الرئيسية أقلام حرية الإعلام بين الحق في المعلومة وحماية المعطيات الشخصية

حرية الإعلام بين الحق في المعلومة وحماية المعطيات الشخصية

22 فبراير 2020 - 16:39
مشاركة

المعلومة القانونية – حسن فرحان

  • باحث في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس

توطئة:

يعتبر الحق في الحصول على المعلومة حقا شموليا يخترق باقي حقوق الإنسان المختلفة والمتعددة، ذلك أن التمتع به يعزز إمكانية اكتساب حقوق الإنسان الأخرى، وهو حق عام لا يخص فئة من المواطنين دون أخرى لما للمعلومة من دور محوري في جميع مناحي الحياة الإنسانية.

ويقصد بالحق في الحصول على المعلومات حق المواطن في السؤال والاستعلام عن كل المعلومات والبيانات التي تخصه والتي تحوزها الإدارات العمومية والهيئات التي تقوم بوظيفة المرفق العام.

و يعتبر الحق في الولوج إلى المعلومة أحد مكونات الحق في حرية التعبير الى جانب كل من حرية الرأي والحق في الإعلام. 

فهو مدخلا رئيسي لممارسة الحق في الإعلام والاتصال، لكون هذا الأخير خرج من رحم مبدأ “حرية المعلومة”؛ وهو بهذا المعنى يدخل ضمن مكونات الجيل الثالث لحقوق الإنسان. 

ومن البديهي أن يتصل الحق في الحصول على المعلومات بحرية الرأي؛ لكونهما ركيزتان أساسيتان للديمقراطية التشاركية وللشفافية ومكافحة الفساد، ذلك أن التمكن من المعلومة هو نواة ممارسة حرية التعبير عبر إبداء الرأي وتبادل الأفكار في شتى القضايا والمجالات.

 وإذا كان للحق في الحصول على المعلومة كل هذه الامتدادات، فإن ذلك لا ينبغي أن يفهم على أنه حق مطلق وبلا حدود، لأن منظومة حقوق الإنسان هي كل متكامل يأثر بعضها على الأخر سلبا وإيجابا، لذلك فأن التعسف في ممارسة أي حق من شأنه إلحاق الضرر بباقي الحقوق.

وهنا يثار التساؤل حول حدود الحق في الحصول على المعلومات بارتباط مع ممارسة حرية الصحافة على ضوء المعايير الدولية و التشريع الوطني ؟

 أو بعبارة أدق، كيف أطرت المواثيق الدولية والتشريع الوطني ممارسة الحق في الحصول على المعلومة بانسجام مع ضمان حماية الحياة الخاصة وحقوق الأفراد والمؤسسات ؟

أسئلة نتولى الإجابة عنها عبر المحورين التاليين:

 

المحور الأول: الحق في الحصول على المعلومات على ضوء المعاير الدولية والتشريع الوطني 

المحور الثاني: حدود الحق في الحصول على المعلومات وفق المواثيق الدولية والتشريع الوطني

 

المحور الأول: الحق في الحصول على المعلومات على ضوء المعاير الدولية والتشريع الوطني

أ: الحق في الحصول على المعلومات في المرجعيات الدولية

يعتبر الحق في الحصول على المعلومات مكونا أساسيا من مكونات حقوق الإنسان التي تحمي وتنمي الحياة البشرية عبر السماح الأفراد والجماعات بالتماس ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها و نقلها الى الآخرين مما يسهم في نشر الوعي وتطوير القدرات الفكرية للأفراد والجماعات، وبذلك يعتبر الحق في الحصول على المعلومات حقا إنسانيا يقتضيه الرقي والتقدم بالمجتمع كرسته المواثيق والعهود الدولية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص في بنده 19 على أنه : ” لكل شخص حق المتع بحرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة والتماس الأنباء والأفكار ونقلها الى الآخرين ياية وسيلة ودونما اعتبار للحدود” 

وكما نص على هذا الحق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966 بموجب الفقرة الثانية من مادته 19 التي جاء فيها ” لكل إنسان الحق في حرية التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآحرين باية وسيلة ودونما اعتبار للحدود ” 

كما أكد هذا الحق إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة حول التقدم والإنماء في الميدان الاجتماع الصادر 11 دجنبر 1969 حيث جاء في مادة الخامسة (البند ب) من هذا الإعلان أن ” نشر المعلومات القومية والدولية بغية جعل الأفراد على بينة بالتغيرات التي تطرأ على المجتمع بأسره”   

كما تمت الإشارة الى الحق في الحصول على المعلومات ضمن إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية الصادر بموجب قرار الجمعية العامة رقم 2/55 بتاريخ 8 دجنبر 2000، الفقرة  25 التي أكدت على “كفالة حرية وسائط الإعلام لكي تؤدي دورها الأساسي في ضمان حق الجمهور في الحصول على المعلومات “   

وقد دعمت هدا الحق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المصادق عليها في 9 ماي 2007، بموجب المادة العاشرة منها التي دعت الدول الأعضاء إلى ضرورة اتخاذ تدابير لتعزيز الشفافية في إدارتها العمومية باعتماد إجراءات أو لوائح تمكن الناس من الحصول على المعلومات عن كيفية تنظيم إدارتها العمومية واشتغالها وعمليات اتخاذ القرارات فيها.

إن الاعتراف بالحق في الحصول على المعلومة في أهم المواثيق الدولية نابع من قناعة المنتظم الدولي بكون هذا الحق هو ركيزة أساسية لضمان الشفافية والمشاركة في الحياة العامة وهو الأمر الذي حفز جل الدول ومنها المغرب على تكريسه على مستوى تشريعاتها الداخلية.

ب: الحق في الحصول على المعلومات في التشريع المغربي

وعيا من المغرب بالأهمية التي يحظى بها الحق في الحصول على المعلومة ضمن باقي الحقوق الإنسان المدنية والسياسية، فقد عمل على ملائمة تشريعه الداخلي بما يضمن ممارسة هذا الحق على نحو ما أقرته المواثيق الدولية.

وهو ما تجلى من إخلال الإقرار به على مستوى الدستور ليتم تنزيله في باقي النصوص القانونية.

ب/أ: على مستوى الوثيقة الدستورية

انطلاقا من كون المملكة المغربية أكدت تشبثها بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا  ومن إقرارها بجعل الاتفاقيات الدولية كما صادقت عليها تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية وقف ما تضمنه تصدير دستور المملكة.

 وتأسيسا على كون الحق في الحصول على المعلومة من الحقوق التي كرستها جل المواثيق الأممية،  فقد نص الفصل 27 من الدستور المغربي على “ حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام” 

والتنصيص على هذا الحق في الوثيقة الدستورية بجانب باقي الحقوق المحمية دستوريا وتخصيص فصل خاص به يؤكد الأهمية التي أولها له المشرع الدستوري، إيمانا من هذا الأخير بدوره هذا الحق في إرساء مبادئ الشفافية والنزاهة في تدبير الشأن العام.

كما أنه الرقي بالحق في الحصول على المعلومة إلى مرتبة الحق الدستوري يرتب نتيجتين هامتين :

النتيجة الأولى هي واجب ملاءمة كل تشريع وطني مع مقتضيات الفصل 27 من الدستور حتى لا يواجه ذلك التشريع بالدفع بعدم الدستورية لتعرضه مع الحق في الحصول على المعلومة.

والنتيجة الثانية هي ضرورة مراعاة مقتضيات هذا الفصل عند تسطير السياسات العمومية بشكل يكفل ممارسة هذا الحق.

ب/ب: على مستوى القوانين الوطنية

  • القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.

بهدف تعزيز الثقة والشفافية في علاقة الإدارة بالمتعاملين معها والتحفيز على المشاركة في مراقبة عمل الإدارة مع تخويل ضمانات قانونية لطلب المعلومة تمكين المواطنين من ممارسة الحق في الحصول على المعلومة صدر القانون رقم 31.13 

وقد حصر هذا القانون المعلومات الممكن طلب الحصول عليها في التي تحوزها الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام (المادة 2) مستثنيا بذلك المعلومات المتوفرة لدى الخواص.

كما حدد القانون رقم 31.13 الأشخاص الذين بوسعهم طلب المعلومات في المواطنات والمواطنين وكل شخص أجنبي مقيم بالمغرب بصفة قانونية (المادة 4). 

وتفاديا لكل ما من شأنه عرقلة حصول طالب الخدمة على المعلومات، تضمن الباب الرابع من هذا القانون المسطرة الواجب إتباعها للحصول على المعلومات والتي تبتدأ بطلب يتضمن البيانات الشخصية وتحدد فيه بدقة ووضوح المعلومات المرغوب الحصول عليها ويوجه إلى رئيس المؤسسة أو الهيئة المعنية عن طريق الإيداع المباشر مقابل وصل أو بواسطة البريد العادي أو الالكتروني. 

كما حددت المادة 16 أجل الرد على الطلب في 20 يوما من أيام العمل تبتدأ من تاريخ تسلم الطلب مع إمكانية تمديد هذا الأجل لمدة مماثلة في حالات محددة، مع أن هذا الأجل يتقلص إلى 3 أيام في الحالات المستعجلة الواردة في المادة 17، وهو ما يشكل ضمانة في عدم إهمال طلبات الحصول على المعلومات المقدم إلى الإدارات.

ولضمان الجدية في معالجة طلبات الحصول على المعلومات، فقد ألزمت المادة 18 من هذا القانون المؤسسات أو الهيئات المعنية بتعليل ردها القاضي برفض تقديم المعلومات، مما يمكن معه لطالب المعلومات سلوك التظلم الإداري في حالة عدم الرد على طلبه أو عدم الإستجابة له وذلك على مستويين اثنين : الأول أمام رئيس المؤسسة ثم الثاني أمام لجنة الحق في الحصول على المعلومات، وفق ما جاءت به المادتين 20 و21 من هذا القانون.

هذا و يمكن لطالب الحصول على المعلومة والذي رفض طلبه الطعن قضائيا في قرار اللجنة المذكورة أمام المحكمة الإدارية المختصة.

ومن أجل تعزيز الحق في الولوج الى المعلومات، أوجب القانون رقم 31.13 على  المؤسسات والهيئات المعنية وفي حدود الإمكان بأن تقوم بالنشر الإستباقي للمعلومات التي في حوزتها والتي لا تدخل في مجال الاستثناءات المنصوص عليها في هدا القانون وبصفة خاصة المعلومات المشار إليها في المادة 10 من هذا القانون. 

 وبهدف فسح المجال أمام تعميم المعلومات المحصل عليها، فقد سمح هذا القانون باستعمال وإعادة استعمال المعلومات التي تم نشرها أو وضعها رهن إشارة العموم أو تلك التي تم تسليمها لطالبيها شريطة أن يتم ذلك لأغراض مشروعة وألا يتم تحريف مضمونها مما قد يؤدي إلى الإساءة أو الإضرار بالمصلحة العامة أو المساس بأي حق من حقوق الخير.

  • في القانون المنظمة للصحافة والنشر

وعيا من المشرع بالدور الذي تطلع به الصحافة في تمكين الموطن من الحق في الإعلام عبر نشر الأخبار وتوعية المواطن، ومن كون اضطلاع الصحفيين بالوظيفة الملقاة على عتقهم لا يستقيم دون تمكينهم من الولوج اليسر إلى مصادر الخبر والمعلومات، أكد دستور المملكة على ضمان حرية الصحافة بموجب الفصل 28 منه الذي نص على أنه  ” للجميع  الحق في التعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية ومن غير قيد عدا ما ينص عليه القانون بصراحة.” 

وقد تمت ترجمة هذا المقتضى الدستوري على مستوى القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر الذي كرس حق الصحفي في الوصول إلى مصادر الخبر والحصول على المعلومات وذلك بموجب المادة 6 منه و التي جاء فيها أنه ” يحق للصحافيات والصحافيين والمهيئات ومؤسسات الصحافة الولوج إلى مصادر الخبر والحصول على المعلومات من مختلف المصادر باستثناء المعلومات التي تكتسي طابع السرية وتلك التي تم تقييد الحف في الحصول عليها…” .

  • الحق في الحصول على المعلومة في بعض النصوص الخاصة.

قبل صدور القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة، كان هذا الحق منصوص عليه ضمن مقتضيات قانونية متفرقة والتي تناولته بشكل محدود وخاص ودون تنصيص على إجراءات أو تدابير تضمن الحصول على المعلومات والبيانات ومن هذه النصوص نذكر :

  • القانون 69.99 المتعلق بالأرشيف الذي نص في المادتين 15 و16 منه على ما يلي :

المادة 15

” يمكن لكل شخص راغب في الاطلاع، دون مراعاة أي أجل، على بعض الوثائق التي توضع عادة رهن إشارة الجمهور أو على الوثائق التي يرخص قانون خاص بالاطلاع عليها” 

المادة 16

مع مراعاة أحكام  المادة 15 أعلاه، يمكن للجمهور أن يطلع بكل حرية على الأرشيف العامة عند انصرام أجل ثلاثين سنة من تاريخ إنتاجها، باستثناء الحالات المنصوص عليها في المادة 17 بعده .

كما ورد التنصيص على الحق في الحصول على المعلومات بشكل ضمني في مجموعة من المواد القانونية المتفرقة، نذكر منها : 

  • ضرورة إخبار المشتكي أو دفاعه من طرف النيابة العامة بقرار الحفظ المتخذ داخل أجل 15 يوما من تاريخ إتخاده (المادتين 40 و41 من ق م ج ).
  • الإذن باستعمال استعمال آلات التصوير أو التسجيل أو الإرسال أو الالتقاط أو الاتصال المختلفة بقاعة الجلسات أو في أي مكان أخر يجري به تحقيق قضائي. (المادة 303 ق م ج ).
  • حق الأطراف في أخد نسخ من مستنتجات المفوض الملكي (المادة 5 من قانون إحداث المحاكم الإدارية).

المحور الثاني: حدود الحق في الحصول على المعلومات وفق المواثيق الدولية والتشريع الوطني

إذا كانت حرية الإعلام تعني حق الحصول على المعلومة ومن أي مصدر مشروع والحق في نشر الأخبار و الأفكار دون قيود, وضوابط الحرية الإعلامية تعني القيود التي تمنع تجاوزها الحدود المشروعة من جهة أخرى. فإنه لا تعارض بين حرية الإعلام وبين ضوابطها فالحرية تعني عدم التكميم والضوابط تعني عدم الانفلات اللامسؤول .

وهكذا فإن من أبرز ضوابط حرية الاعلام عدم التعرض للحياة الخاصة للأفراد والنيل من حميميتهم أو المساس بمصالح المؤسسات.

لدلك فإن الفلسفة العامة التي تقوم عليها القوانين الناظمة لحرية الصحافة هي تحقيق التوازن بين الحق في البحث عن الخبر ونشره وبين ضرورة الحفاظ على المصالح المحمية المتصلة بحقوق الآخرين وسمعتهم وحميميتهم، أو بالأمن والنظام العامين أو الآب والأخلاق العامة.

وفي هذا الصدد تضمنت القوانين المتعلقة بالحق في الحصول على المعلومة وبحرية الصحافة مجموعة من الاستثناءات هي بمثابة حدود تأطر ممارسة هذا الحق، والتي يمكن تجميعها في مجالين رئيسين أولها يتعلق بكل ما له صلة بالحياة الخاصة للأفراد، والثاني يضم الحقوق المرتبطة بمصالح الهيئات والمؤسسات.

أ.أٍ: الاستثناءات المتصلة بالحياة الخاصة للأفراد

لم تتفق القوانین المقارنة على وضع تعریف موحد لمفهوم الحیاة الخاصة، ویرجع ذلك إلى صعوبة تحدید العناصر المكونة للخصوصية الفردیة، باعتبار أن هذه العناصر تكمن في الأمور المتعلقة بالإنسان، وھي التي يرید هذا الأخیر إحاطتها بستار من الكتمان، وبذلك  فإن مفهوم الحق في حیاة الخاصة مفهوم نسبی یختلف من مكان إلى أخر، ومن زمان إلى أخر، وقد یضیق نطاقه في وقت ویتسع في وقت أخر.

وأمام صعوبة  إیجاد مدلول دقیق ومحدد للحیاة الخاصة، تم الاكتفاء بتعداد أو تحدید العناصر التي تدخل في نطاقها،  والتي تشكل مظاهر للحياة الخاصة ومن أبرزها ما يلي :

*حرمة المسكن / *المحادثات الخاصة / *الذمة المالیة /*الآراء السیاسیة والمعتقدات الدینیة /الحیاة العائلیة والعاطفیة للإنسان/ *الصورة .

وتعتبر الحياة الخاصة للأفراد من بين الاستثناءات الواردة على الحق في الحصول على المعلومات كما أسست لذلك أهم المواثیق الدولية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 الذي نص في مادته 12 على أنه ” لا یجوز تعریض أحد لتدخل تعسفي في حیاته الخاصة، أو شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمس شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في أن یحمیه القانون من مثل ذلك التدخل، أو تلك الحملات“.

كما أكد حماية هذه الحياة العهد الدولي للحقوق المدنیة والسیاسیة لسنة 1966 بعد أن نص في مادته 17 على أنه ” لا یجوز تعریض أي شخص على نحو تعسفي أو غیر قانوني، لتدخل في خصوصیاته أو شؤون أسرته، أو بیئته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غیر قانونیة تمس شرفھ أو سمعتھ، من حق كل شخص أن یحمیھ القانون من مثل ھذا التدخل أو المساس”.

مما يجعل الحياة الخاصة للأفراد من بين الحدود التي لا يجيز القانون الدولي تحت أي مبرر التعدي عليها، ولو كان ذلك تحت مظلة ممارسة حرية التعبير.

وقد استلهم المشرع الدستوري المغربي من المواثيق الدولية التنصيص على حرمة الحياة الخاصة للفرد  على نحو ما ورد في الفصل 24 من الدستور والذي على ضوئه تمت ملائمة النصوص المتصلة بممارسة حرية الصحافة بشكل يبين الحدود الفاصلة بين ممارسة الحق في الحصول على المعلومة واحترام حرمة الحياة الخاصة للأفراد.

وهكذا نص القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة على أن المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد تقع في دائرة الاستثناءات المطلقة (المادة 7) مما يعني أن الحصول على معلومات المرتبطة بخصوصية الأفراد وحميميتهم وتداولها يقع ضمن العمل الغير مشروع كما أكدت ذلك المقتضيات تشريعية ذات الصلة بحرية الصحافة ومنها المادة 6 من القانون المتعلق بالصحافة والنشر والتي جاء فيها يحق للصحافيات والصحافيين ولهيئات ومؤسسات الصحافة الولوج الى مصادر الخبر والحصول على المعلومات من مختلف المصادر باستثناء المعلومات التي تكتسي طابع السرية وتلك التي تم تقييد الحق في الحصول عليها طبقا لأحكام الفقرة الثانية من الفصل 27 من الدستور.” 

وتأكيدا على استثناء الحياة الخاصة للأفراد من دائرة المعلومات التي يحق للصحافة البحث عنها ونشرها جاء الفصل الثالث من القانون السالف الذكر صريح في الدلالة على هذا الاستثناء من خلال عنونته ” في حماية الحياة الخاصة والحق في الصورة “ وهي إشارة الى ضرورة مراعاة الحياة الخاصة للأفراد خلال الممارسة الصحفية، خاصة بعد أن حدد الفصل 89 ما يعد تدخلا في هذه الحياة من جانب الصحفي.

أ/ب: الاستثناءات مرتبطة بالمعلومات التي تكتسي طابع المعطيات الشخصية

ترتبط معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي بالحق في الحياة الخاصة ارتباطا وثيقا على اعتبار أن مجموعة من العناصر المكونة لهذا الحق الأخير كالصوت والصورة والآراء السیاسیة والمعتقدات الدینیة والهوية الجسدیة والثقافیة والاجتماعیة والاسم وغیرها، تتقاطع مع مضمون المعطیات الشخصیة مما یُؤدّي للقول بأن المعطیات ذات الطابع الشخصي هي حیاةٌ خاصة في المجال المعلوماتي أو ما یطلق عليه بالخصوصیة المعلوماتیة أو الحیاة الخاصة في المجال المعلوماتي  والتي يقصد بها حق الشخص في أن یتحكّم بالمعلومات التي تخصُّه، أو حق الأفراد في تحدید متى وكیف وإلى أي مدى تصل المعلومات عنهم للآخرین، أو قدرة الأفراد على التحكم بدورة المعلومات التي تتعلقُ بهم .

وبالتالي فأن المعطیات الشخصیة المعالجة بشكل معلوماتي تندرج في إطار الحق في الخصوصیة في الجزء المتعلق بالمعلوماتیة، فالحق في حمایة المعطیات ذات الطابع الشخصي ھو حقٌ في الخصوصیة المعلوماتیة أو هو حقٌ في الحیاة الخاصة في المجال المعلوماتي، والمساس به هو مساسٌ مباشرٌ بحقوق وحریات الأفراد.

لذا فقد تم التنصيص في المادة 7 من القانون رقم 31.13 على المعلومات التي تكتسي طابع المعطيات الشخصية الى جانب تلك المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد بمناسبة تحديد الاستثناءات المطلقة على الحق في الحصول على المعلومات.

ووعيا من المشرع بالتهديد الذي يحيط بالحق في الحياة الخاصة نتيجة الاستغلال الغير مشروع واللاخلاقي للوسائل المعلوماتية المستعملة في تحويل المعطيات الشخصية المخزنة واستغلالها للكشف عن الحياة الخاصة للأفراد، فقد بادر بإصدار القانون 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه المعطيات ذات الطابع الشخصي وذلك بهدف إيجاد ألية تشريعية تؤطر وتنظم استعمال ومعالجة المعطيات والبيانات الشخصية بما يتناسب مع ضمان حماية الحياة الخاصة للأفراد كما أقر بها الدستور في الفصل 24 منه 

وفي هذا الصدد نص القانون 09.08 على مجموعة من الحقوق كالحق في الموافقة و الحق في الإخبار قبل الشروع في المعالجة، وكذا حق الولوج وحق الرد و التصحیح و الحق في التعرض، في المقابل حدد مجموعة من الالتزامات أوكلها القانون بشكل مباشر للمسؤول عن المعالجة كتلك التي ترتبط باحترام الغایة من المعالجة و احترام مبدأ التناسب و التحقق من الجودة، و غیرھا من القواعد و المبادئ و التعریفات التي تواكب و تسایر الاتفاقیات الدولیة.

 ومن أجل تحصين المعطيات الشخصية من كل استغلال خارج الإطار الذي أعطيت من أجله، فقد جرم القانون مجموعة من الأفعال التي قد ترتكب سواء من طرف الأشخاص المكلفين بمهام معالجة المعطيات أو غيرهم مما يستغل تلك المعطيات بهدف اختراق الحياة الخاصة للأفراد ونشر الأخبار عنها ومنها :

  • جریمة معالجة المعطیات الشخصیة دون رضى المعني بالأمر(المادة 56)
  • جریمة الاستعمال غیر المشروع للمعطیات (المادة 61)

وهي من أبرز الجرائم التي قد ترتكب بمناسبة السعي نحو الحصول على المعلومة 

أ/ج: بعض مقتضيات الحماية الجنائية للحق في الحياة الخاصة

إلى جانب الحماية الدستورية والقانونية للحق في الحياة الخاصة تطرق المشرع في مقتضيات جنائية متفرقة الى حماية بعض مظاهر الحياة الخاصة للأفراد نذكر منها: 

  • مقتضيات الفصول 447-1 ، 447-2 و447-3 والتي أدرجت في مجموعة القانون الجنائي بمقتضى القانون 103.13، وهي ترمي الى تعزيز الحماية الجنائية للحياة الخاصة كما أقرها الفصل 24 من الدستور 

وفي هذا الإطار تم تجريم مجموعة من الأفعال التي تنتهك خصوصية الفرد وحميميته ومنها : 

  • منع التقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري دون موافقة أصحابها(الفقرة 1 / الفصل 447-1 ق ج).
  • منع تثبت أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص أثناء تواجده في مكان خاص دون موافقته(الفقرة 2 /الفصل 447-1 ق ج).
  • بث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته أو بث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة (الفصل 447-2 ق ج).

ومن أجل مواكبة عمل النيابات العامة نحو التطبيق السليم لهذه المستجدات التشريعية، أصدرت رئاسة النيابة العامة المنشور عدد 48 س /ر ن ع والذي تعرض بالتفصيل للمقتضيات التي جاءت بها الفصول السالفة الذكر من حيث تحديد الأفعال المعنية بالتجريم في هذه الفصول وكذا العقوبات المطبقة عليها مع حث النيابات العامة على التطبيق الصارم والسليم للقواعد القانونية المرتبطة بهده المقتضيات والتعاطي الإيجابي مع الشكايات المقدمة بهذا الخصوص تعزيزا للحق في حماية الحياة الخاصة كما أقره الدستور.

الى جانب هذه المقتضيات الجديدة، تطرقت نصوص جنائية متفرقة لبعض الجوانب من الحياة الخاصة ومنها :  

  • مقتضيات المادة 303 من قانون المسطرة الجنائية التي تمنع نشر صورة أي شخص في حالة اعتقال أو يحمل أصفادا وقيودا دون موافقته أو نشر أي تحقيق أو تعليق أو استطلاع للرأي يتعلق بشخص تجري في حقه مسطرة قضائية بصفته متهما أو ضحية تحت طائلة العقوبات المقررة قانونا.
  • المادة 505 من نفس القانون والتي توجب تسجيل الأحكام الصادرة في حق القاصرين في سجل خاص يمسكه كاتب الضبط ويمنع أن يطلع عليه العموم.
  • المادة 606 من نفس القانون التي تمنع النشر عبر الصحافة لأي بيان أو مستند يتعلق بتنفيذ ما عدا المحضر المذكور وإلا تعرض المخالف لعقوبة الغرامة المحددة في هذه المادة 
  • المادة 668 من نفس القانون التي تحضر تسليم البطاقة 3 من السجل العدلي سوى لشخص المعني بها أو لشخص الحامل لتوكيل خاص من هذا الأخير.

ب: الاستثناءات المتصلة بمصالح الهيئات والمؤسسات

تقر المواثيق الدولية حق الدول في فرض قيود على الحق في الحصول على المعلومة في مجالات معنية ترتبط بالمصالح العاليا لدول كالأمن القومي والسياسات الاقتصادية والعلاقات الخارجية وذلك على أساس أن المصلحة العامة تقتضي حجب المعلومات عن العموم حتى تؤدي المؤسسات والهيئات وظائفها على أحسن وجه. 

وفي هذا الصدد يُجيز العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تقييد الحقوق التي أقرها في الفقرة الأولى من المادة 19، لكن شريطة أن يكون هذا التقيد :

– “ضروري” لضمان: حماية الأمن الوطني؛ النظام العام؛ الصحة العامة؛ الآداب العامة؛ وحقوق الآخرين أو سمعتهم؛

 –  ألا تلحق هذه القيود الأذى والضرر بحرية التعبير؛

   – أن تكون محددة بنص القانون مع مراعاة : الوضوح والدقة في نص القانون، وتحديد واضح للأفعال المخالفة للقانون.

وفي نفس الاتجاه تسير باقي الاتفاقيات الإقليمية، حيث كرّرت نفس ضوابط والقيود المشار إليها أعلاه تقريبا، ومنها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في المادة 10/فقرة2)، مع  إضافة قيد أخر إلى تلك القيود بأن يكون الهدف من عدم التمكين من المعلومة هو منع إفشاء المعلومات السرية أو ضمان سلطة الهيئة القضائية ونزاهتها.

 وإذا كان الدستور المغربي لفاتح يوليوز2011 قد نص  ولأول مرة على الحق في الحصول على المعلومات صراحة، من خلال الفقرة الأولى للفصل27، بعد أن أٌقر بحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، فإنه في نفس الوقت استثنى في الفقرة الثانية من نفس الفصل بعض المجالات التي لا يجب أن يطالها هذا الحق.

مع الإشارة إلى أن الدستور ربط تقيد الحق في الحصول على المعلومات المنصوص عليه في الفقرة الأولى من الفصل27، بتوفر شرطين  أساسيين :

  –  الشرط الأول: أن يكون التقييد بمقتضى القانون (أي تشريع صادر عن البرلمان)

– الشرط الثاني: بأن يتعلق التقييد بإحدى المجالات المحددة على سبيل الحصر ومنها :

أ- حماية  كل ما يتعلق بالدفاع الوطني؛

ب- حماية أمن الدولة الداخلي والخارجي؛

ج- حماية الحياة الخاصة للأفراد؛

د- الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية الدستورية؛

ه- حماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة.

وقد كرس قانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات هذه القيود الواردة في الدستور من خلال المادة السابعة منه التي حددت المجالات التي يطالها الاستثناء من الحق في الحصول على المعلومة، بحيث انصبت الاستثناءات المرتبطة بمصالح الهيئات والمؤسسات على المعلومات المتعلقة بالعلاقات الخارجية للدولة مثل العلاقات التي يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق الضرر بالعلاقات مع دولة أخرى أو منظمة دولية حكومية.

وإما المعلومات المتعلقة بالسياسة النقدية أو الاقتصادية أو المالية للدولة أو حقوق الملكية الصناعية أو حقوق المؤلف أو الحقوق المجاورة. 

أوالمعلومات المتعلقة بتدبير المساطر الجنائية كحقوق ومصالح الضحايا والشهود و الخبراء في جرائم معينة.

كما أنه من الاستثناءات ما هو متصل بالدفاع الوطني وأمن الدولة الداخلي والخارجي إعتبار لحساسية المعلومات المتعلقة بها والتي قد تأثر على استقرار البلاد وسيادتها مما يبرر إحاطتها بنوع من السرية اللازمة وكمثال على ذلك مواقع تمركز الجيوش والعتاد المتوفر والخطط الأمنية المزمع إتخاذها.

وهي استثناءات تبررها الحفاظ على المصالح الدولة الأساسية مما يقتضي حجب المعلومات المرتبطة بها.

خاتمة:

 إذا كانت الحدود تضيق في أحيان كثيرة خاصة في مجتمع العولمة بين ما يدخل من الأخبار في نطاق الحياة العامة، والتي يبقى نشرها وتداولها أمر يخدم المجتمع، وبين ما هو متصل بالحق في الخصوصية و يمس حميمية الأفراد والتي يبقى استقصائها وتداولها أمر يضر بمصالح الفرد والمجتمع، فإن المعمول عليه هو اجتهاد المشرع في إصدار قوانين تحقق التوازن المنشود بين حرية الصحافة وحماية الحق في الخصوصية، ليتسنى للقضاء الفصل في كل تعسف في ممارسة حق على حساب حق آخر.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً