الرئيسية أقلام مستجدات ضمانات حقوق الدفاع في مرحلة ما قبل المحاكمة الزجرية

مستجدات ضمانات حقوق الدفاع في مرحلة ما قبل المحاكمة الزجرية

8 يناير 2021 - 16:03
مشاركة

المعلومة القانونية

*أمين الصغير

  • باحث في العلوم القانونية.

مقدمة:

تعتبر ضمانات حقوق الدفاع من أسمى الحقوق الطبيعية والإنسانية التي أقرها القرآن منذ قرون عدة خلت قال تعالى ” فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم”[1]. كما قال آدم وزوجه عليهما السلام وهما يطلبان الرحمة من الله “قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين”[2]. وقال أيضا “هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل عنهم يوم القيامة أم من يكون عنهم وكيل”[3] كما قال تعالى “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا “

 هذه كلها آيات تؤكد الدور الأساسي والجوهري لحق الدفاع، فالمتهم إما أن يدفع الجرم عن نفسه إذا كان بريئا، وإما أن يقر ارتكابه ويطلب العفو والرحمة  وتخفيف العقاب.

كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة الدفاع بالباطل والبهتان فقال عليه السلام “إنَّكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضَكم أن يكون أَلْحَنَ بحُجَّته من بعضٍ؛ فأقضي له على نحوٍ مما أسمع، فمَن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فإنما أقطع له قطعةً من النار، فليأخذها أو يذرها”[4]

كما نصت المواثيق الدولية والدساتير الوطنية على ضمانات حقوق الدفاع ضمن فصولها وموادها، ومن بين المواثيق الدولية نجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص في المادة 11 على ضمانة من ضمانات حقوق الدفاع بأن كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا على أن تثبت إدانته قانونا؛

وهي نفس الضمانة التي نصت عليها المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية.

أما الدساتر الوطنية نجد الدستور المغربي لسنة 2011 يكرس هذا الحق الفصل 118 “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.” وأيضا في الفصل 120 الفقرة الثانية “حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم” كما نص على ضمانات حقوق الدفاع في فصول متعددة على طول المسطرة  من قبيل قرينة البراءة في الفصل  119 و إخبار الشخص بالمنسوب إليه والحق من الإستفادة من المساعدة والاتصال بأقاربه وفي المحاكمة العادلة  في الفصل 23 وعدم المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية في الفصل 22.

ومن الدساتير العربية التي نصت على حق الدفاع نجد الدستور المصري الذي نص في المادة 67 ” حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول” وقد بينت المادة 69 المقصود حق الدفاع أصالة بأنه حق المتهم بأن يبدي في حرية كاملة وجهة نظره في شأن وقائع الدعوى وتطبيق القانون عليها، أما حق الدفاع بالوكالة فيعني حق المتهم في أن يكون له المدافع الذي يعرض على سلطات الإجراءات الجنائية أو بصفة خاصة سلطات المحاكمة وجهة نظره في شأن وقائع الدعوى وتطبيق القانون عليها وذلك من أجل أن تتضح أمام هذه السلطات وجهات النظر التي تحتملها الدعوى.

إذن يمكن القول أن لحق الدفاع مدلولين أساسيين: أحدهما واسع يعني كافة الصور والوسائل التي تحمل للمتهم طرق لحمايته ضد تعسف سلطة الاتهام، والآخر ضيق يعني حق المتهم في الاستعانة بمحام ليدافع عنه.

فبالرغم أن الدستور المغربي لم يعطي أية تفرقة لحق الدفاع كما هو الحال بالنسبة للدستور المصري، إلا أن ذلك معمول به قانونا، إذ توجد بعض القضايا الزجرية التي لا يوجب فيها المشرع مؤازرة المتهم بمحامي وإنما خول فيها للمتهم الدفاع عن نفسه.

إلا أن ذلك – أي دفاع المتهم عن نفسه دون تنصيب محامي- يمس بحق الدفاع خاصة إذا علمنا أن هناك إجراءات شكلية لا يعلمها إلا المتخصص في القانون والدارس له والمكتسب لمهارته وحرفته ولا يكون ذلك إلا للمحامي، فقد تكون للمرء خطابة وفصاحة ومهارة في حجاج إلا أنه تجده لا يعلم الجزئيات المسطرية التي نص عليها القانون.

فهذا سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكـــل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ليدافع عنه في أحد النوازل، فسأله أحد الصحابة لماذا وكلت عبد الله وأنت من سادات الناطقين فأجاب رضي الله عنه بقوله أن للخصومات قحما- جمع قحمة وهو الأمر العظيم والشاق-[5]

وإن موضوع ضمانات وحقوق الدفاع ليبرز أكثر في المحاكمة الزجرية وخاصة من جانب المتهم باعتباره طرف ضعيف في الدعوى العمومية ومجرد فرد يخاصمه المجتمع ممثلا في النيابة العامة، وقد يكون أثناء عرضه على المحاكمة معتقلا غير قادر على تجميع كل أدلة براءته لهذا اهتمت كل الأنظمة القانونية بتحصينه بمجموعة من الضمانات على طول المسطرة بدءا بالبحث التمهيدي مرورا بالتحقيق الإعدادي وصولا إلى محاكمة عادلة ومنصفة، هذه الضمانات التي عرفت تطورا مستمرا فما لم يكن يعتبر كذلك في الماضي أضحى منه اليوم، وما هو منه اليوم قد لا يصبح كذلك غدا.

إذ أصبح من اللازم تعديل قانون المسطرة الجنائية رقم 22.01 بما يتلاءم مع  مقتضيات الدستور المغربي والاتفاقيات الدولية، وهو بالفعل ما تسعى الوزارة الوصية على تحقيقه من خلال مشروع قانون رقم 01.18 المتعلق بالمسطرة الجنائية.

وارتباطا بالموضوع المطروح فإن هذا العرض ستقتصر دراستنا فيه على أهم المستجدات المرتبطة بضمانات وحقوق الدفاع في مرحلة ما قبل المحاكمة الزجرية تلك التي جاء بها مشروع المسطرة الجنائية.

الإشكالية:

إلى أي حد استطاع مشروع المسطرة الجنائية تحقيق توازن تشريعي بين حق المشتبه فيه أو المتهم في محاكمة عادلة(سلطة الدفاع) وحق المجتمع في ضمان استقراره وأمنه(سلطة الاتهام)؟

سنحاول من خلال هذه الإشكالية الوقوف على أبرز المستجدات الساعية لتطوير حقوق الدفاع وخاصة في مرحلة ما قبل المحاكمة الزجرية  المنصوص عليها في مشروع المسطرة الجنائية وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية تتمثل فيما يلي:

  • ما هي أهم ضمانات وحقوق الدفاع التي جاء بها مشروع المسطرة الجنائية؟
  • هل هناك ضمانات وحقوق خاصة ببعض المشتبه فيهم أو المتهمين؟
  • هل استطاع المشرع المغربي التوفيق بين حق المشتبه فيه أو المتهم في محاكمة عادلة(سلطة الدفاع)، وحق المجتمع في ضمان استقراره وأمنه(سلطة الاتهام

أمام هذه التساؤلات المطروحة نقترح تقسيم الموضوع على الشكل التالي:

أولا: أهم مستجدات ضمانات وحقوق الدفاع في مرحلة البحث التمهيدي.

ثانيا: أهم مستجدات ضمانات وحقوق الدفاع في مرحلة التقديم للنيابة العامة.

ثالثا: أهم مستجدات ضمانات وحقوق الدفاع في مرحلة التحقيق الإعدادي.

وسنعالج هذا الموضوع من خلال طريقة التعليق على كل مستجد.

 

إن مرحلة ما قبل المحاكمة الزجرية تضم في طياتها مراحل متعددة ومساطر مختلفة وجب الوقوف على كل مرحلة على حدا ودراسة أهم مستجداتها.

أولا: أهم مستجدات ضمانات و حقوق الدفاع في مرحلة البحث التمهيدي.

فبعد أن نص المشروع في المادة الأولى بضرورة احترام حقوق الدفاع وتوفر للأطراف ضمانات المحاكمة العادلة، جاء بجملة من المستجدات على مستوى البحث التمهيدي سنأتي على ذكر كل واحد منها وتعليق عليه ومن أهم هذه المستجدات ما يلي:

  • التسجيل السمعي البصري لاستجواب الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم جنايات أو جنح مع إرفاق المحضر بنسخة من التسجيل توضع في غلاف مختوم، وتضم لوثائق الملف، على أن لا يعرض التسجيل أمام المحكمة إلا في حالة المنازعة في التصريحات المدلى بها وذلك بناء على أمر تصدره المحكمة إما تلقائيا أو بناء على طلب من النيابة العامة أو أحد الأطراف.

وفي حالة تعذر التسجيل لأسباب تقنية، أشار الضابط إلى ذلك في المحضر، مع بيان ذلك في محضر وإشعار النيابة العامة بذلك فورا.

ولا يمكن الطعن في التسجيلات المذكورة إلا عن طريق الطعن بالزور، وفي كل الأحوال يخضع مضمون التسجيلات كغيره من وسائل الإثبات لاقتناع القاضي الصميم وفقا لمقتضيات المادة 286 من هذا القانون.

يحدد نص تنظيمي الإجراءات المتعلقة باستعمال أجهزة التسجيل السمعي البصري[6].

تعليق

يعتبر استعمال الوسائل التكنولوجية في مجريات البحث من أهم الوسائل التي ستساعد على تحقيق العدالة، إلا أنه يؤخذ على هذه المادة عدة عيوب من بينها:

  • أن المشروع ربط استعمال هذه الأجهزة بصدور نص تنظيمي، وفي حالة عدم صدوره -وهو الاحتمال الأكبر- ستظل هذه المادة مجرد حبر على ورق هذا في حالة خروجه من قبة البرلمان.
  • المادة أعطت للضابط عدم تسجيله لمجريات البحث إذا كان ذلك ناتج عن أسباب تقنية إلا أنها لم ترتب الجزاء عن ذلك واحتفظت للمحضر بنفس الحجية.
  • تقوية حق اتصال الشخص الموضوع رهن الحراسة النظرية بمحاميه بضمانات إضافية، من خلال منح حق الاتصال بالمحامي ابتداء من الساعة الأولى لإيقاف المشتبه فيه، ودون اشتراط الحصول على ترخيص من النيابة العامة[7].

تعليق:

  • يعتبر هذا المقتضى تقوية لحق الدفاع وتعزيزا له إذ يعطي للمحامي الحق في الاتصال بالمشتبه فيه منذ الوهلة الأولى لبدء الحراسة النظرية بخلاف ما عليه الأمر حاليا المحددة في المادة 66 في فترة ما قبل انتهاء نصف المدة الأصلية،

إلا أن المشروع الحالي لم يزد في مدة اتصال المحامي بالمشتبه فيه، إذ أن مدة ثلاثين دقيقة غير كافية بالنسبة للاتصال الأولى

  • كما يعاب على المشروع احتفاظه بالمراقبة الفوقية لضابط الشرطة القضائية أثناء اتصال المحامي بالمشتبه فيه وهو ما يشكل مساس بحقوق الدفاع على حساب سلطة الاتهام.
  • حضور المحامي خلال الاستماع للمشتبه فيهم الأحداث المحتفظ بهم طبقا للفقرة الأولى من المادة 460 من المشروع أو الأشخاص الموضوعين رهن الحراسة النظرية إذا كانوا مصابين بإحدى العاهات المشار إليه في المادة 316 من المشروع.

ولا يحق للمحامي الذي يحضر الاستماع التدخل في مجريات البحث ولا طرح أسئلة أو إبداء ملاحظات.

والعاهات المنصوص عليها في المادة 316 من قانون لمسطرة الجنائية الحالي هي أن يكون الشتبه فيه أبكما أو أعمى أو مصابا بأية عاهة أخرى من شأنها الإخلال بحقه في الدفاع عن نفسه[8].

تعليق:

  • قد أحسن واضعوا هذا المشروع بنصهم على حضور المحامي أثناء الاستماع لكل من الحدث والمصاب بعاهة من شأنها الإخلال بحقه في الدفاع عن نفسه، إلا أنهم تصدق عليهم قولة ” ما أعطاه باليمنى أخذه باليسرى” إذ نصت الفقرة الأخيرة من المادة بمنع المحامي من التدخل في مجريات البحث الشيء الذي يدعونا لتساؤل عن الغاية من حضور المحامي لهذا البحث، إذا كان لا يحق له أن يبدي ملاحظاته أو يطرح أسئلته فالمحامي لا يملك إلا لسانه وقلمه في ممارسة مهنته وبطمس هاذين الحقين هو طمس لحقوق الدفاع المكفولة دستوريا ودوليا.
  • تضييق هذا الحق في الحدث أو المصاب بعاهة دون باقي المشتبه فيهم الشيء الذي يدعونا للتساؤل هل المشتبه فيه في غنى عن المحامي في مرحلة الاستماع إليه من طرف الضابطة القضائية؟

في المقابل أعطى المشروع للمحامي حق حضور لعملية الاستماع إلى المشتبه فيه بارتكاب جناية أو جنحة إذا لم يكن قد تم وضعه تحت الحراسة النظرية ولكن قيده بنفس القيد السابق.

  • كما نص المشروع صراحة على حصانة مكتب المحامي وعلى منع وضع الترتيبات التقنية لالتقاط وتسجيل الأصوات والصور به أو بوسائل النقل الشخصية التي يستعملها المحامي تحت طائلة العقوبات المقررة قانونا[9].

وهو تأكيد للمبدأ المنصوص عليه في المادة 293 من القانون الحالي الذي أكد على عدم إمكانية الاعتماد على الدليل الكتابي الناتج عن الرسائل المتبادلة بين المحامي ومؤازره.

  • كما قرر مشروع المسطرة عدة مستجدات أخرى من قبيل: إقرار منظومة الاختراق بواسطة ضباط أو أعوان للشرطة القضائية مع منح حجية للمحاضر والتقارير المنجزة بناء على هذه العملية[10].

تعليق:

  • يعتبر مستجد منظومة الاختراق ضمانة تخدم سلطة الاتهام بشكل أساسي وجوهري، وتنقص من ضمانات حقوق الدفاع، فكيف يؤخذ بأقوال وشهادة من كان يعتبر واحدا منهم
  • إيقاف الأشخاص للتحقق من هويتهم، مع إمكانية اصطحابهم إلى مقر الشرطة والاحتفاظ بهم لمدة قد تصل إلى ست ساعات في بعض الحالات[11].

تعليق:

  • يمكن القول أن المشروع يتضمن تعارض أقل ما يقال عنه أنه متناقض، فكيف أن المشروع اعتمد في بعض مراحله على وسائل تكنولوجية متطورة، أما في بعضها الآخر – كما هو الحال في هذا المقتضى- نجده لازال يعتمد على وسائل تقليدية بدائية.

إذن أمام كل هذه المستجدات يمكن القول أن المشروع قد خطى خطوة متقدمة نحو الرفع من ضمانات وحقوق الدفاع في مرحلة البحث التمهيدي إلا أن المشروع مازال يغلب سلطة الاتهام عن سلطة الدفاع في كثير من الإجراءات في هذه المرحلة  كما سبق وأن رأينا.

ثانيا: أهم مستجدات ضمانات وحقوق الدفاع في مرحلة التقديم للنيابة العامة.

جاء مشروع المسطرة الجنائية بمستجدات مهمة في هذه المرحلة أيضا تدعيما لضمانات وحقوق الدفاع، سنحاول الوقوف على أهم المستجدات المرتبطة بهذه المرحلة وهل النيابة العامة تعامل المشتبه فيه على أساس مبدأ “المتهم بريء إلى أن تتبث إدانته”.

  • ألزم مشروع المسطرة الجنائية النيابة العامة بإخضاع المشتبه فيه إلى فحص طبي في حالة ما إذا طلب منها ذلك أو عاينت بنفسها آثارا تبرر إجراء فحص طبي، تحت طائلة اعتبار اعتراف المتهم المدون في محضر الشرطة القضائية باطلا في حالة رفض إجراء الفحص الطبي إذا كان قد طلبه المتهم أو دفاعه.

تعليق:

  • يعتبر هذا المستجد من أهم المستجدات التي ستساعد من تخفيف الانتهاكات التي يرتكبها ضباط الشرطة القضائية، إلا أنه يجب التساؤل حول نطاق هذا الفحص الطبي هل هو فحص جسدي مادي – بمعنى مراقبة جسد المشتبه فيه إذا كانت توجد به ردود جراء تعرضه للضرب من طرف ضباط الشرطة القضائية لانتزاع تصريحاته- أم أنه يشمل حتى الفحص المعنوي للمشتبه فيه من ارهاق وكثرت الأسئلة المتكررة؟
  • أعطى المشروع للنيابة العامة سلطة واسعة في تقرير إحالة المتهم على المحكمة في حالة سراح[12] دون أن يحدد المعايير أو الشروط الواجب توافرها الشيء الذي يجعل حرية الشخص البريء في أصله خاضعة للسلطة التقديرية للنيابة العامة وهو أمر لا يستقيم مع المقتضيات الدستورية والمواثيق الدولية.
  • إعطاء إمكانية الطعن في الأمر بالإيداع في السجن الصادر عن الوكيل الملك أمام هيئة الحكم التي ستبث في القضية، أو أمام هيئة للحكم جماعية تتكون من ثلاثة قضاة، إلى غاية اليوم الموالي لصدوره[13].

تعليق:

إذا كان المشروع جاء بهذا المستجد الذي يعتبر هو الآخر ضمانة من ضمانات حقوق الدفاع، إلا أنه لم يوضح مرحلة البث في مدى مشروعيته، وإنما اكتفى فقط بتحديد الجهة التي ستبث فيه مع بقاء المشتبه فيه معتقلا مقيد الحرية.

ثالثا: أهم مستجدات ضمانات وحقوق الدفاع في مرحلة التحقيق الإعدادي.

جاء مشروع في هذه المرحلة أيضا بمجموعة من المستجدات، إلا أن السؤال الذي يطرح هل تعتبر هذه المستجدات دعامة أساسية للنهوض بضمانات وحقوق الدفاع؟

  • قام مشروع المسطرة الجنائية بتقليص القضايا التي يجري فيها التحقيق الإعدادي في المادة 83، حيث أصبح التحقيق اختياريا في الجنايات، وفي الجنح بنص خاص[14].

تعليق:

  • أمام هذا المستجد سيسمح للنيابة العامة بإحالة المتهمين مباشرة على قضاء الحكم، وغالبا ما يكونوا في حالة اعتقال بالنظر للثقافة السجنية السائدة في وعي النيابة العامة في غياب جهاز قضاء التحقيق الذي له دور فعال في نقل الملفات، وإصدار أمر بعدم المتابعة في مجموعة كبيرة من الملفات لا تتوافر فيها أدلة كافية للاتهام، بغض النظر عن توجه محكمة النقض الأخير، الخاطئ في نظرنا، القائل بعدم أهلية قضاء التحقيق لتقدير القيمة الاتهامية للأدلة.[15]
  • كما جاء المشروع بمستجد يخدم حقوق الدفاع وهو تقليص مدد الاعتقال الاحتياطي إذ أصبحت التمديدات في الجنايات ثلاث بدل خمس مرات أي من سنة إلى ثمانية أشهر.

كما أوجب المشروع تعليل قرارات الاعتقال الاحتياطي في جميع الأحوال بناء على أحد أسباب الاعتقال الاحتياطي التي أصبحت محددة[16].

تعليق:

  • إذا كان المشروع قد قلص من مدد الاعتقال الاحتياطي الشيء الذي يجعل المشتبه فيه سيسعى بنفسه إلى البحث عن أدلة براءته، فإنه في المقابل جاء المشروع بأسباب عامة خول معها لقاضي التحقيق اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، هذه الأسباب التي ستخول لقاضي التحقيق اللجوء لهذا الإجراء في كل وقت وحين الأمر الذي سيؤثر على حقوق الدفاع لصالح سلطة الاتهام.
  • ولم ينص المشروع على ضرورة تعويض المعتقل إذا ثبتت براءته فيما بعد، بخلاف المشرع الفرنسي في المادة 149 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي وحددت هذه المادة الشروط التي يتم فيها تعويض المعتقل احتياطيا كما حدد الجهات التي تختص في البت في طلب التعويض في شخص الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف المصدرة للقرار[17].
  • رفع المشروع من المدة التي يستدعى فيها المحامي قبل كل استنطاق يقوم به قاضي التحقيق، بحيث كانت محددة في يومين على الأقل وتم رفعها إلى عشرة أيام على الأقل.

كما أنه أعطى للمحامي الحق في الحصول على نسخة من محضر الشرطة القضائية وباقي وثائق الملف، بخلاف ما كان عليه الأمر سابقا بحيث كان له حق الإطلاع أو وضع الملف رهن إشارته دون الحق في حصوله على نسخة من المحضر والوثائق

لكنه في المقابل أعطى لقاضي التحقيق إمكانية إعطاء تعليماته بعدم تسليم محاضر و وثائق إذا اقتضت ضرورة التحقيق ذلك[18].

تعليق:

  • إذا كان المشروع قد رفع من مدة استدعاء المحامي حتى تكون له مدة كافية في إعداد دفاعه، وإذا كان المشروع أعطى للمحامي الحق في الحصول على نسخة من المحضر والوثائق، فإنه في المقابل أعطى لقاضي التحقيق سلطة واسعة في رفض تسليم نسخة من المحضر أو الوثائق إلى المحامي الأمر الذي يمس بحقوق الدفاع.

إلا أن التساؤل الذي يطرح هو هل يمكن للمحامي الإطلاع على الملف؟

  • كما أن التساؤل الذي يمكن أن يطرح هو في حالة عدم حضور المحامي بعد استدعائه، ذلك أن المادة 139 من المشروع ألزمت قاضي التحقيق باستدعاء المحامي لكن لم تجعل من حضوره أمرا لازما لمباشرة الاستماع أو المواجهة وإن كانت محكمة النقض الفرنسية قضت ببطلان جلسة الاستماع في غيبة محاميه كما أن تعيين المتهم لمجموعة من المحامين يطرح أشكال توجيه الاستدعاءات والاوامر إلا أن الحل يوجد في المادة 115من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي التي أقرت بتوجيهها إلى المحامي الأسبق تنصيبا في الدفاع عن المتهم الذي لم يعمل على التحديد[19].

 

خاتمة:

من كل ما تقدم يمكن القول أن هذه هي أهم مستجدات حقوق الدفاع التي جاء بها مشروع المسطرة الجنائية في مرحلة ما قبل المحاكمة الزجرية – البحث التمهيدي- التقديم أمام النيابة العامة- التحقيق الإعدادي- وأمام هذه المستجدات فإن إصلاح العدالة الجنائية يبقى رهينا بالوقوف وقفة تأمل عند بعض المتطلبات والتي تعتبر في حد ذاتها اقتراحات وخلاصات منها:

  • الإشارة في محاضر الإستجواب إلى المدة التي استغرقها هذا الأخير وفترات الإستراحة التي تخللته، ذلك إذا كان المشروع قد حاول تجاوز الاعتداءات الجسدية التي يتعرض لها المشتبه فيه من خلال عرضه على الفحص الطبي، فإنه في المقابل غابت عنه الإعتداءات المعنوية.
  • إعطاء تكوين عميق لضباط الشرطة القضائية في مجال حقوق الإنسان، حتى تتكون لديهم إرادة قوية في إصلاح العدالة الجنائية وتطويرها.
  • عدم ربط التنقيط المخول للنيابة العامة بكمية المحاضر المنجزة.
  • النظر إلى دور الدفاع في مرحلة ما قبل المحاكمة كفاعل في المسطرة وكشريك ضروري، وذلك بإعطاءه في مرحلة الاستماع أمام الضابطة القضائية إمكانية التدخل و طرح الأسئلة.
  • جعل قضاء التحقيق يجري الأبحاث ضد المتهم ولصالحه بإعتباره قضاء مستقل عن قضاء النيابة العامة.
  • تفعيل سلطة الملائمة التي تتوفر عليها سلطة الإتهام، وذلك بتقديم ملتمساتها لصالح المتهم كلما تبين لها أنه بريء.

كل هذه التصورات هي تصورات واقعية تتطلب إرادة قوية في إصلاح العدالة الجنائية وتطويرها ذلك أنه إذا كانت السياسة الجنائية في بلادنا تهدف كغيرها من السياسات الجنائية المعاصرة إلى تبسيط المسطرة والسرعة في إنجازها وتراهن في ذلك على طبيعة النظام الجنائي، إلا أن الاعتراف بحقوق الإنسان يفرض الإهتمام أكثر بحقوق الدفاع والعمل على تحقيق أكبر قدر من التوازن بين الفعالية وبين هذه الحقوق وتفادي أن تتحول العدالة الجنائية السريعة إلى عدالة جنائية تسريعية[20].

[1]

[2]

[3]

[4] –  رواه البخاري في صحيحه

[5] –   قضاة الأندلس

[6] -المادة 67.1 من مشروع المسطرة الجنائية.

[7] –  المادة 66-2 من مشروع المسطرة الجنائية.

[8] – المادة 66.2 / 460/ 316 من المشروع.

[9] – المادة 116.4 من المشروع

[10] – ذ. حسن هاروش “قراءة في مسودة مشروع المسطرة الجنائية” مجلة المحامي، عدد 70، الصفحة 118.

[11] – المرجع السابق.

[12] –  المادة 73 من المشروع.

[13] – المادة 47.1 من المشروع.

[14] – المادة 83 من المشروع.

[15]– حسن هروش “قراءة في مسودة مشروع المسطرة الجنائية” مجلة المحامي، عدد 70، الصفحة 118.

[16] – المادة 175 من المشروع.

[17] –  حسن الفطواكي “حقوق الدفاع في قانون المسطرة الجنائية” مجلة المحامي، عدد 70، الصفحة 139.

[18] – المادة 139 من المشروع.

[19] – جمال الزنوري ” تحديث السياسة الجنائية وتطوير العدالة الجنائية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة خلال مرحلتي: البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي” عدد خاص بالندوات المواكبة للحوار الوطني حول” إصلاح منظومة العدالة، الصفحة:214.

[20] – – جمال الزنوري ” تحديث السياسة الجنائية وتطوير العدالة الجنائية وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة خلال مرحلتي: البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي”  الصفحة220.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً