الرئيسية أقلام القضاء الدستوري بين ديمقراطية القانون والعدالة الدستورية

القضاء الدستوري بين ديمقراطية القانون والعدالة الدستورية

15 يونيو 2021 - 0:30
مشاركة

المعلومة القانونية

*محمد البغدادي

  • باحث في مركز الدكتوراه، تخصص القانون الخاص، كلية الحقوق بطنجة.

من دون شك أن القضاء الدستوري المغربي من حيث تركيبته هو ذو طبيعة سياسية بالدرجة الأولى ويحكمه منطق الأمن القانوني ويحقق الاستقرار السياسي للمملكة المغربية وفق ما تقتضيه الفلسفة الدستورية والأعراف الديمقراطية، كما له خصوصية تميزه عن القضاء العادي أو المتخصص الذي يتعامل مع القانون بشكل مجرد ، كونه له صلة بتنظيم السلطات والحفاظ على توازنها وبالجانب السياسي للدولة وبوضع الأسس والضمانات لحماية الحقوق والحريات الأساسية ويختص بالرقابة على دستورية القوانين باعتباره الحارس الأمين على مبدأ سمو الدستور وتراتبية القوانين وتفسير وتأويل النصوص القانونية والعمل على التطبيق السليم للقوانين، كما أن المشرع المغربي في ضوء مستجدات دستور 2011 أناط إلى القضاء الدستوري المغربي شروط خاصة، حيث يتمتع باستقلالية وإن لم ينص عليها صراحة، إلا أنها جلية تعززها وتؤكدها جملة من التدابير التشريعية منها: أن الدستور الحالي خصص بابا مستقلا للمحكمة الدستورية، وذلك لتمييزها عن  السلطة القضائية الذي خصص لها بابا آخر، ومنها أن القضاء الدستوري ينفرد بكونه يوجد خارج السلطات الثلاث، وذلك من أجل التأكيد على أن هذا القضاء يتمتع باستقلاليته تجاه جميع السلطات،  ودليل ذلك أن قراراته، بموجب الفقرة الأخيرة من الفصل 134 من  الدستور، لا تقبل أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية، وعضوية قضاة المحكمة الدستورية غير قابلة للتجديد، وهؤلاء القضاة يمنع عليهم ممارسة الوظائف العمومية وكل المهن الحرة، وهم ملزمون قانونا بواجب الحياد  الذي يحظر عليهم شغل منصب مسؤول أو قيادي في حزب سياسي أو هيئة ذات طابع سياسي، وملزمون أيضا، بواجب التصريح أمام المجلس الأعلى للحسابات بمجموع النشاطات المهنية للعضو والممتلكات التي يملكها أو يملكها أولاده القاصرون.

وتتويجا لهذا الحياد، يؤدي أعضاء القضاء الدستوري يمينا دستوريا أمام الملك يتضمن الالتزام بالإخلاص والأمانة والنزاهة وكتمان سر المداولات والتصويت كما يتضمن عدم اتخاذ أي موقف علني أو الإفتاء في  أي مسألة تدخل في نطاق الاختصاصات الموكولة للقضاء الدستوري، وإضافة إلى ذلك، فقد جرى العمل بعرف إعمال مبدأ التجريح الذاتي الذي يتيح لكل عضو احتمل الوقوع في مجال تضارب المصالح، أن يعتذر عن مشاركته يف اتخاذ القرار، وعلى من أراد من أعضاءه ممارسة مهام من شأنها التأثير على استقلاليته أنْ يقدم استقالته،ومن أخل بالالتزامات العامة والخاصة المتضمنة في القسم الدستوري أو أصابه ما يحول دون قيامه بمسؤولياته يعفى من مهامه في هذا القضاء، كما يُختار أعضاء المحكمة الدستورية، بموجب الفصل 130 من الدستور، من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة.

وحيث إن المشرع المغربي من جهة، ضمن للمعارضة بموجب الفصل 10 من الدستور، المساهمة في اقتراح المترشحين، وكذا في انتخاب المحكمة الدستورية، ومن جهة أخرى، جعل المحكمة الدستورية تتألف، بموجب الفصل 130 من الدستور، من 12 عضوا، نصفهم يعينهم الملك، والنصف الآخر يُنتخب مناصفة بين مجلسي البرلمان، من بين المترشحين الذين يقدمهم مكتب كل مجلس، وذلك بعد التصويت بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس، وإضافة إلى ذلك، فالقضاء الدستوري قضاء جماعي، فكما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإن المحكمة الدستورية تتألف من اثني عشر عضوا، ومداولاتها لا تكون صحيحة إلا إذا حضرها على  الأقل 9 من أعضاءه 12 ، وتتخذ قراراتها بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين تتألف منهم، هذا فضلا عن أن القضاء الدستوري يشكل بنية تندرج ضمن ديمقراطية القانون التي هي بنية متعددة مكونات وعلى وجه الخصوص بنية النظام السياسي بشكل عام.

وتجدر الإشارة إلى أن القضاء الدستوري لا يصنع ديمقراطية القانون، وإنما هو مساعد في وضعها كما أكد عليه الفقيه الدستوري الإيطالي موركابيلتي الذي يعد من أنشط الخبراء التي أسست في أواخر التسعينيات وتضم خبراء مستقلين في مجال القانون وهي تابعة لمجلس أوروبا، ودورها تقديم المساعدة والمشورة للدول من أجل الانتقال إلى ديمقراطية القانون، حيث أكد هذا الفقيه إذا كان القرن 19 هو قرن لاكتمال البرلمانات، فإن ما طبع نقاش القرن العشرين هي العدالة الدستورية التي هي مرتبطة بتكريس دولة القانون وحماية الحقوق والحريات الأساسية من خلال الانتقال من قضاء في الإجراءات إلى قضاء يحمي المبادئ والقواعد  الناظمة لدولة القانون والحقوق والحريات على اعتبار أن العدالة الدستورية هي مرحلة متقدمة عن القضاء الدستوري، مع العلم أن مفهوم العدالة الدستورية هي نشاط مادي يدل على وظيفة تمارس في شكل قضائي مستقل من قبل هيئات قضائية أو قاضي الدستوري.

ويلاحظ بأن فكرة العدالة الدستورية في المفهوم الحديث تمثل الدستور عاملا حاسما في بناء الدولة ويعني أن سلطة الدولة لا يمكن أن تمارس إلا في إطار قانوني محدد بوضع أحكام قانونية أسمى تشكل أساس وحدود السلطة، كما لا يمكن تحليل أي نص قانوني في غياب بنية حاكمة وناظمة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً