الرئيسية أقلام الحقوق المعنوية وحصانتها ضد التنفيذ الجبري: حقوق الملكية الفكرية نموذجا

الحقوق المعنوية وحصانتها ضد التنفيذ الجبري: حقوق الملكية الفكرية نموذجا

8 أكتوبر 2020 - 19:29
مشاركة

المعلومة القانونية

*بسمة بن علي جدلي

أستاذة جامعية في القانون الخاص.

لئن تعددت وتنوعت مفردات الملكية الفكرية إلا أن القاسم المشترك بينهما يظل الإبداع والابتكار والخلق الذي يعطي صاحبه حقا استئثاريا فهو ثمرة مجهود فكري امتزج بما هو روحي وجداني وأخرج ملكية أدبية فنية ( أ) على موضوعه ،وهو نتيجة عمل وإبداع وإتقان ذهني وعملي فأفرز ملكية صناعية على الشيء (ب).

أ / الحقوق الأدبية والفنية

تضم الملكية الفكرية تحت لوائها العديد من العناصر والمفردات الذي يجمع بينها رغم تعددها وتنوعها واختلافها كونها ناتجة عن أعمال العقل والفكر وقد أدى هذا التعدد في العناصر والمفردات إلى دراسة الملكية الفكرية من خلال ثلاث مجموعات ،خصصت الأولى لمجموعة الرسوم والنماذج الصناعية والثانية لمجموعة العناصر المادية والمعنوية المخصصة لممارسة مهنة تجارية معينة ( الملكية التجارية) أمّا الثانية فقد تم تخصيصها لمجموعة الأفكار والآراء ونتاج العقل والذهن والمسماة بالملكية الأدبية والفنية[1] وقد درج الفقه على تسميتها “بحق المؤلف” وفي نظر الأستاذ ‘ عامر الكسواني ‘ تعتبر هذه التسمية جدّ مختصرة لكافة الآراء والأفكار ونتاج العقل والذهن والخيال ممّا يؤدي إلى الوقوع في الخلط واللبس إذ أن مصطلح ‘حق المؤلف’ ينسحب عادة على المؤلف الأدبي فقط (الكاتب) وهذا هو الرائج والمنطقي إلا أنه اتجاه قاصر وغير شامل لعناصر الملكية الفنية إذ كان من الأرجح استعمال مصطلح “حق المبتكر”  باعتباره ذو طبيعة أشمل وأدق.

لكن مسايرة للقوانين والتشريعات يتجه المحافظة على استعمال عبارة ‘حق المؤلف’ كمرادف للملكية الفنية والأدبية ،تظهر أهمية حق المؤلف وضرورة حمايته من خلال قانون خاص بذلك متى اتضح لنا وأن معيار إدخال الدول في خانة الدول المتقدمة أو خانة الدول المتخلفة  يعتمد بشكل أساسي على مدى إبداع أفرادها واختراعاتهم في كافة المجالات. ينص الفصل 8 (جديد) من القانون التونسي عدد 33 لسنة 2009 مؤرخ في 23 جوان 2009 يتعلق بتنقيح و إتمام القانون عدد 36 لسنة 1994 المتعلق بالملكية الأدبية و الفنية ” أن المؤلف يتمتع بحقوق أدبية ومادية على مصنفه …” وما يمكن ملاحظته في هذا الشأن أن المشرع التونسي قد مرّ مباشرة إلى تحديد عناصر حقوق المؤلف دون التوقف عند تعريف المؤلف ،خلافا لأحكام القانون الأردني رقم 77 لسنة 1998 الذي عرّف المؤلف (المبتكر) في المادة الرابعة منه بأنه كل شخص نشر المصنف منسوبا إليه سواء كان ذلك بذكر اسمه على المصنف أو بأي طريقة أخرى ،وخلافا للمشرع التونسي الذي أشار بصفة واضحة إلى عناصر حقوق المؤلف (المادية والمعنوية) فالمشرع الفرنسي قد أشار إلى ذلك بطريقة ضمنية حسب ما ورد بأحكام الفصل 113 ثالثا من مجلة الملكية الفكرية أين أقرّ باستقلالية الحقوق المعنوية للمؤلف على الحقوق المادية له[2] بالتالي فحق المؤلف يتناول ناحية أدبية بحتة تخول للمؤلف وحده حق تقرير نشر مصنفه على الجمهور ونسبته إلى نفسه وسحبه من التداول وإلزام الغير باحترام مصنفه فلا يجوز للغير أن يغير فيه بالإضافة أو الحذف كما أن حق المؤلف يتناول أيضا ناحية مادية إذا ما قرّر المؤلف نشر مصنفه ممّا يجعل هذا الحق يدخل في ذمته المالية ومن ثمة يجوز اقتضاء الحق منه إذا كان المؤلف شخصا أثقل كاهله بالديون[3] فالطبيعة الخاصة للحق الأدبي للمؤلف باعتبارها ثمار تفكير الإنسان ومهبط سره ومرآة شخصيته ،أخرجته من دائرة التنفيذ عليه.

الحقوق الأدبية للمؤلف لا تكون مطلقا قابلة للتقادم أو التنازل أو التصرف فيها ،غير أنها قابلة للانتقال بموجب الإرث أو الوصية[4] فالحق الأدبي للمؤلف من أول خصائصه أنه حق لا يجوز التصرف فيه أو الحجز عليه وقد اكتسب هذا الحق نتيجة اعتباره أنه من أبرز وأوضح الحقوق الملتصقة بشخصية المبتكر تماما مثل حق النسب والبنوة التي لا تقبل بطبيعتها أي نوع من أنواع التصرفات[5] وعلى اعتبار وأنها حقوق غير قابلة للتصرف فيها (أي ليست محلا للتعامل عليها) فهي بالتالي  من الحقوق التي لا يجوز عقلتها وربما ذلك راجع لعديد الاعتبارات المنطقية ،ذلك أن المؤلف يكتسب حقه الأدبي نتيجة قيامه بنسخ أفكاره وآراءه من خلال مصنف يتم إيداعه رسميا وتسجيله باسمه ،فهذا النسخ للأفكار والآراء تعبير عن هوية شخص المؤلف وعن حياته ونمط عيشه ،عن كنهه وتفاصيل حياته فمن باب أولى وأحرى أن يمنع التصرف في هذه الحقوق اللصيقة بالمبتكر وأن ترفض مختلف التشريعات بيع هذا الحق فهو بمثابة البيع لأفكار الغير فهو اعتداء على أكثر الأشياء  التصاقا بشخصية صاحبها ،لذلك نصت المادة 38 من قانون حماية الملكية الفكرية المصري على بطلان التصرف في الحق الأدبي ومن ثم لا يجوز الاتفاق على تخويل الناشر حق إدخال تعديل أو تغيير أو حذف دون الرجوع إلى المؤلف وإلا بطل هذا الشرط ما لم يكن هو الدافع للتعاقد فيبطل العقد برمته لبطلان سببه[6] فمسألة منع التصرف في الحقوق الأدبية للمؤلف مسألة متفق عليها دوليا وهو ما نصت عليه المادة السادسة من اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية بعد أن وقع تعديلها سنة 2004 حيث تضمنت أنه “تتمتع مجموع المصنفات الأدبية والفنية للمؤلف لدوائر المعارف والمختارات الأدبية التي تعتبر ابتكارا فكريا بالحماية بهذه الصفة وذلك دون المساس بحقوق المؤلف فيما يختص بكل مصنف يشكل جزءا من هذه المجموعات”، وهو ما يفهم منه أن هذه الاتفاقية اعترفت ضمنا بأن الحق الأدبي للمؤلف لا يقبل التصرف فيه وكنتيجة حتمية لذلك لا يجوز الحجز على الحق الأدبي للمؤلف حيث نصت على ذلك في القانون الأردني المادة 12 من قانون حماية حق المؤلف بقوله ‘لا يجوز الحجز على مثل هذا الحق لأنه يعتبر من أكثر الحقوق التصاقا بشخصية صاحبه والتي لا تقوم بالمال وبالتالي لا يجوز الحجز عليها’[7]. تعتبر الحقوق الأدبية للمؤلف في غاية الأهمية فهي تشكل العصب الأساسي في حق المؤلف الذي يظهر إحدى المهارات الشخصية للإنسان لذلك نلاحظ بدراسة القانون الفرنسي أن المشرع قد بدأ بتعداد الحقوق المعنوية قبل الحقوق المادية[8].

أحاط المشرع التونسي الملكية الأدبية للمؤلف بعناية ورعاية خاصة من طرف هياكل مختصة تعنى بحمايتها من كل اعتداء يذكر حيث يضطلع الهيكل المكلف بالتصرف الجماعي في حقوق المؤلف والحقوق المجاورة بجملة من المهام أبرزها وأولها على القائمة رعاية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة والدفاع عن المصالح المادية والمعنوية لأصحاب تلك الحقوق.

هل الحديث عن إنتاجات العقل والفكر يقتصر على الناحية الأدبية الفنية فحسب أم أنه يتجاوزها إلى الناحية الصناعية أيضا؟

 ب / حقوق الملكية الصناعية

تعد الملكية الصناعية مفهوما حديثا لم يظهر الا مع قيام الثورة الصناعية خلال القرن 19 ومع قيامها قامت الحاجة الى حمايتها وحماية ملكيتها وترتبط حتما بمحور الملكية الفكرية المتصلة بنتاج الفكر الانساني الذي منه ما يرتبط بالملكية الأدبية والفنية ويتصل بحقوق التأليف والحقوق المجاورة ومنه ما يرتبط بالملكية الصناعية وينصرف الى براءة الاختراع وعلامات الصنع والتجارة والخدمات والنماذج والرسوم وأخيرا ما يعرف بالتصميمات الشكلية للدوائر المتكاملة [9](schéma de configuration ).

لئن اعتنى المشرع التونسي بمسألة حماية الاعتداء على حقوق الملكية الصناعية وما يرتبط بها من منافسة غير مشروعة وأشار الى ذلك ضمن أحكام الفصول 90-91-92 من مجلة الالتزامات والعقود ،الا أن هاته الفصول باتت بلا فائدة تذكر بعد ما تم تنظيم الاطار القانوني للملكية الصناعية والمنافسة غير المشروعة بنصوص خاصة .

نظرا لأهمية الملكية الصناعية في التطور الصناعي والتجاري وكذلك تطوير اقتصاديات الدول نشأت عديد الاتفاقيات الدولية بخصوص الملكية الصناعية أهمها على الاطلاق اتفاقية باريس في 20 مارس 1883 والتي دخلت حيز التنفيذ سنة 1884 حيث شهدت هاته الاتفاقية عديد التعديلات[10]،الى جانب اتفاقية بارن لحماية المصنفات الأدبية والفنية سنة 1886 بالإضافة الى عديد الاتفاقيات الاخرى المختصة بمجالات محددة في الملكية الصناعية و الأدبية .

وتعتبر اتفاقية باريس دستور الملكية الصناعية الى يومنا هذا ،وقد صادقت تونس على معظم الاتفاقيات الدولية خاصة اتفاقية باريس وبارن الا أن المشرع التونسي ارتأ مراقبة الاطار العام للملكية الصناعية خاصة على ضوء مصادقته على اتفاقية جولة الأرغواي سنة 1994 وألغيت بالتالي النصوص القديمة وصدر القانون عدد 84 لسنة 2000 المؤرخ في 24 أوت 2000 المتعلق ببراءة الاختراع ،والقانون عدد 20 لسنة 2001 المؤرخ في 6 فيفري 2001 المتعلق بحماية التصميمات الشكلية للدوائر المتكاملة والقانون عدد 21 لسنة 2001 المؤرخ في 6 فيفري 2001 المتعلق بحماية الرسوم و النماذج ،والقانون عدد 36 لسنة 2001 المؤرخ في 17 أفريل 2001 المتعلق بحماية علامات الصنع والتجارة والخدمات ،ونشأ بالمناسبة بتونس المعهد الوطني للمواصفات والملكية الصناعية INNOPRI بموجب القانون عدد 66 لسنة 1982 المؤرخ في 6 اوت 1982 وهو الهيكل المشرف على قطاع الملكية الصناعية.

سنت كل هاته القوانين لحماية حقوق الملكية الصناعية لما لها من فائدة عامة وخاصة فحقوق الملكية الصناعية من أحدث فروع القانون اضافة الى كونها تشكل دعامة رئيسية في اقتصاد أي دولة أو مجتمع اذا ما تم الاهتمام بها وحمايتها على النحو الأنسب لما لتلك الحقوق من طبيعة قانونية خاصة تمنح بموجبها سلطة التصرف والاستعمال والاستغلال على أشياء غير مادية[11].

هل القول بأن حقوق الملكية الصناعية تمنح صاحبها سلطة التصرف والاستغلال والاستعمال يعني أنها لا تختلف في شئ عن غيرها من الحقوق العينية والشخصية ،مما يعني أنها حقوق مالية صرفة ؟

لقد وقع نقد النظرية التقليدية التي اتجهت الى تقسيم الحقوق المالية الى حقوق عينية وأخرى شخصية حيث أنها بذلك لم تشتمل على حقوق أخرى كانت موجودة ساعة نشوء هذه النظرية وبلورتها[12] وتتمثل في الحقوق المعنوية ،حيث لم يكن يعتقد أن تكون للملكية أسس معنوية فعادة ما تعرف الملكية على أنها حق دائم وجامع ومطلق يوفر لصاحبه حق الاستعمال والاستغلال والتصرف وهي تنصرف اجمالا الى سلطة المالك على الشيء او  المال الذي يمكن أن يكون منقولا أو عقارا[13] أما أن تكون الملكية شيئا معنويا ينصرف الى نتاج الفكر فذلك أمر حديث مما أثار الخلاف بين الفقهاء حيث يرى البعض أن الملكية الفكرية ترتقي إلى ما يفوق مرتبة الملكية المادية التقليدية بينما يرى البعض الاخر أن الملكية الفكرية ليس لها علاقة بنظرية الملكية ولا تستجيب لتعريفات الملكية التقليدية بحكم امكانية زوالها و عدم ماديتها[14].

الحقوق المعنوية بالتالي هي افرازات ذهنية ترد على أشياء غير محسوسة وهو ما اتجه اليه القانون المدني الأردني عند تعريفه للحقوق المعنوية ضمن الفقرة الاولى من المادة 71 بقوله ” الحقوق المعنوية هي التي ترد على شئ غير مادي ” كما نص المشرع الأردني على بعض أنواع الحقوق المعنوية ضمن نفس المادة بقوله ” يتبع في شأن حقوق المؤلف والمخترع والفنان والعلامات التجارية وسائر الحقوق المعنوية أحكام قوانين خاصة “[15]  فهي بالتالي كل شئ لا يمكن ادراكه بحواسنا البشرية ولا يشغل حيزا في الوجود أي عبارة عن كيانات غير مادية تحدث أثرا في الوجود ويكون أثرها ملموسا للبشر وبالرجوع الى القواعد العامة للقانون المصري نجد أنه قد نص على الحقوق المعنوية ولكن بشكل غير مباشر حيث ذكر الأشياء غير المادية دون تحديدها على سبيل الحصر أو المثال فنصت المادة 86 من القانون المدني المصري على :” الحقوق التي ترد على شئ غير مادي تنظمها قوانين خاصة. “[16]

بناء على اعتبار أن حقوق الملكية الصناعية هي حقوق ذات صبغة خاصة متميزة عن غيرها من الحقوق المألوفة ،وبناء على ما تقدم أيضا وبالرجوع الى عديد القوانين الخاصة السالفة الذكر والمنظمة لمشمولات الملكية الصناعية وعلى اعتبار أن بعض حقوق الملكية الصناعية تخضع في نفس الوقت لأحكام قانون الملكية الأدبية مثل الرسوم[17] يمكن القول أن حقوق الملكية الصناعية هي حقوق معنوية صرفة فهي تعبر عن الحقوق التي ترد على براءة الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية وكذلك ملكية المحل التجاري فهي بالتالي ملكية حقيقية ولكنها ترد على أشياء غير مادية ،وهو ما يتجه معه تمييزها عن غيرها من الحقوق المالية حيث تشكل الحقوق المالية أساس المعاملات المادية وهاته الحقوق تختلف عن غيرها لكون الغاية منها الحصول على المادة فحسب وتشتمل على حقوق عينية وشخصية خلافا للحقوق المعنوية ذات الطبيعة المزدوجة اذ لها جانب ادبي وانتاج ذهني بالإضافة الى الجانب المادي[18].

فهل يمكن تقويم هذه الحقوق ؟ هل يمكن التصرف فيها برمتها مما يترتب عنه امكانية عقلتها ؟

يتجه القول أن الحقوق المعنوية للملكية الصناعية تشتمل على شقين متميزين : الأول ادبي يعطي للشخص الحق في أن تنسب أفكاره اليه وهذا الحق متصل اتصالا وثيقا بشخصه ما دامت الحياة قائمة و يترتب عن ذلك عدم قابلية هذا الحق للانتزاع منه وعدم قابليته للتقويم بالمال أو التصرف فيه أو عقلته ،والثاني يتمثل في حق الشخص في الاستفادة المالية من ثمار انتاجه الفكري كالنشر للمؤلف واستغلال براءة الاختراع صناعيا وتجاريا ،اذ تعتبر في هذا الجانب حقا ماليا يمكن تقويمه بالمال وبالتالي يمكن التصرف فيه وبذلك فهو يخضع للعقلة وغيرها من التصرفات القانونية الاخرى ،وتعد براءة الاختراع الجزء الأمثل في المكية الصناعية وتشكل الاختراعات الفنية أو المادية التي تدر بالنفع على صاحبها وحسب التقسيم السالف الذكر فإنها تمثل الجانب المادي لحق الملكية الصناعية حيث اعتنى المشرع التونسي بحماية براءة الاختراع من خلال سنه لقانون عدد84 لسنة 2000 مؤرخ في 24 اوت 2000 وهي عبارة عن وثيقة أو شهادة أو مستند حماية يمنح رسميا لأحد المبتكرين أو المخترعين و لفترة زمنية محددة ويتم تضمين الوثيقة بأوصاف الاختراع وخصائصه وتعطي هذه الوثيقة للمخترع حقا أو امتياز في الاستئثار والتفرد بالاختراع نتاج ذهنه واستغلاله على النحو الذي يراه مناسبا وتحمي صاحبه من كل اعتداء وتعطيه الحق في نسبة الاختراع له و يمكن أن يسخر المخترع اختراعه لمجرد الفائدة المادية فحسب ،فيجنح الى رهن براءة الاختراع ،ومن المعروف أن ما جاز بيعه جاز رهنه[19] وما جاز رهنه جازت عقلته[20] بالتالي فعقلة براءة الاختراع جائزة و واردة حيث تتم عقلة براءة الاختراع وفق مقتضيات مجلة المرافعات المدنية والتجارية وحسب شروط مضبوطة حتى ترتب العقلة اثارها المرجوة[21] وتتميز بذلك براءة الاختراع كحق قابل للتقويم بالمال ومن ثمة التصرف فيه ببيعه ورهنه وعقلته عن غيرها من الحقوق المعنوية للملكية الصناعية ذات الصبغة الأدبية لكونها تشكل الجانب الأسمى في حقوق الملكية الصناعية وبذلك لا يمكن مقارنتها ومقاربتها بغيرها من الحقوق فهي أشياء لا يمكن إدراكها بحواسنا البشرية ولا تشغل حيزا في الوجود ،فكيف للعاقل أن يستوفي دينه من مال غير موجود في الواقع والحال أنه من شروط المحل موضوع التنفيذ أن يكون موجودا وممكنا[22] ،كيف من الممكن اقتضاء الحق من كيانات غير مادية ،هاته الأخيرة يمكن أن تتمثل في الرسوم والنماذج الصناعية وهي الجانب الزخرفي أو الجمالي كسلعة ذات منفعة ،وتنضوي هذه الرسوم أو النماذج ضمن التشريعات الخاصة بالملكية الأدبية والفنية وهو ما أتاه المشرع ضمن الفصل الرابع من القانون المتعلق بحماية الرسوم والنماذج الصناعية[23] كما يمكن أن تكون على شاكلة علامات تجارية بما هي شارات يستخدمها التجار لتمييز منتجاته عن غيره ويمكن أن تتكون هذه الشارة خاصة من التسميات بمختلف أشكالها والشارات الصوتية وكذلك الشارات التصويرية[24].

تجسد هذه الشارات المعنى الحقيقي للجانب الذهني الأدبي للحقوق المعنوية للملكية الصناعية التي لا يجوز تقويمها بالمال لما فيها من تعبير عن اجتهاد وعمل فكري وافراز ذهني لأشياء غير محسوسة فهي فعلا تخلق الحق الذي يرد على شيء غير مادي فهاته الشارات هي الأشياء غير الملموسة فهي علامات على شاكلة صورة أو صوت كما قد تكون شارات يعتمدها التجار للتعريف بمنتوج أو خدمة[25] والكيانات غير الموجودة التي سيرد عليها حق براءة الاختراع الذي سيكون مقوما بالمال وجانب الربح في حقوق الملكية الصناعية مثلها مثل المؤشرات الجغرافية بما هي شارات توضع على منتج معين تشير أنه ينشأ من منطقة جغرافية معينة بالإضافة الى التصميمات الشكلية للدوائر المتكاملة ويقصد به كل ترتيب ثلاثي الأبعاد مهما كانت الصبغة التي يظهر فيها[26] ،والتي تعتبر انتاجات فكرية بحتة[27] أي تشكل بدورها الجانب الفني للحقوق المعنوية للملكية الصناعية التي لا يجوز مطلقا عقلتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] – عامر محمود الكسواني : الملكية الفكرية ،دراسة مقارنة ،الطبعة الأولى 2011 دار الجيب للنشر و التوزيع ص 181

[2]– l’article 111- 3 du CPI : La propriété incorporelle ( de l’auteur ) définie par l’article 111-1 est indépendante de la propriété de l’objet matériel.

[3] – أنور طلبة: حماية حقوق الملكية الفكرية: المكتب الجامعي الحديث – الإسكندرية ص 29

[4] – الفصل الثامن ( جديد ) القانون عدد 33 لسنة 2009 مؤرخ في 23 جوان 2009 يتعلق بإتمام و تنقيح القانون عدد  36لسنة 1994

[5] -BERTOND (André) :Le droit d’auteur et les droits voisins ; Dalloz 2ém édition 1999 p 31

[6] – أنور طلبة: مرجع سابق ص 70

[7] – عامر محمود الكسواني : مرجع سابق  ص 199

[8]– l’article 112 -1 du code de la propriété intellectuelle français׃ «Ce droit comporte des attributs d’ordre intellectuel et moral, ainsi que des attributs d’ordre patrimonial.»

 

[9]– علي كحلون، النظرية العامة للالتزامات : منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص 2014-2015 ص 513

[10]-وارد بكتاب علي كحلون، مرجع سابق ، ص 514 :بروكسل 1900 –واشنطن 1911 –لاهاي 1925 – لندن 1934 – لشبونة 1950 – ستوكهولم 1967

[11] – سائد أحمد الخولي :حقوق الملكية الصناعية ،مفهومها ،خصائصها :اجراءات تسجيلها وفقا لأحدث التشريعات والمبادئ القانونية

[12]-صادق محمد الجيران: الملكية الفكرية و دورها في التطور و النمو: براءة الاختراع نموذجا

[13] -محمد كمال شرف الدين: قانون الأموال، كلية الحقوق و العلوم السياسية بتونس، سنة 2002 -2003 ص 39

[14] – عبد الرزاق السنهوري : شرح القانون المدني ، المجلد الثامن ص 276

[15] – القانون المدني الأردني رقم 43 سنة 1976

[16] – القانون المدني المصري رقم 131 سنة 1998

[17] – الفصل 4 من القانون عدد 21 سنة 2001  المؤرخ في 6 فيفري 2001 المتعلق بحماية الرسوم و النماذج الصناعية

[18] – د. بسام محمد بني ياسين : ماهية حق المؤلف ،الجامعة الاردنية –عمان ،ديسمبر 2013

[19] – الفصل 205 من مجلة الحقوق العينية

[20]-الفصل 247 من مجلة الحقوق العينية

[21]– الفقرة الثالثة من الفصل 62 من مجلة المرافعات المدنية و التجارية :” تتم عقلة براءات الاختراع وفق مقتضيات م مم ت غير أنه يجب على القائم بالعقلة أن يعلم صاحب البراءة و الهيكل المكلف بالملكية الصناعية  و كل شخص له حقوق على البراءة و العقلة و الا فإنها باطلة ”

[22] – الفصل 62 من مجلة الالتزامات و العقود

[23]–  الفصل 4 من قانون عدد 21 لسنة 2001 المؤرخ في 6 فيفري 2001 : ” يملك كل مبتكر رسم أو نموذج صناعي أو ما انجر له من حق منه حقا استئثاريا على النموذج الصناعي و ذلك مع التمتع بالحقوق التي يمكن أن يملكوها بمقتضى أحكام قانونية أخرى خاصة التشريع المتعلق بالملكية الأدبية و الفينة ”

[24] – الفصل 2 من القانون عدد 36 لسنة 2001 المؤرخ في 17 أفريل 2001 المتعلق بحماية علامات الصنع و التجارة و الخدمات

[25] -FROCHOT (Didier) : les infos -stratèges (Institue d’administration des entreprises = site web), septembre 2004, juillet 2019 : le droit de marque. « Une marque est un signe (image, Song) –distinctif –désignant des produits ou des services. »

[26]– الفصل 2 من القانون عدد 20 لسنة 2001 المؤرخ في 6 فيفري 2001 المتعلق بحماية التصميمات الشكلية للدوائر المتكاملة

[27]– الفصل 3 من القانون المتعلق بحماية التصميمات الشكلية للدوائر المتكاملة :” يمكن حماية التصميم الشكلي للدوائر المتكاملة وفقا لأحكام هذا القانون اذا كان هذا التصميم نتيجة جهد فكري لمبتكره  “

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً