الرئيسية أقلام المقاربة التشريعية لظاهرة الهجرة غير الشرعية

المقاربة التشريعية لظاهرة الهجرة غير الشرعية

26 فبراير 2020 - 10:52
مشاركة

المعلومة القانونية – غالم نجوى

  • أستاذة باحثة بصف الدكتوراه تخصص القانون العام كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة أبي بكر بلقايد-تلمسان

الملخص:

       إن الهجرة في أبسط معانيها هي حركة انتقال الأشخاص فرادى أو جماعات من موقع إلى آخر بحثا عن الأفضل اجتماعيا، اقتصاديا أو أمنيا. ولا تخرج الهجرة غير الشرعية عن هذا المعنى سوى في مخالفتها للنصوص القانونية التي تضعها الدول لضبط إقليمها من حيث الدخول أو الخروج منه.

       وفي إطار الحد من هذه الظاهرة نجد خطوتين الردع وإزالة أسباب هذه الهجرة، فبالنسبة للردع يجد تطبيقه في التشريعات الجزائرية بمقتضى قانون العقوبات وقانون شروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها وتنقلهم فيها، فضلا عن القانون البحري الذي يعد أول نص قانوني عالج الظاهرة. وإن كانت النصوص القانونية تؤدي للحد من الظاهرة إلا أن التزامات الجزائر الدولية في مجال احترام حقوق الإنسان تفرض عليها التزامات اضافية تتجلى في إيجاد مقاربة بين الردع الذي توفره النصوص القانونية، وبين ضمانات المهاجر غير الشرعي، وهي المقاربة التي يوفرها حق الدفاع المكفول للمهاجر غير الشرعي اتجاه الاجراءات القضائية المتخذة اتجاهه، فضلا عما توفره مراكز الانتظار من رعاية وأمن للمهاجر إلى حين إعادته لدولته. أما الخطوة الثانية المتعلقة بإزالة أسباب الهجرة غير الشرعية فتعد علاجا تكميليا لا مجال للقضاء على الظاهرة من دونه.

مقدمة:

تعد الهجرة ظاهرة تاريخية ساهمت في عمار الأرض من خلال المجموعات البشرية المختلفة الثقافات التي لها دور كبير في بناء حضارة إنسانية مشتركة. وإن كان ظهورها في البداية يعد من أشكال ردود الفعل الطبيعية للإنسان حفاظا على حياته[1]، إلا أنها أخذت منحى مختلف في الوقت الحالي. حيث أصبحت الهجرة في الوقت الحالي قضية معقدة وملفا شائكا، فبعد أن كان تنقل الإنسان لا مانع له، أدى التطور الذي لحق مفهوم الدولة إلى ضبط إقليمها، ما يجعل التنقل على أرضها بالنسبة للأجانب يخضع لشروط[2]، فكانت هذه أولى الأسباب التي دفعت لظهور ما يعرف بالهجرة غير الشرعية أو التسللية أو غير القانونية.

       وتعد حاليا الهجرة غير الشرعية ظاهرة عالمية تؤرق المجتمع الدولي، حيث تعاني منها الدول المتقدمة والأقل تقدما على حد سواء. فالأولى تعاني مما ترتبه هذه الظاهرة من أزمات أمنية واقتصادية، والثانية مما تخلفه من هجرة يد عاملة والذي يؤثر بدوره في اقتصادها. وهو الأمر الذي جعل قضية الهجرة غير الشرعية تستحوذ على أهمية خاصة نظرا للتوجهات الجديدة لسياسات الهجرة. فبعد أن كان مرحبا بظاهرة الهجرة غير الشرعية لما توفره من يد عاملة للاقتصاد الأوربي، أضحى تحقيق هجرة منظمة وقانونية أساس قانون تنظيم الأجانب، والذي كان أول خطواته إغلاق الحدود.

       إلا أنه ورغم المجهودات التي تبذلها الدول في مواجهة الظاهرة، إلا أن الاعتماد فقط على المعالجة الأمنية الصارمة لم يحقق النتيجة المرجوة منه بالقضاء على الهجرة غير الشرعية، ومرد ذلك للتفاوت في مستوى التنمية بين دول البحر الأبيض المتوسط وأوربا، فضلا عن النزاعات السياسية أو المسلحة التي تعوق التقدم الاقتصادي لدول الجنوب.

ومن هنا كان البحث عن المقاربة التشريعية لظاهرة الهجرة غير الشرعية في الجزائر من أهم المواضيع التي تطرح إذا أردنا الإلمام بدور الحكومة الجزائرية في التعامل مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية، كونها تتعلق بطريقة المعالجة القانونية للظاهرة في إطار احترام حقوق المهاجر، وهنا يطرح التساؤل عن ماهية التشريعات التي تجرم الهجرة غير الشرعية؟ وما مدى احترامها لحقوق المهاجر غير الشرعي؟

إن الإجابة عن هاذين الإشكالين تتطلب معالجته في إطار مبحثين يتناول الأول تدابير معاقبة المهاجرين غير الشرعيين، أما الثاني فيخصص لتحديد ضمانات المهاجر غير الشرعي.

المبحث الأول: التشريعات التي تجرم الهجرة غير الشرعية

       في ظل عدم وجود تشريع جزائري خاص بتجريم الهجرة غير الشرعية، فلا بد من الرجوع للتشريعات التي تعاقب على هذا الفعل باعتباره جريمة، وكذلك التشريعات التي تعاقب على الأفعال المرتبطة بالهجرة غير الشرعية.

المطلب الأول: تدابير معاقبة المهاجرين غير الشرعيين

       إثر الزيادة الكبيرة لعدد المهاجرين غير الشرعيين بالجزائر، وفي ظل عدم وجود تشريع قانوني خاص بالهجرة غير الشرعية، فإن المشرع الجزائري تدارك هذا الوضع من خلال التعديل الذي لحق قانون العقوبات الجزائري، إضافة للقانون المتعلق بشروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها وتنقلهم فيها. فمن خلال متابعة الإحصائيات وما تنشره الصحافة الوطنية والدولية عن أخبار الهجرة السرية نجد هذه الظاهرة قد بدأت بالتصاعد في حجمها ابتداء من [3]1998، وبذلك تكون المعالجة القانونية التي قام بها المشرع الجزائري ملائمة للوضع، ذلك أن العقاب على الهجرة غير القانونية في الجزائر عرف أول تنظيم قانوني له بمقتضى القانون البحري الجزائري باعتبار أن أغلب حالات الدخول غير الشرعي للإقليم أو الخروج منه تتم عن طريق البحر.

الفرع الأول: القانون البحري الجزائري

       إن أول معالجة قانونية لظاهرة الهجرة غير الشرعية تمت بمقتضى القانون البحري المعدل لسنة 1998، وذلك تماشيا مع ما فرضه الواقع من تزايد أعداد المهاجرين غير الشرعيين الذين ينتقلون عبر البحر. وكان التعامل التشريعي مع هذه الظاهرة صارما بهدف وضع حد لتدفقات المهاجرين غير الشرعيين، فكانت العقوبة المقررة بالنسبة لكل من يتسلل للسفينة خلسة بنية الدخول أو الخروج من الإقليم الجزائري هي الحبس من ستة (6) أشهر إلى خمس (5) سنوات والغرامة من 10.000دج إلى 50.000دج[4].

الفرع الثاني: قانون العقوبات الجزائري

رغم اعتراض بعض النواب على تجريم الهجرة غير الشرعية خلال مناقشة مشروع قانون العقوبات لسنة 2009، على اعتبار أن الحل الأمني وتسليط العقوبات لا يزيد إلا من تفاقم المشكلات، وأن الحل يكون بمعالجة الظاهرة في إطار أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية بمشاركة مؤسسات الدولة[5]. إلا أن التزايد الخطير في أعداد المهاجرين غير الشرعيين من أوساط جل فئات الشباب الجزائري، أو حتى الأجانب من الأفارقة الذين اتخذوا الجزائر كبلد عبور كان أولى بالمعالجة من مراعاة ظروف المهاجرين غير الشرعيين، لما قد يرتبه من خطر على أمن الدولة.

حيث قامت وزارة العدل بإعداد مشروع تعديل تقنين العقوبات والمتضمن تجريم مغادرة الإقليم الوطني بصفة غير مشروعة، ثم أودع لدى مكتب المجلس الشعبي الوطني بتاريخ 13 سبتمبر 2008، ليحال في نفس اليوم على لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات. وبتاريخ 28 ديسمبر من السنة نفسها تم تقديم عرض ممثل الحكومة أمام اللجنة، لتنعقد جلسة علنية بتاريخ 12 جانفي 2009 للمجلس الشعبي الوطني، في الدورة العادية الثالثة من الفترة التشريعية السادسة، بعدها قدم المشروع للتصويت بالبرلمان بتاريخ 21 جانفي 2009 وذلك في جلسة علنية[6].

وبعد مناقشات طويلة، تراوحت بين الرفض للتجريم عامة وبين رفض العقوبة المقررة، انتهت النقاشات بتجريم الهجرة غير الشرعية بموجب المادة 175 مكرر1 وبتقرير عقوبة الحبس من شهرين(2) إلى ستة(6) أشهر وبغرامة من 20.000دج إلى 60.000دج أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل جزائري أو أجنبي مقيم يغادر الإقليم الوطني بصفة غير شرعية، أثناء اجتيازه أحد مراكز الحدود البرية أو البحرية أو الجوية، وذلك بانتحاله هوية أو باستعماله وثائق مزورة أو أي وسيلة احتيالية أخرى للتملص من تقديم الوثائق الرسمية اللازمة أو من القيام بالإجراءات التي توجبها القوانين والأنظمة السارية المفعول.

وتطبق نفس العقوبة على كل شخص يغادر الإقليم الوطني عبر منافذ أو أماكن غير مراكز الحدود.

أما ما يلاحظ بالنسبة للعقوبة المقررة للجريمة فهو عدم تناسبها مع طبيعة الجريمة ولا مع ظروف الجاني، وإن كانت العقوبة تظهر أقل شدة من العقوبة التي كانت تطبق قبل تعديل 2009، ويتعلق الأمر بالمادة 545 من القانون البحري، غير أنه وعلى اعتبار أن مغادرة الاقليم تتم في الغالب عن طريق شبكات لتهريب الأشخاص، فالأولى أن تكون العقوبة بالنسبة للمسؤولين عن عمليات التهريب، في حين تكون عقوبة العمل للنفع العام أفضل عقوبة في هذه الحالة.

الفرع الثالث: القانون المتعلق بشروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها وتنقلهم فيها:

يتعلق هذا القانون بضبط مركز الأجانب في الجزائر، وعليه فإنه يتناول فئة المهاجرين غير الشرعيين الأجانب. وعن العقوبة المقررة لهم ففضلا عن الحبس والغرامة والتي يتوافق فيها هذا القانون مع قانون العقوبات[7]، ينص هذا القانون على إمكان إصدار وزير الداخلية أمرا بالترحيل أو الإعادة أو أمر بطرد الأجنبي[8]. كما يمكن أن يصدر الوالي المختص أمرا بطرد الأجنبي الذي يدخل الجزائر بصورة غير قانونية، أو يقيم فيها بصفة غير شرعية[9].

المطلب الثاني: تدابير معاقبة مساعدي المهاجرين غير الشرعيين

       مما لا خلاف عليه أن الهجرة غير الشرعية مردها لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو حتى أمنية[10]، وهو ما يجعل المهاجر غير الشرعي في خانة الضحية لا المجرم. وإن لم يكن المشرع الجزائري قد أخذ بهذا المفهوم على اطلاقه إلا أنه أخذ بنتيجته المتمثلة في اعتبار المسؤول عن إدخال المهاجر أو إخراجه من الإقليم بطريقة غير قانونية مجرما مستحقا للعقوبة.

حيث توسع المشرع الجزائري في تجريم كل عناصر منظومة الهجرة غير الشرعية من الأشخاص المهربين أنفسهم أو من يساعدهم أو مالكي الأماكن التي تأوي المهاجرين غير الشرعيين، أو مسهلي عملية الهجرة، أو موفري وسائل النقل والقائمين بعملية النقل ذاتها، وحتى الأشخاص الذين لم يخطروا السلطات المختصة بما لديهم من معلومات عن عمليات تنظيم الهجرة غير الشرعية[11].

 حيث فرض المشرع الجزائري عقوبات مشددة تتراوح بين الغرامة المالية من 60.000دج إلى 200.000دج والحبس من سنتين (2) إلى خمس (5) سنوات بالنسبة للمهربين والناقلين وكل شخص يقدم المساعدة من أجل الدخول غير الشرعي إلى الإقليم أو الإقامة فيه أو مغادرته بصفة غير شرعية[12]. مع العلم أن المشرع الجزائري صنف إيواء المهاجرين غير الشرعيين من أشكال المساعدة وبالتالي تنطبق عليها نفس الأحكام.

لتشدد العقوبة إلى السجن من خمس (5) إلى عشر(10) سنوات والغرامة من 300.000دج إلى 600.000دج إن ارتكبت مساعدة أو تهريب المهاجرين مع أحد الظروف التالية:

-حمل السلاح.

-استعمال وسائل النقل والاتصالات وتجهيزات خاصة أخرى.

-ارتكاب المخالفة من طرف أكثر من شخصين، عندما يكون عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين تم إدخالهم أكثر من شخصين.

-عندما ترتكب المخالفة في ظروف من شأنها تعريض الأجانب مباشرة لخطر آني للموت أو لجروح تحدث بطبيعتها تشويها أو عاهة مستديمة.

-عندما تكون المخالفة من شأنها تعريض الأجانب لظروف المعيشة أو النقل أو العمل أو الإيواء لا تتلاءم مع الكرامة الإنسانية.

-عندما تؤدي المخالفة إلى إبعاد قصر الأجانب عن وسطهم العائلي أو عن محيطهم التقليدي.

       لتشدد العقوبة إلى السجن من عشر (10) إلى عشرين (20) سنة مع الغرامة المالية من 2.250.000دج إلى 3.000.000دج إن تم إدخال أو إخراج المهاجر بطريقة غير شرعية من أو إلى الإقليم الجزائري مع توافر ظرفين أو أكثر من الظروف المذكورة سابقا[13].

       ولم يخرج قانون العقوبات الجزائري عن إطار العقوبة المقررة لمساعدة المهاجرين غير الشرعيين، بل كان أكثر وضوحا باعتبار تهريب المهاجرين من الجرائم الواقعة ضد الأشخاص، أما عن عقوبتها فتكون بالحبس من ثلاث (3) إلى خمس (5) سنوات والغرامة المالية، مع التشديد في حالة وجود الظروف المشددة المحددة بموجب القانون نفسه[14].

المبحث الثاني: ضمانات المهاجر غير الشرعي

       يضطر المهاجر غير الشرعي إلى تكبد العمل شبه العبودي والمعاملة القاسية، ذلك أن اعتراضه باللجوء إلى القضاء يتسبب له بالطرد أو الإبعاد وفي كثير من الحالات لا يملكون حق الطعن في القرارات الإدارية التي تؤثر عليهم[15].

لذا حرص المشرع الجزائري على توفير ضمانات قانونية للمهاجر غير الشرعي في إطار احترام حقوق الإنسان ويظهر ذلك من خلال إتاحة الفرصة للمهاجر غير الشرعي في الطعن في قرار الطرد أمام الجهات القضائية، فضلا عن امكانية اتصاله بممثليته القنصلية أو الدبلوماسية واستفادته من محام ومترجم إن اقتضى الأمر ذلك. ولا تتوقف ضمانات المهاجر غير الشرعي عند ذلك إذ يترتب عن قرار الإبعاد أو الطرد أعادة المعني إلى الحدود أو وضعه في مراكز منفصلة عن إدارة السجون.

المطلب الأول: ضمان حق الدفاع

       باتخاذ قرار طرد الأجنبي المتواجد في الجزائر بطريقة غير شرعية، يقع على عاتق السلطات الإدارية المختصة واجب إخطاره بحقه في الطعن في القرار، وبذلك يكون المشرع الجزائري قد سار وفق إرادة المجتمع الدولي، ذلك أنه تم تناول مسألة إبعاد الأجانب في حالة رفض الدولة لدخولهم إلى إقليمها في اجتماع جنيف 1892 أين تم وضع مشروع شامل لقواعد قبول الأجانب أو إبعادهم. ومن ضمن أهم القواعد التي رسخها المشروع هو حق الأجنبي في التظلم أمام السلطات الإدارية المختصة أو القضائية[16].

       ولا يكون الاعتراف بحق المهاجر غير الشرعي بالطعن في قرار الطرد كاملا، إلا بإعطاء هذا الأخير الحق بأن يعين له محامي للدفاع عنه فضلا عن الاستعانة بالمترجم إن اقتضت الضرورة ذلك.

       فبالنسبة للطرد، هو إجراء يؤدي لإجبار الأجنبي على مغادرة الإقليم الوطني كون تواجده فيه غير قانوني[17]. وقد نص القانون الجزائري على هذا الجزاء بموجب المادة 31 من القانون رقم 08-11 في فقراتها 03، 04 والتي جاء فيها:

 “مع مراعاة أحكام المادة 13 من قانون العقوبات، يجوز للأجنبي موضوع قرار وزير الداخلية المتضمن الإبعاد خارج الإقليم الجزائري أن يرفع دعوى أما القاضي الاستعجالي المختص في المواد الادارية في أجل أقصاه خمسة (5) أيام ابتداء من تاريخ تبليغ هذا القرار.

يفصل القاضي في الدعوى في أجل أقصاه عشرون (20) يوما ابتداء من تاريخ تسجيل الطعن”.

       فما يلاحظ من خلال هاتين الفقرتين أن المشرع الجزائري قد أتاح إمكانية الطعن في قرار الإبعاد الذي يصدر ضد الأجنبي المتواجد بصفة غير شرعية على الإقليم الجزائري. ومع ذلك فينتقد المشرع الجزائري على تضييقه للمدة المقررة لرفع الدعوى والتي تكون في أغلب الأحيان غير كافية[18].

ومع ذلك فيثنى على المشرع الجزائري لإعطائه هذا الضمانة التي من شأنها توقيف قرار الإبعاد لحين الفصل في الدعوى، وهو ما كفلته المادة 31 نفسها بموجب فقرتها 05 والتي جاء فيها:” ويكون لهذا الطعن أثر موقف”.

       وفي إطار كفالة تامة لحق المهاجر غير الشرعي في الدفاع عن نفسه، كفل له المشرع الجزائري الحق بتعيين محام للدفاع عنه، فضلا عن امكانية استعانته بمترجم إن اقتضت الضرورة. كما يكون له الحق في الاتصال بممثليته الدبلوماسية أو القنصلية، وهو الأمر الذي يستخلص من نص المادة 32 من القانون 08-11 بموجب فقرتها الأخيرة والتي جاء فيها:” يمكن للأجنبي موضوع إجراء الطرد إلى الحدود الاتصال بممثليته الدبلوماسية أو القنصلية والاستفادة، عند الاقتضاء، من مساعدة محام و/أو مترجم”.

       غير أن ما يؤخذ على المعالجة القانونية الجزائرية لمشكلة المهاجرين غير الشرعيين عدم دقة بعض النصوص القانونية ومنها قرار الطرد إلى الحدود، حيث جاء نص المادة 36 من القانون 08-11 على النحو التالي:

“يمكن طرد الأجنبي الذي يدخل إلى الجزائر بصفة غير شرعية أو يقيم بصفة غير قانونية على الإقليم الجزائري، إلى الحدود بقرار صادر عن الوالي المختص إقليميا، إلا في حالة تسوية وضعيته الإدارية”.

 فما يؤخذ على المادة عدم إعطائها أي تفصيلات حول إمكانية الطعن في هذا القرار كما هو الحال بالنسبة لقرار الإبعاد. فهل يفهم هذا السكوت بانطباق نفس الاجراءات على القرارين؟ أم أن إحاطة أحدهما بالتنظيم دون الآخر دلالة على عدم انطباق نفس الاجراءات وبالتالي عدم إمكان الطعن في قرار الطرد الصادر من الوالي المختص إقليميا؟

 وفي ظل عدم وجود إجابة قانونية صريحة، يبقى الأمر يثير الكثير من المخاوف لإمكان استغلال هذا النقص القانوني في زيادة عمليات الترحيل إلى الحدود دون ضمانات[19].

المطلب الثاني: مراكز الانتظار

       تقوم سياسة مواجهة الهجرة على الإبعاد الفعلي للأشخاص المقيمين بصورة غير قانونية على أراضي الدولة. وبالتالي فإنه يجب إعادة المهاجرين الذين لا يحق لهم أو لم يعد يحق لهم الإقامة القانونية في الدولة إلى بلدانهم طوعا أو كرها عند الضرورة[20]. غير أنه ولضمان تطبيق ذلك في ظل احترام حقوق الإنسان، فإن احتجاز المهاجرين غير الشرعيين قبل ترحيلهم خارج إقليم الدولة لا بد أن يتم في أماكن غير تابعة للسجون، مع ضمان ظروف مناسبة من حيث الأمن والغذاء والعلاج، وهو ما تؤكده المادة 18 من بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين بمقتضى الفقرة الخامسة منها، والتي جاء فيها: “تتخذ كل دولة طرف معنية بإعادة شخص يكون هدفا للسلوك المبين في المادة 6 من هذا البروتوكول كل التدابير اللازمة لتنفيذ الإعادة على نحو منظم ومع إيلاء الاعتبار الواجب لسلامة ذلك الشخص وكرامته”.

       وتحقيقا لذلك كان من بين المستجدات التي جاء بها القانون رقم 08-11 المتعلق بشروط دخول الأجانب إلى الجزائر وإقامتهم بها وتنقلهم فيها والذي عدل الأمر رقم 66-211، هو إقامة مراكز انتظار يوضع فيها الأجانب المتواجدين فوق الإقليم الجزائري بصفة غير شرعية في انتظار طردهم إلى الحدود أو تحويلهم الى بلدهم الأصلي، وهو ما كفلته المادة 37 منه والتي جاء فيها:

“يمكن أن تحدث عن طريق التنظيم مراكز انتظار تخصص لإيواء الرعايا الأجانب الموجودين في وضعية غير قانونية، في انتظار طردهم إلى الحدود أو تحويلهم غلى بلدهم الأصلي.

يمكن أن يوضع الأجنبي في هذه المراكز بناء على قرار الوالي المختص إقليميا، لمدة أقصاها ثلاثون (30) يوما قابلة للتجديد، في انتظار استيفاء إجراءات طرده إلى الحدود أو ترحيله إلى بلده الأصلي”.

       أما ما يأخذ على هذه المادة، أنها حددت أن الإقامة بهذه المراكز يكون بناء على قرار من الوالي المختص إقليميا لمدة أقصاها ثلاثون يوما قابلة للتجديد، إلا أنها لم تحدد عدد المرات التي يمكن فيها تجديد هذه الفترة، والذي يمكن أن يؤدي لاحتجاز الأجنبي في مراكز الانتظار لأجل غير مسمى[21].

       وإن كانت هذه ضمانات لا يستهان بها من شأنها ضمان احترام المهاجر غير الشرعي في إطار احترام حقوق الإنسان، يبقى عقاب المهاجر غير الشرعي في حد ذاته خرقا للضمانات التي يوفرها بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو، وبالتالي اخلال بالتزام الجزائر الدولي اتجاه حماية المهاجرين غير الشرعيين على اعتبارها ملزمة بأحكام البروتوكول، ذلك أن المادة 05 منه تنص:

“لا يصبح المهاجرون عرضة للملاحقة الجزائية بمقتضى البروتوكول نظرا لكونهم هفا للسلوك المبين في المادة (06) من هذا البروتوكول”.

وعليه وحتى يكون هناك توازن بين العقوبة والجريمة من جهة وضمانا لاحترام أحكام البروتوكول، يقترح إضافة فقرة ثالثة للمادة 175 مكرر 01 يكون مضمونها: “لا تطبق أحكام الفقرتين السابقتين على من يثبت وقوعه ضحية لعملية تهريب”[22].

أما عن آخر ضمان يتمتع به المهاجرون غير الشرعيين هو ما يكفله بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين، ويتعلق الأمر بإعادة المهاجرين المهربين والذي ضمنته المادة 18 من البروتوكول. وبما أن الجزائر صادقت على البروتوكول[23] فتكون ملزمة بإعادة المهاجرين مع توفير التسهيلات اللازمة.

خاتمة:

يوفر القانون الجزائري معالجة قانونية تسعى لتحقيق توازن بين الحفاظ على أمن الدولة من جهة، وحقوق المهاجرين غير الشرعيين من جهة أخرى، وما ذلك إلا تطبيق لاتفاقية حقوق الإنسان التي تلتزم بها الجزائر، فضلا على إقرار ضمني باعتبار المهاجر ضحية بما يتوافق مع التزامات الجزائر الدولية فيما يتعلق باتفاقيات حماية المهاجرين غير الشرعيين.

أما عن النتائج المتوصل إليها من خلال هذا البحث فيمكن إجمالها في النقاط التالية:

-ضعف المعالجة القانونية لظاهرة الهجرة غير الشرعية، بعدم وجود تقنين خاص بضبط هذه الظاهرة رغم خطورتها على أمن ونظام الدولة.

-عدم كفاية الحل الأمني لعلاج ظاهرة الهجرة، ما يتطلب ضرورة إعادة دراسة الظاهرة لمواجهتها، فعدم القضاء على أسباب الظاهرة يرتب عدم إمكانية القضاء عليها والذي يكون بخلق سياسة تنموية على مستوى الدول المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين.

-عدم وجود تنسيق كافي في إطار التعاون الأمني بين الجزائر والدول الأوربية من جهة ودول البحر الأبيض المتوسط من جهة ثانية، بهدف القضاء على الشبكات العاملة على تسهيل الهجرة غير الشرعية.

-عدم وجود آليات مشتركة حول مراقبة الحدود.

       وإن كانت هذه أهم النقاط التي تأخذ على المعالجة القانونية لظاهرة الهجرة غير الشرعية في الجزائر، إلا أنه لا مجال لإنكار سعي الجزائر للسيطرة على هذه الظاهرة والذي يظهر من خلال العقوبات المشددة المفروضة على المهاجر غير الشرعي وحتى المساعد له. فضلا عن الدور الكبير للشرطة الوطنية وشرطة الحدود في مكافحة الهجرة غير القانونية.

       وفي الأخير لا يسعنا إلا إبداء بعض التوصيات التي من شأنها الحد من هذه الظاهرة، والتي تعد تكملة للنصوص القانونية التي تهدف لضبط الهجرة غير الشرعية، أهمها:

-إطلاق مبادرات مشتركة بين دول الجوار لمراقبة الحدود المشتركة مع أهمية تبادل المعلومات الأمنية حول المنظمات الإجرامية الدولية العاملة في مجال الهجرة غير الشرعية.

-تكثيف الدوريات على الحدود البرية والبحرية لإحباط أي محاولات للتسلل من أو إلى الإقليم بصورة غير نظامية.

-تطوير آليات مقاومة الشبكات التي تعمل في التهريب غير القانوني للبشر والاتجار بالأشخاص.

ومع ذلك يبقى أهم إجراء تبقى الدول مدعوة لتجسيده هو مواجهة الأسباب الحقيقية لظاهرة الهجرة غير الشرعية والمتمثلة في سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وضعف الوعي الأمني، وعلى اعتبار أن الدافع الاقتصادي يعد من أبرز أسباب الهجرة غير الشرعية، فإنه يقع على عاتق السلطات المعنية الاهتمام بهذه الظاهرة ودراسة أنسب الحلول لعلاجها من خلال وضع سياسات تنموية


[1] – برهان أمر الله، حق اللجوء السياسي(دراسة في نظرية حق الملجأ في القانون الدولي)،دار النهضة العربية، القاهرة، 2008، ص.02.

[2] – أحمد سليم سعيفان، الحريات العامة وحقوق الإنسان (دراسة تاريخية وفلسفية وسياسية وقانونية مقارنة) الجزء 2 “النظام العام للحريات العامة في القانون المقارن”، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2010، ص.118.

[3] – ساعد رشيد، واقع الهجرة غير الشرعية في الجزائر من منظور الأمن الإنساني، مذكرة ماجستير، جامعة محمد خيضر بسكرة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2011-2012، ص. 43.

[4] – المادة 545 من القانون 98-05 المؤرخ في 01 ربيع الأول 1419 الموافق ل 25 يونيو 1998 المعدل والمتمم للأمر رقم 76-80 المؤرخ في 29 شوال 1326 الموافق ل 23 أكتوبر 1976 والمتضمن القانون البحري.

[5]– ختو فايزة، البعد الامني للهجرة غير الشرعية في إطار العلاقات الأورو مغاربية 1995-2010، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر 3، كلية العلوم السياسية والإعلام، 2010-2011، ص.209.

[6] – رشيد بن فريحة، جريمة مغادرة الإقليم بصفة غير شرعية، مذكرة ماجستير في العلوم الجنائية وعلم الإجرام، كلية الحقوق، جامعة تلمسان، 2010، ص.31.

[7] – تنص المادة 44 من القانون رقم 08-11:”…يعاقب على مخالفة أحكام المواد  4 و7 و8 و9 أعلاه، بالحبس من ستة (6) أشهر الى سنتين (2) وبغرامة من 10.000دج الى 30.000دج”.

ونجد المادة 4 منه تنص:” يخضع الأجنبي، فيما يخص دخوله الى الاقليم الجزائري وإقامته به وتنقله فيه لاستيفاء الاجراءات المنصوص عليها في هذا القانون ونصوصه اللاحقة.

ويجب على الأجنبي فيما يخص إقامته، أن يكون حائزا وثيقة السفر وتأشيرة قيد الصلاحية، وكذا الرخص الادارية عند الاقتضاء”.

وكذلك المادة 7 والتي تنصفي فقرتها الأولى: ” مع مراعات الاتفاقيات الدولية الخاصة باللاجئين وعديمي الجنسية المصادق عليها من قبل الدولة الجزائرية، يتعين على كل أجنبي يصل الى الاقليم الجزائري أن يتقدم لدى السلطات المختصة المكلفة بالمراقبة على مستوى مراكز الحدود حاملا جواز سفر مسلم له من دولته او كل وثيقة أخرى قيد الصلاحية معترف بها من الدولة الجزائرية كوثيقة سفر قيد الصلاحية وممهورة عند الاقتضاء، بالتأشيرة المشترطة الصادرة من السلطات المختصة، وكذا دفترا صحيا طبقا للتنظيم الصحي الدولي”.

فما يستخلص من هذه المواد أن الدخول الى الاقليم الجزائري بطريقة غير شرعية، أي مخالفة للشروط القانونية الواردة بموجب المادتين 4 و7 السالفتي الذكر، تكون عقوبته الحبس أو الغرامة، وهي نفس العقوبة المقررة بموجب المادة 175 مكرر1 من قانون العقوبات.

[8] – طبقا للمادة 30 من القانون رقم 08-11.

[9] – حيث تنص المادة 36 من القانون نفسه:” يمكن طرد الأجنبي الذي يدخل الى الجزائر بصفة غير شرعية أو يقيم بصفة غير قانونية على الاقليم الجزائري، الى الحدود بقرار صادر عن الوالي المختص إقليميا إلا في حالة تسوية وضعيته الإدارية”.

[10] – مثلما هو الأمر بالنسبة لطالبي اللجوء الذين يدخلون بطرق غير شرعية.

[11] – طارق عبد الحميد الشهاوي، الهجرة غير الشرعية “رؤيا مستقبلية”، الطبعة الأولى، دار الفكر الجامعي، الاسكندرية، 2009، ص.91.

[12] – طبقا للمادة 35 والمادة 46 فقرة 01  من القانون 08-11.

[13] – طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 46 من القانون 08-11.

[14] – المواد 303 مكرر30، 303 مكرر31، و303 مكرر32 من قانون العقوبات الجزائري.

[15] – عبد القادر رزيق مخزومي، الهجرة السرية واللجوء السياسي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2012، ص.17.

[16] – عصام نعمة إسماعيل، ترحيل الأجانب “دراسة تحليلية في ضوء القانون والاجتهاد اللبناني والدولي”، ط1، بدون دار نشر، لبنان، 2003، ص.212.

[17] – لحسين بن الشيخ آث ملويا، المنتقى في قضاء مجلس الدولة، ج3، دار هومه للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2007، ص.261.

[18] – وفي هذا الشأن أعربت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة في ملاحظاتها الختامية التي نشرت في سنة 2008 عن ” قلقها إزاء المزاعم التي وردت عن عمليات الطرد الجماعي للمهاجرين في انتهاك للضمانات الأساسية للمهاجرين في استعراض حالتهم بشكل فردي والقدرة على الطعن في قرار الترحيل …”. لتفاصيل أكثر، أنظر: لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، الملاحظات الختامية حول الجزائر، وثيقة 16،CAT/C/DZA/CO/3، مايو/أيار 2008، الفقرة 09.

[19] – فيرونيك بلانس-بواساك، دراسة حول الهجرة واللجوء في بلدان المغرب العربي”أطر قانونية وإدارية غير كافية وغير قادرة على ضمان حماية المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء”، الشبكة الأوربية-المتوسطية لحقوق الإنسان، كوبنهاغن، كانون الأول/ديسمبر 2010، ص.29.

[20] – بيلاري كونسوتيوم، الهجرة النسائية بين دول البحر المتوسط والاتحاد الأوربي، يورميد للهجرة 2، ص.331، منشور على موقع.

[21] – باعتماد الجزائر لمراكز الانتظار تؤكد على عملها على احترام حقوق الانسان، ذلك أن تقرير اللجنة الدولية لتنمية الشعوب حول وقائع الهجرة جنوب الصحراء إلى الجزائر 2008 يذكر تجميع المهاجرين في السجون المركزية ومراكز الشرطة في مدن مختلفة في أنحاء البلاد، كما يسلط الضوء في هذا التقرير على قسوة ظروف الاحتجاز.

[22] – الفقرة مقترحة من طرف الأستاذ محمد زغو، لمزيد من التفاصيل، انظر مقاله : المعالجة التشريعية لظاهرة الهجرة غير الشرعية في الجزائر، مجلة الفقه والقانون، العدد02، دجنبر 2012، منشورة على موقع.

[23] – صادقت عليه الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي رقم 03-418 المؤرخ في 09/11/2003، الجريدة الرسمية رقم 69 الصادرة في 12/11/2003.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً