الاجتهاد بالتصريح بعدم اختصاصها أو إرجاع الملف للمحكمة المحيلة بعلة أن الملف أحيل عليها من جهة قضائية عادية.

و بذلك يكون المشرع قد وضح موقفه الحالي بخصوص هذه النقطة في ضوء مسودة مشـــــــروع قانون المسطرة المدنية، والذي إن شابــــــه بعض الغمــــــوض والفراغ في النص الحالي، فإنه كان واضح الدلالة في المسودة.

خاتمـــــــــة:

صفوة القول أن تحقيق الأمن القضائي والقانوني مطمح أساسي يبقـــــى معلق على شرط فاسخ، وقائم على آليات يتوحد معها التوجه وتتضح بها الرؤى، إذ أن اتخاذ توجهات معينة من دون أساس قانوني واضح وبناء على أسس قانونية أخرى بعيدة كل البعد على ما فُسرت به سيضرب ضربا بهاذين المبدأين، خاصة في بعض الحالات التي تكون فيها طبيعة النزاع ليست بالعادية.

إن المشرع إن تنبه لتصحيح هذا التوجه وتوضيح رأيه فيه بنص صريح واضح الدلالة، إلا أن طول إخراج المسودات والمشاريع القانونية يبقى بدعة لا تستقيم، و إشكالا يستلزم حله؛

و بذلك ندعو المشرع إلى الإسراع بإخراج هذا النص ليتم تجاوز هذه التوجهات الاجتهادية التي يعوزها الأساس القانوني الصريح الواضح، أو على الأقل تدخل محكمة النقض لتوضيح التوجه باجتهاد قضائي موحد يتوحد معه التطبيق العملي للمحاكم الإدارية بخصوص مسألة الإحالة على المحاكم الإدارية للاختصاص.

[1] – فخصي معاذ: “الطعون المدنية في ظل مساطر صعوبات المقاولة” رسالة لنيل شهادة الماستر في القانون المدني و التجاري، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق عين الشق الدار البيضاء، السنة الجامعية 2019/2020 ص 1

[2] – مع عدم إغفال أنه  يحتوي كذلك على مجموعة من القواعد المسطرية.

[3] –  مجلة المعيار عدد 35 ص 143 و ما يليها

[4] –  مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 69 ص 180 و ما يليها.

[5] – نشرة قرارات المجلس الأعلى-الغرفة الإدارية-الجزء 6 ص 33 و ما يليها.

[6] – غير منشور

[7] – حكم عدد 1753 بتاريخ 2020-10-20 ملف عدد 2020-1201-955 غير منشور.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً