الرئيسية أقلام طبيعة الرقابة على دستورية قوانين المالية

طبيعة الرقابة على دستورية قوانين المالية

28 أبريل 2021 - 16:15
مشاركة

المعلومة القانونية

هدى قشاش

خريجة ماستر العلوم الإدارية والمالية

إطار بوزارة الداخلية .

مقدمة :

تعتبر المالية العمومية  من أهم المواضيع التي يتم مناقشتها من طرف مختلف الدارسين والمفكرين نظرا لما يحمله هذا المجال من خصوصية، لهذا كان لابد من إعمال ألية الرقابة على هذا المجال لمعرفة  مداخيل ومخارج المالية العمومية بالمغرب، تهدف الرقابة على المالية العامة الى المحافظة على الاموال العمومية التي تشكل عماد الدولة وركيزتها، فالدولة لا يمكنها أن تستمر وتستقر بدونها، لذى كان من الضروري العمل بهذه الالية للحفاظ على المال العام من أي تجاوزات قد تصدر من طرف المؤسسات المسؤولة إما على اعدادها او تعديلها او صرفها، تطبيقا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الباب الاول المتعلق بالاحكام العامة  او الفصل الاول من نفس الباب، فالرقابة  تهدف الى منع وقوع الاخطاء والمخالفات إما قبل صرف النفقات أو أثناء  اعداد الميزانية وإما تخص العمليات المالية بعد الصرف، و عموما يمكن لنا أن نختزل الرقابة في نوعين أساسيين رقابة سياسية ورقابة قضائية.ومن خلال ماسبق التطرق إليه يمكننا أن نتسائل ماذا نقصد بكل من الرقابة السياسية والرقابة القضائية ؟ وإلى أي حد يمكن أن تساهم هاته الأنواع من الرقابة من حماية المالية العمومية ؟

أولا : الرقابة السياسية :

تسمى الرقابة سياسية ( le contrôle préventif ) لكونها رقابة تتولاها هيئة دستورية تتكون من أعضاء ينتدبون عن طريق مسطرة التعيين يفترض فيها الإستقلالية عن جميع السلطات التنفيذية و التشريعية والقضائية لكونها تمارس إختصاصات قضائية قبل إصدارالقانون ليكون نافذا . ويصفها الفقه الدستوري بالرقابة الوقائية ، وظيفتها التحقق من مطابقة التشريع للدستور.فهي بذلك رقابة قبلية أو سابقة على إصدار القانون ، بحيث لايكون القانون نافذا إلا بعد إعمال مبدأ الرقابة من طرف المسند إليها ممارسة الإختصاص المذكور عادة ماتتولاه هيئة كالغرفة الدستورية أو المجلس الدستوري أو المحكمة الدستورية وذلك تبعا الأنظمة الدستورية لكل بلد .1

وفي المغرب إضطلعت بتلك الوظيفة في البداية الغرفة الدستورية ( دستور1962) ، ثم المجلس الدستوري ( دستور 1992 و التأكيد عليه في دستور 1996) ليتقرر في دستور 2011 تسمية الهيئة بالمحكمة الدستورية ، وهذا الشكل من الرقابة عادة مايفحص دستورية القوانين والنظر في الطعون الإنتخابية التي تهم الإنتخابات التشريعية الخاصة بمجلس النواب ومجلس المستشارين ، وهي إما رقابة إختيارية أو رقابة وجوبية تسمي بالرقابة الأصلية ، لكن قد يحدث أن تمارس الهيئة المكلفة بالرقابة الدستورية على القوانين رقابة عرضية قد تعنيها بمناسبة النظر في طعن معروض عليها . 2

لقد أثار الدستور المغربي إلى أن القانون يصدر عن البرلمان بالتصويت (طبقا الفقرة الأولى من الفصل 45 من دستور 1996) يقابله الفصل 70 من دستور 2011 كوظيفة تشريعية ، علما أن العملية التشريعية بمقتضى الدستور ، يتقاسمها كل من البرلمان والحكومة .

إن مجال القانون العادي تم تحديده بموجب الفصل (46) ومواد أخرى من دستور 1996 ، يقابله الفصل 71 من دستور 2011 ، في حين أن مجال القوانين التنظيمية يتميز بأنه إختصاص يمارس بناء على مقتضى دستوري صريح ، بحيث لايجوز للبرلمان سن قانون تنظيمي إلا أمام صراحة المشرع الدستوري بقبول هذا القانون، كما أنها تخضع للرقابة الوجوبية القبلية المباشرة للمحكمة الدستورية لكونها من المقتضيات المكملة للمحكمة الدستورية .

إن الرقابة الدستورية على القوانين العادية مناصها التحقق من مدى مطابقة القانون مع الدستور، تمارسها المحكمة الدستورية بصفة قبلية والتي تهم الجانب الشكلي كما الجانب الموضوعي للقانون ، وهي رقابة غير وجوبية اي كونها إختيارية .3

ثانيا : الرقابة القضائية :

أما بخصوص الرقابة القضائية تلك التي تمارس من طرف هيئة قضائية الممثلة في المجلس الأعلى للحسابات مشكلة من قضاة متمرسين يتصفون بالإستقلالية والنزاهة في القيام بوظيفتهم القضائية ، فهم أكثر مصداقية لتولي مهام فحص دستورية القوانين و معاينة مدى تطابقها لمقتضيات الدستور من عدمها كذلك يقدم المجلس الأعلى للحسابات مساعدته للبرلمان في المجالات المتعلقة بمراقبة المالية العامة؛ ويجيب عن الأسئلة و الاستشارات المرتبطة بوظائف البرلمان في التشريع و المراقبة و التقييم المتعلقة بالمالية العامة4، هذا النوع من الرقابة القضائية يسمح للأفراد ضمان حق حرية التقاضي على العكس منه في الرقابة السياسية ، لكونها مسطرة مقيدة وهي بحق رقابة غير فعالة. لكن الرقابة القضائية يعتبرها الفقه الدستوري رقابة حقيقية بإمتياز لكونها تسمح للأفراد المطالبة إما بإسقاط نص قانوني أو إبعاده. فالرقابة القضائية تمارسها السلطة القضائية حين التنصيص على ذلك صراحة في الدستور ، والتي تكون في شكل رقابة قضائية عن طريق دعوى أصلية تطعن في عدم دستورية نص قانوني ويسمى هذا النوع من الرقابة أيضا برقابة الإلغاء ، فالقاضي بإمكانه إبطال القانون غير الدستوري، أو الرقابة القضائية عن طريق الدفع أو عن طريق الإمتناع والتي بموجبها يقرر القاضي عدم إعمال نص محل تطبيق في القضية المعروضة عليه .

والرقابة عن طريق الدعوى الأصلية أو رقابة الإلغاء تعرف بأنها الطعن الذي يتقدم به اولا رافعه الذي تضرر من قانون معين ، بوصفه صاحب المصلحة يطالب بموجبها إلغاء القانون المخالف للدستور ، فهو بهذه المناسبة يبادر على عكس ماهو عليه الأمر في الرقابة عن طريق الدفع المتضرر من القانون يكون في وضعية دفاعية ، يطالب القضاء الإمتناع عن تطبيق القانون المطعون فيه على النزاع وليس المطالبة بإلغائه فهذا الشق من الطعن يقدم بواسطة دعوى أصلية أمام المحكمة المختصة ويقدم هذا الطعن مباشرة إلى المحكمة المختصة .

وتقديم هذا الطعن مباشرة إلى المحكمة المختصة من طرف المتضرر يستهدف منه إلغاء القانون المطعون فيه لكونه صدر مخالفا للدستور ، فالمحكمة إذا ما إرتأى لها أن القانون المطعون فيه لا يخالف الدستور تقضي برفض الطعن وفي حال ما إذا تحقق لها مخالفته للدستور فإنها تصرح بإلغائه . 5

إن الطعن في قانون معين بمباشرة دعوى رقابة الإلغاء ، إنما يمارس حيادا عن أي دعوى رائجة،فهذا النوع من الطعون هو مايعرف بالرقابة القضائية عن طريق الدفع . ومن المعلوم أن ممارسته رقابة الإلغاء من طرف الأفراد يجب أن يتم التنصيص صراحة على إسناد هذا الإختصاص في صلب الوثيقة الدستورية إلى القضاء  6.

أما الرقابة عن طريق الدفع أو رقابة الإمتناع تمارس بمناسبة نظر المحكمة في دعوى معروضة ، قد تكون محكمة مدنية أو محكمة إدارية أو محكمة جنائية أو تجارية بحيث يتقدم المتهم أو المدعي بدفع يتمثل في المطالبة بأن تصرح المحكمة بعدم دستورية قانون معين على القضية موضوع الطعن ، لأن القانون المستند إليه في النزاع غير دستوري وهو نظام رقابي إبتدعه القضاء الأمريكي .

إن الدفع بعدم دستورية القانون أثناء جريان الدعوى ، يلزم القاضي وجوبا بفحص دستوريته وذلك بالتصريح إما برفض الدفع عندما يتحقق له أن القانون المطعون فيه مطابق للدستور ويستمر النظر في الدعوى الأصلية . وعند معاينة تعارض القانون مخالفته للدستور ، فإن القاضي في هذه الحالة يصرح بإبعاده وعدم تطبيقه ،ويفصل في النزاع . لكن قد يحدث بأن تصرح المحكمة إيقاف البث في النزاع الأصلي المعروض عليها إذا ما تراءى لها أن القانون المطلوب تطبيقه غير دستوري ، فإنها تحدد أجلا الأطراف برفع دعوى أصلية أمام المحكمة الدستورية المختصة للنظر في عدم دستورية القانون المذكور إذا ماكان التشريع يسمح بهذا الإجراء ،وقد يتحقق عن طريق الإحالة من المحكمة التي تنظر في الدعوى على المحكمة الدستورية لتتولى فحص دستورية القانون المطعون فيه .7

خاتمة :

ختاما يمكننا القول أن المال العام بحاجة ضرورية للرقابة ، رغم أن الرقابة ليست هدفا بحد ذاتها لكنها وسيلة تمكننا من تجنب سوء التدبير وسوء الإستعمال ،تبعا لذلك تم التأكيد من جديد بأن المحكمة الدستورية تحتكر مجال الرقابة على دستورية القوانين، سواء تعلق الأمر بالرقابة السياسية، التي تتوخى بأن يصدر القانون بشكل مطابق للدستور، أو تعلق الأمر بالرقابة عن طريق الدفع (رقابة امتناع).

 

لائحة المراجع:

1 : Louis Favareu : Les cours constitutionnelles , 2éme édition PUF , Paris ,1992 .

2:عبد الهادي بوطالب ، المرجع في القانون الدستوري و المؤسسات السياسية ، الجزء الأول ، دار الكتاب الدار البيضاء ، 1979 ، ص:298.

3:محمد أشرگي : المجال التنظيمي المستقل ، شيء من الحقيقة وشيء من الوهم ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، عدد22، 1998، ص: 17.

4 : http://www.courdescomptes.ma/ar/

5:عبد الهادي بوطالب : مرجع سابق .

6:امحمد مالكي : الوجيز في القانون الدستوري و المؤسسات السياسية ، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش ، 2001 ، ص : 75.

7:نعمان أحمد الخطيب : الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان 2006 ، ص:55.

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً