الرئيسية أقلام المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون 17.95

المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون 17.95

6 يناير 2020 - 11:37
مشاركة

المعلومة القانونية – ذ. هشام أزكاغ

  • دكتور في الحقوق
  • حاصل على الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة

 تقديم:

اقتضت أهمية شركات المساهمة إنشاء جهاز لرقابة الأعمال و الحسابات حماية للشركة و المساهمين أنفسهم الذين يتعذر عليهم ممارسة الرقابة بصورة جدية، حيث يحول تعقد المسائل الحسابية دون إمكانية قيامهم بفحص حسابات الشركة، من هنا جاء إحداث مؤسسة مراقبي الحسابات[1] للسهر على مراقبة حسابات الشركة و إمداد المساهمين بالمعلومات اللازمة و كذا تمكينهم من الاطلاع على وضعية الشركة[2].

وقد نظم المشرع المغربي مهنة الخبرة المحاسبية تنظيما خاصا بموجب ظهير 08 يناير 1993، حيث حدد هذا الأخير الشروط الواجب توافرها في الشخص لكي يزاول مهنة خبير محاسبي[3]، وبالرجوع إلى المادة الأولى من هذا الظهير يتضح أن من بين المهام التي يقوم بها الخبراء المحاسبين نجد مهمة مراقبة حسابات الشركة.

وحسب المادة 159 من قانون شركات المساهمة استوجب  المشرع المغربي في فقرته الأولى ضرورة تعيين في كل شركة مساهمة مراقب أو مراقبين للحسابات، كما يحق لكل مساهم[4] أو عدة مساهمين يمثلون ما لا يقل عن 10 % من رأسمال الشركة أن يتقدموا بطلب إلى رئيس المحكمة التجارية بصفته قاضيا للأمور المستعجلة من أجل تعيين خبير أو عدة خبراء، وهو الأمر الذي كرسه الاجتهاد القضائي المغربي في إحدى القرارات[5] الصادرة عن محكمة النقض “المجلس الأعلى سابقا” بتاريخ 21 يوليوز 1999، إذ جاء في حيثياته: ” حيث إن الطلب الرامي إلى تعيين خبير لمعاينة حسابات الشركة لا يخرج من نطاق اختصاص قاضي الأمور المستعجلة طالما أنه إجراء وقتي و لا يمس حقوق المساهمين في التركة بل الغاية منها التثبت في حالتها و إجراء تحقيق عليها بعد النزاع الذي نشب بين المساهمين، و أن استصدار أمر استعجالي بانتداب خبير مكلف للقيام بهذا الإجراء ليس فيه ما يخالف النصوص القانونية المنظمة لكيفية إطلاع المساهم على حسابات الشركة، وأن هذا الإجراء لا يهدف إلى إجراء المحاسبة التي يرجع اختصاص البث فيها إلى  قضاة الموضوع، وإنما هو إجراء وقتي تفرضه طبيعة النزاع القائم بين الطرفين، و يحق للمساهم حق مراقبة أعمال الشركة “.

و يعهد لهؤلاء المراقبين المحاسبين مهمة مراقبة و تتبع حسابات الشركة، وما يجب التأكيد عليه هو أن القانون رقم 20.05 المعدل و المتمم للقانون 17.95 جاء ليدعم دور مراقبي الحسابات ويطبعه بفعالية أكبر، خاصة بالنسبة للشركات التي تدعو الجمهور للاكتتاب في أسهمها، وقد استهدف المشرع المغربي من خلال مقتضى المادة أعلاه، جعل مراقبي الحسابات أداة للمراقبة من خارج الشركة قصد التصدي لمختلف الممارسات غير القانونية التي قد تكون على مستوى التسيير، وذلك من أجل خلق المناخ المناسب القادر على جلب الاستثمارات الوطنية و الأجنبية [6]، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت السياسة الجنائية المرتبطة بالشركة محكومة بشروط و ضوابط تناسب مجال سوق الأعمال وما يميزها من خصوصيات[7].

وإذا كان مراقب الحسابات يضطلع بدور مهم في التصدي لجميع الممارسات الاحتيالية التي قد يقوم بها مسيرو الشركة، فإنه هو الآخر لم يسلم من إمكانية مساءلته جنائيا بموجب النصوص الزجرية المضمنة في قانون شركات المساهمة، إذ احتوى القسم الرابع عشر في بابه السادس على مجموعة من المقتضيات المتعلقة بالمخالفات التي قد يرتكبها مراقبو حسابات الشركة ، و قبل الحديث عن هذه المخالفات (المطلب الثاني) يمكننا أن نتطرق لدور مراقب الحسابات في الكشف عن الجرائم داخل الشركة (المطلب الأول).

المطلب الأول: دور مراقب الحسابات في الكشف عن الجرائم داخل الشركة

أضحى مراقب الحسابات بمقتضى قانون شركات المساهمة[8] جهازا فعالا بفضل الضمانات التي خولها له هذا القانون، إذ لم يعد يقتصر دوره في المهام التقنية فقط، والمتمثلة في مراقبة الحسابات، بل إن التطورات الاقتصادية والسياسية فرضت ضرورة منح مراقب الحسابات دورا هاما بهدف مراقبة مدى مشروعية الأفعال و التصرفات التي تتم داخل الشركة، والتبليغ عنها في حالة ما إذا اكتست هذه الأفعال الصبغة الجرمية[9].

وبهذا فإن مراقب الحسابات يلعب دورا أساسيا في اكتشاف الأفعال الجرمية المرتكبة داخل شركة المساهمة من خلال إلزامه وفق ما جاء به المشرع المغربي في المادة 405 من قانون 17.95 بضرورة تبليغه لتلك الأفعال للجهاز الإداري للشركة، مما يمكن اعتباره بمثابة الدركي الساهر على كل الأعمال التي تقوم بها الشركة، غير أن هذا الدور قد لا يتحقق في ظل المعيقات التي تطرحها المادة السالفة الذكر، و لنا موقف على هذه الأخيرة سوف نوضحه فيما سيأتي.

و عليه فإن دراسة إلزامية مراقب الحسابات بالتبليغ عن الجرائم المقترفة داخل الشركة تحت طائلة مساءلته جنائيا يستوجب منا الوقوف بداية عند موقف المشرع المغربي بهذا الخصوص (الفقرة الأولى)، على أن نتطرق فيما بعد لنظرة  التشريع الفرنسي (الفقرة الثانية) .

الفقرة الأولى: مكانة مراقب الحسابات في التشريع المغربي

يلعب مراقب الحسابات دورا مهما في ضبط أعمال الشركة من خلال المهام المسندة إليه، والتي تجعل منه بلا شك حارسا أمينا يضمن نزاهة التصرفات و المعاملات المنجزة داخل الشركة، باعتباره الخبير المطلع على أسرار وخبايا الشركة [10].

ولتحقق كل هذا فإن المشرع المغربي، حاول منح مراقب الحسابات مجموعة من الصلاحيات، التي تخوله القيام بدوره الرقابي على عمليات الشركة المتمثل في فحص و تدقيق حسابات الشركة، وكذا إحاطة علم مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة الجماعية و مجلس الرقابة بكل الأفعال والخروقات التي يتم اكتشافها داخل الشركة قصد التصدي لكل الممارسات المنافية للقانون، وهذا هو ما كرسته المادة 169[11] من قانون شركات المساهمة ، حيث أكد من خلالها المشرع المغربي في بندها 5 على أن مراقب الحسابات يجب عليه إعلام مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة الجماعية و مجلس الرقابة بكل الأفعال التي بلغت إلى علمه أثناء مزاولة مهامه، وبدا له أنها تكتسي صبغة جرمية تحت إمكانية مساءلته جنائيا[12].

ويعتبر هذا من بين المستجدات التي جاء بها المشرع المغربي من خلال القانون رقم 20.05 المعدل و المتمم لقانون شركات المساهمة في بابه السادس الخاص بالمخالفات المتعلقة بمراقبة الشركة[13]، هذا بخلاف ما نص عليه مشروع ق.ش.م في صيغته الأصلية، حيث تبنى مبدأ إلزام مراقب الحسابات بإبلاغ النيابة العامة عن جرائم الشركات، ولفهم أسباب هذا التراجع فإنه لا بد من الرجوع إلى ما راج بقبة البرلمان، ونذكر في هذا الباب أن السيد وزير الخوصصة آنذاك اعتبر أن مهنة مراقب الحسابات هي مهنة خطيرة لما تتضمنه من مسؤوليات وتبعات، وأكد أن إلزام هذا الأخير بمهمة إخبار النيابة العامة بالجرائم المكتشفة من قبله أسندت له حتى يتمكن من إبلاغ النيابة العامة بكل جريمة دون إعطاءها أي تكييف قانوني، وذلك حتى يتسنى للقضاء القيام بدوره ، غير أنه سرعان ما تم التراجع من قبل البرلمان عن مقترح تدعيم آلية كشف مراقب الحسابات عن الجرائم المكتشفة من طرفه داخل الشركة من خلال إبلاغه النيابة العامة، و يمكن تبرير هذا التراجع بعدة مبررات، من بينها تعارض هذا المقتضى مع مصالح رجال الأعمال، فهذه الفئة تتمتع بتمثيلية مهمة داخل البرلمان [14].

كما يمكن أيضا تبرير عدم تطبيق مبدأ مساءلة مراقب الحسابات جنائيا بسبب عدم إخباره النيابة العامة عن الخروقات المكتشفة من قبله داخل الشركة على أنه من غير المستبعد أن يكون هذا ناتج عن ضغط هيئة المحاسبين التي لم ترغب أن تثقل كاهل مراقب الحسابات بمهام قد تكون لها آثار سلبية على المستقبل المهني لمراقبي الحسابات، كالتردد في تعيين مراقب حسابات سبق له أن قام بتبليغ النيابة العامة عن أفعال جرمية بشركة كان معينا بها بصفته مراقبا للحسابات[15].

ويرى الأستاذ أحمد شكري السباعي بأن قيام مراقب الحسابات بتبليغ النيابة العامة مباشرة بمناسبة اكتشافه للأفعال المرتكبة داخل الشركة يجعله في وضعية صعبة، ذلك أنه يعد بمثابة مدافع عن مصالح المساهمين، و ليس مساعدا للسلطة القضائية [16].

وفي اعتقادنا نرى أن عدم إسناد المشرع المغربي لمراقب الحسابات إمكانية التبليغ عن الأفعال والتصرفات الغير المشروعة المرتكبة داخل الشركة ، و اقتصاره على تبليغ الجهاز الإداري، يترتب عنه ضعف الدور الرقابي لهذا المراقب، فالأمر يتطلب منح الاستقلالية التامة لمراقب الحسابات في التبليغ عن الأفعال المرتكبة إلى جهاز النيابة العامة، و ليس بجعله رهينا بتبليغ الجهاز الإداري للشركة، لأن هذا الأخير قد يكون نفسه محل المساءلة الجنائية مما يستوجب تحريك و رفع الدعوى ، إلا أنه ما يثير الانتباه هنا هو كيف يعقل أن يكون الجهاز الإداري للشركة قد قام بخرق قانوني و كونه يكتسي طبيعة جرمية و يقدم هذا الجهاز بالتبليغ عن نفسه ؟ ، و لهذا فإن عدم تفعيل آلية الكشف عن الجريمة المرتكبة داخل الشركة من شأنه أن يؤدي إلى عدم نجاعة وتفعيل النصوص المضمنة بقانون شركات المساهمة[17].

الفقرة الثانية: مكانة مراقب الحسابات في التشريع الفرنسي

يختلف المشرع الفرنسي عن نظيره المغربي في تحديد الجهة الواجب تبليغها من طرف مراقب الحسابات في حالة اكتشاف هذا الأخير لأفعال ذات صبغة جرمية داخل الشركة، و عليه فإذا كان المشرع المغربي قد اكتفى بضرورة إبلاغ مراقب الحسابات لأجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير نتيجة اكتشافه لخروقات وأفعال ذات صبغة جرمية، فإن المشرع الفرنسي[18] له توجه مغاير تماما، إذ ألزم مراقب الحسابات بضرورة تبليغ وكيل الجمهورية أي جهاز النيابة العامة كسلطة قضائية بالأفعال الجرمية، التي يتم اكتشافها أثناء مزاولة مهامه، و إذا كان المشرع المغربي قد أكد في المادة 169 في بندها الخامس من قانون 17.95 على أنه : ” يحيط مراقب أو مراقبو الحسابات مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة الجماعية ومجلس الرقابة علما كلما تطلب الأمر ذلك : … 5 – كل الأفعال التي بلغت إلى علمهم أثناء مزاولة مهامهم و بدا لهم أنها تكتسي صبغة جرمية “، فهذا النص مأخوذ من المادة 233 من مدونة التجارة الفرنسية الصادرة بتاريخ 24/07/1966، والذي نص على أنه : “…علاوة على ذلك يبلغ للنائب العام للجمهورية الأفعال الإجرامية التي يعلم بها دون إمكانية إثارة مسؤوليته من جراء هذا التبليغ “، و بناء عليه فإن الفرق الجوهري بين هذين التشريعين يتمثل في الجهة التي يتحتم على مراقب الحسابات تبليغها في حالة اكتشافه لأفعال ذات صبغة جرمية داخل الشركة، و لا شك أن هذا الاختلاف تترتب عنه نتائج و آثار متباينة [19].

و لقد أثار إلزام المشرع الفرنسي مراقب الحسابات بتبليغ النيابة العامة ردود فعل مختلفة لدى الفقه الفرنسي، بين مؤيد و معارض لهذا الإلزام ،و قد استند الاتجاه الرافض[20] إلى أن المشرع الفرنسي ألقى على عاتق مراقب الحسابات عبء القيام بدور الواشي داخل الشركة، بحيث يمكن لهذا الأخير  وهو الذي ينتمي إلى مهنة حرة  أن ينحرف عن دوره المتمثل في مراقبة حسابات الشركة إلى دور رجل الشرطة، كما اعتبر هذا الاتجاه أن تكليف مراقب الحسابات بالإبلاغ عن الجرائم المكتشفة من قبله تحت طائلة العقاب الجنائي هو أمر يؤدي إلى عدم استقلاليته، حيث يجعل مراقب الحسابات يبتعد عن مهامه الأساسية بسبب انشغاله بمراقبة تصرفات المسيرين، هذا فضلا عن أنه قد يعرض سمعة الشركة ومسيريها للمخاطرة بمجرد بعض الشكوك ،كما يسيء إلى علاقات المراقب بالمديرين وأعضاء الجهاز الإداري للشركة.

و في المقابل فقد رأى الاتجاه المؤيد[21] لتوجه المشرع الفرنسي إلى اعتبار أن تكليف مراقب الحسابات  بمهمة إبلاغ النيابة العامة يوفر الحماية الحقيقية للادخار العمومي، و هذا من شأنه أن يخضع الشركات لمراقبة صارمة و ناجعة تحيط المستثمر و الغير المتعامل مع الشركة بالضمانات اللازمة، فهذا الإلزام أفضل ضمان يمكن أن يمنح للمساهمين و يبرهن على جودة عمليات المراقبة، إضافة إلى أن مراقب الحسابات هو المرشح الأول لضبط الخروقات أكثر من أي جهاز آخر .

كما أكد هذا الاتجاه أن الالتزام المذكور من شأنه أن يكرس استقلالية مراقب الحسابات في مواجهة أعضاء الجهاز الإداري للشركة، و من شأنه كذلك تقوية سلطاته، و لعل هذا الواجب الملقى على عاتق مراقب الحسابات يمكنه من اكتشاف الانحرافات و التصرفات الخطيرة داخل الشركة مما يستلزم التدخل الفوري لإيقافها، و بهذا تعد هذه المهمة الملقاة على عاتق مراقب الحسابات الوسيلة الفعالة لكشف الجرائم في أقرب الأوقات، و التي غالبا ما تبقى مستورة وخفية في حالة ما إذا تم تجريد مراقب الحسابات  من هذا الالتزام[22].

و في اعتقادنا أن المشرع الفرنسي يكون قد رغب من خلال إلزام مراقب الحسابات بالإبلاغ عن الأفعال الجرمية المرتكبة داخل الشركة إلى النيابة العامة تفعيل النصوص الزجرية المضمنة بقانون الشركات، وكذا رغبة منه في تفادي وتجنب التواطؤ الذي يمكن أن يكون بين أعضاء الجهاز الإداري للشركة ومراقب الحسابات، وكذا تمتيع مراقب الحسابات بسلطة كافية قصد تمكينه من  ممارسة مهامه على أحسن وجه، كما أنه يعتبر الجهاز الوحيد و الأقرب لضبط الخروقات التي تحدث داخل الشركات، زيادة على أن الطبيعة التقنية لجرائم الشركات لا يمكن اكتشافها من طرف الشرطة القضائية، حيث يستلزم الأمر مراقبة دقيقة باعتبار أنها تتعلق في الغالب بالمسائل الحسابية التقنية، وهذا الدور لا يمكن أن يقوم به إلا مراقب الحسابات .

 

المطلب الثاني: نماذج من الجرائم المتعلقة بمهام مراقب الحسابات

منح المشرع المغربي في قانون 17.95 لمراقب الحسابات مجموعة من الصلاحيات المهمة بالنظر لما تلعبه شركات المساهمة من دور على مستوى ازدهار الأنشطة الاقتصادية، على أن ذلك لا يمنع من تحميل مراقب الحسابات  للمسؤولية عن كل إخلال بواجبه، على اعتبار أن هذه الشركات تلتقي فيها العديد من المصالح، سواء تلك المرتبطة بالمساهمين أو بالأغيار أو بالمجتمع ككل.

و لما كانت بعض مهام مرقبي الحسابات تستهدف بالأساس حماية تلك المصالح[23]، فإن المشرع المغربي قام من خلال قانون 17.95 بتجريم مجموعة من الأفعال التي قد يقوم بها هؤلاء المراقبين في إطار  ممارستهم للمهام الموكولة إليهم مع ترتيب عقوبات عليها ، من خلال تخصيص المواد من 403 إلى 406 للمخالفات المتعلقة بمراقبة الشركة التي تم من خلالها تجريم مجموعة من الأفعال منها ما يتعلق بجنحة عدم تعيين مراقب الحسابات[24] من طرف أعضاء أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير لشركة المساهمة ، وجنحة عدم توجيه الدعوة لمراقبي حسابات الشركة لحضور جمعيات المساهمين التي تتطلب تقديم تقرير من طرف الجهاز الإداري للشركة[25]، وكذلك الحالة التي يكون فيها مراقب الحسابات في حالة التنافي[26]، كما أن هناك جنحة عدم إشعار مراقب الحسابات بالأفعال الجرمية إلى الجهاز الإداري للشركة.

وبناء على ذلك فإننا سنقتصر في دراستنا على كل من جنحة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة بشأن وضع الشركة (الفقرة الأولى)، وكذا جريمة إفشاء السر المهني من طرف مراقب الحسابات (الفقرة الثانية) .

الفقرة الأولى: الجنحة المتعلقة بتقديم أو تأكيد معلومــــات كاذبة بشأن وضع الشركة

تجد هذه الجنحة أساسها القانوني في المادة 405 من قانون 17.95، التي جاء من خلالها أن مراقب الحسابات الذي قدم أو أكد عن قصد إما باسمه الخاص أو بصفته شريكا في شركة لمراقبة الحسابات، معلومات كاذبة بشأن وضع الشركة يكون محل المساءلة الجنائية.

و لهذا فإننا سنتطرق بالتحليل و الدراسة لهذه الجنحة على مستوى ركنها المادي (أولا) و كذا ركنها المعنوي (ثانيا).

أولا- الركن المادي لجنحة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة بشأن وضع الشركة :

يتضح من خلال المادة 405 من قانون 17.95 أن عناصر تحقق الركن المادي لهذه الجنحة يتمثل في ثلاث عناصر: أولها تقديم أو تأكيد معلومات حول وضع الشركة، و ثانيا أن تكون هذه المعلومات كاذبة، وثالثا ورود المعلومات حول وضع الشركة .

العنصر الأول: تقديم أو تأكيد معلومات حول وضع الشركة

إذا كانت المادة 405 من قانون 17.95 صريحة بخصوص معاقبة مراقب الحسابات الذي يقدم أو يؤكد معلومات كاذبة حول وضع الشركة، و لهذا فإن التساؤل الذي نطرحه في هذا الصدد يتعلق بخصوص إبداء المعلومات شفهيا، فهل تمتد المساءلة الجنائية في حق مراقب الحسابات بهذا الشأن؟ أم أن تحقق هذه المساءلة ينصرف فقط إلى المعلومات المضمنة كتابة ؟

يمكننا القول بأن مراقب الحسابات يتحمل كامل المسؤولية حول الملاحظات و المعلومات التي يبديها كلما طلب منه ذلك بكيفية فردية تجاه المساهمين في اجتماع الجمعية العامة، وبالتالي فإنه يستلزم عليه الرد على جميع الاستفسارات و التوضيحات الموجهة إليه، و التي لها علاقة بوضعية الشركة بحكم المهام الرقابية التي يمارسها داخل الشركة .

و عليه فإن المشرع المغربي في المادة 405 من قانون 17.95 يعتد بالفعل الجرمي أيا كان الشكل الذي اتخذه، فقد تعطى المعلومات كتابة أو شفاهة ، وإن كان يغلب أن يتم إعطاء هذه المعلومات مكتوبة ، كما هو الشأن بالنسبة للتقرير الذي يوجهه مراقب الحسابات إلى الجمعية العامة، كما قد تعطى تقديم المعلومات شفاهة، ومثال ذلك العرض الذي يلقيه مراقب الحسابات حول وضعية الشركة أمام أعضاء مجلس الإدارة ، وفي كلتا الحالتين فإن جريمة إعطاء أو تأكيد معلومات كاذبة تتحقق إن توفرت بجانبها شروط أخرى.

كما يثار بخصوص هذه الجنحة تساؤل في حالة سكوت مراقب الحسابات أي تجسيد فعله المادي هنا في حالة امتناع و ليس سلوكا إيجابيا، فهل يمكن معاقبته هنا ؟ أم أن الأمر ينصرف إلى الفعل المادي المتمثل في سلوك إيجابي ؟

في هذا الجانب يذهب أحد الباحثين[27] إلى التأكيد أن قيام النشاط الإجرامي لجريمة المعلومات الكاذبة في حالة سكوت مراقب الحسابات يتوقف على مدى اتجاه إرادته إلى تأكيد المعلومات الواردة في تقرير التسيير، فإذا كان مراقب الحسابات عالما بهذه المعلومات و سكت عنها بعدم تفنيدها وتكذيبها فإنه يماثل فعله هذا الفعل الإيجابي المتمثل في تأكيد هذه المعلومات، و بالتالي يستحق هنا توقيع الجزاء عليه .

و إننا نساير هذا الموقف على اعتبار أن مهمة مراقب الحسابات تقوم بالأساس على ضبط كل الخروقات التي قد تمس مصلحة الشركة، و من تم يجب معاقبة مراقب الحسابات الذي يلتزم الصمت في حالة علمه بكون هذا الأمر الوارد حول وضعية الشركة يشكل خرقا قانونيا ، كما في حالة علم هذا الأخير بالمعلومات الكاذبة التي تتضمنها الدفاتر والأوراق المحاسباتية الممسوكة من قبل الشركة، و التزم مراقب الحسابات هنا بالموقف السلبي و سكت عن تفنيد و تكذيب صحة هذه المعلومات، ففي هذه الحالة  يكون هنا هذا الأخير قد أتى بفعل يحقق جنحة إعطاء أو تأكيد معلومات كاذبة حول وضع الشركة ، ومن تم فإن مراقب الحسابات يجب عليه إعلام أعضاء أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير لشركة المساهمة بكل الوقائع الغير المطابقة للقانون ، و إن كان يصعب عمليا بطبيعة الحال التأكد من نية مراقب الحسابات الذي التزم الصمت، و مدى علمه فعلا بكون هذه المعلومات تشكل خرقا قانونيا، مما يتوجب معه إعلامه الأجهزة الإدارية للشركة .

لكن التساؤل الذي يطرح هنا يتعلق بتحديد الجهة التي يكون تقديم المعلومات الكاذبة إليها من طرف مراقب الحسابات يكون فعلا إجراميا ؟

و بالرجوع إلى المادة 405 من قانون شركات المساهمة يتضح أن المشرع المغربي لم يقم بتحديد الجهة التي يقدم أو يؤكد لها مراقب الحسابات المعلومات الكاذبة، وعلى ذلك يستوي أن تكون تلك الجهة جمعية عمومية، أو مساهم[28]، أو مجلس القيم المنقولة[29] أو أيا كان من حيث المبدأ[30]، على اعتبار أن التعبير في هذه المادة جاء عاما و مطلقا ، وفي هذا الإطار يرى بعض الفقه الفرنسي[31] أن الجريمة تقع أيا كان الشخص التي قدمت إليه المعلومات الكاذبة، فيستوي في ذلك أن تقدم إلى المساهمين سواء مجتمعين في الجمعية العامة أو بصفة فردية، أو إلى أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير، أو إلى الغير، بل وأكثر من ذلك فإن الفقيه الفرنسي “إيسيل” يعتبر أن مراقب الحسابات ليس بإمكانه إجراء أي اتصالات خارج نطاق الجمعية العامة مع المساهمين كفرادى أو بالأحرى مع الأغيار، فمراقب الحسابات يعد وكيلا عن الأغلبية حسب النظرية العقدية لشركة المساهمة مما يفرض عليه خدمة  مصلحة هذه الأخيرة بصفة عامة، ومراقبة تسييرها القانوني خدمة للاقتصاد الوطني وفقا للنظرية المؤسساتية أو النظامية للشركة، و لهذا السبب يرى هذا الاتجاه الفقهي أنه يجب منع مراقب الحسابات من الإجابة على الأسئلة الشفاهية الصادرة عن المساهمين و الأغيار[32].

العنصر الثاني: أن تكون هذه المعلومات كاذبة

لكي تتحقق جريمة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة حول وضعية الشركة، فإن الأمر يستوجب بحسب هذا التعبير ضرورة قيام مراقب الحسابات بفعل مادي يتمثل في تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة، و لهذا فإننا نتساءل عن طبيعة المعلومات التي قصدها المشرع المغربي في إطار المادة 405 من قانون 17.95 ؟

انقسم الفقه في فرنسا بشأن تحديد المقصود من كلمة” المعلومات” إلى قسمين، الاتجاه الأول[33] يتزعمه “دلماس مارتي” الذي يرى أن كلمة “معلومات informations” تشمل المعلومات المالية و المحاسبية المتعلقة بالشركة فقط، في حين يعتبر الاتجاه الثاني[34] أن سلفه يضيق من نطاق تجريم ومتابعة مراقب الحسابات، و يتعارض مع عمومية النص الذي يتحدث عن أية معلومات حول وضعية الشركة، ومع مهام مراقب الحسابات الذي يتعدى الرقابة على أموال وحسابات الشركة.

و من وجهة نظرنا، فإننا نعتقد أن كلمة ” المعلومات ” الواردة في المادة 405 من قانون 17.95 تشمل جميع المعلومات التي يطلع عليها مراقب الحسابات أثناء قيامه بمهامه باعتباره الحامي للشركة، لذا يجب عليه أن يسهر على حسن سير عمل الشركة ، و بالتالي عليه إثارة كل التصرفات التي من شأنها الإخلال باستقرار الشركة، و ذلك حماية لمصلحة هذه الأخيرة و حماية للاقتصاد الوطني .

العنصر الثالث: ورود المعلومات حول وضع الشركة

يستلزم لتحقق جريمة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة أن تتعلق هذه المعلومات بوضع الشركة، لكن ما المقصود بعبارة” وضع الشركة” التي أوردها المشرع المغربي في المادة 405 من قانون 17.95 ؟

و جوابا على هذا السؤال يرى الفقيه الفرنسي ” كونستاتين” أن مراقبي الحسابات ملزمون بتقديم معلومات ليس فقط حول الوضعية المالية و المحاسبية للشركة، و لكن كذلك حول عمليات هذه الأخيرة، فضلا عن مدى احترام أسهم الضمان وقاعدة المساواة بين المساهمين، و مدى سلامة العقود المبرمة مع المتصرفين، ثم الكشف عن الخروقات الحاصلة ،في حين يذهب الفقيهان ” كيون” و”كوكيرو” إلى أن المقصود ب “وضع الشركة” الواردة في القانون الفرنسي هو الوضع المحاسبي أو المالي للشركة، وهو الوضع الذي يتصل بمهمة مراقبي الحسابات، وعليه فالفعل الجرمي لتقديم أو تأكيد معلومات كاذبة حول وضع الشركة لا يتم إلا إذا قام مراقب الحسابات بالخروج عن نطاق مهمته و قيامه بتقييم غير صحيح عن التسيير معتمدين في ذلك على مبدإ عدم تدخل مراقب الحسابات في أمور التسيير [35].

في حين هناك اتجاه ثان[36] ينتقد ما جاء به سلفه على اعتبار أن هذا الأخير يضيق من نطاق التجريم و يتنافى مع  الدور المقرر لمراقب الحسابات، و الذي تعدى الرقابة على أموال و حسابات الشركة، كما يتعارض مع عمومية النص الذي يتحدث عن أية معلومات حول وضع الشركة، ويعتقد أنصار هذا الاتجاه أنه يكفي لتحقق الجريمة أن تكون المعلومات المتعلقة بالشركة متصلة بمهمة مراقب الحسابات، و لا يهم بعد ذلك نوع هذه المعلومات، أما ما يخرج عن نطاق مهمة مراقب الحسابات فلا تقع به جريمة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة حول وضع الشركة، فهذا الاتجاه قد وسع في توجهه حين اعتبر أن الجريمة تقع حتى و لو وردت المعلومات الكاذبة حول إدارة الشركة و حول الآفاق المستقبلية لها من قبل مراقب الحسابات، إذ أنه لا يمكن لهذا الأخير تقييم تسيير الشركة دون إيراد أرقام، حيث أنه في هذه الحالة يتحدث مراقب الحسابات عن وضعية الشركة.

وبالرجوع إلى المادة 405 من قانون 17.95 فإنه يظهر لنا أن عبارة ” وضع الشركة” جاءت عامة، وهو ما يؤكد لنا أن المشرع المغربي لم يحدد لنا طبيعة و نوعية المعلومات التي يجب أن تكون كاذبة حتى تتحقق لنا جنحة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة حول وضع الشركة من طرف مراقب الحسابات، ومن جانبنا نعتقد أن مراقب الحسابات يجب عليه إثارة كل المعلومات التي لها علاقة بممارسة مهامه، والتي يرى أنها قد تنعكس سلبا على سير الشركة، و بالتالي فإن كل المعلومات التي لا تندرج ضمن اختصاصات مراقب الحسابات فإنها تخرج من نطاق المادة 405 من قانون 17.95 .

وعليه فإن العناصر المكونة للعنصر المادي لجنحة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة بشأن وضع الشركة تتمثل في إعطاء أو تأكيد معلومات وأن تكون هذه المعلومات كاذبة كما يستوجب أن تتعلق بوضعية الشركة وهي نفسها التي أكدها  القضاء المغربي في حكم[37] صادر عن المحكمة الزجرية لدار البيضاء بتاريخ 14/04/2016 والذي تمت فيه تبرئة المتهم من جنحة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة بشأن وضع الشركة في ظل انتفاء عناصرها المكونة لركنها المادي و بمؤاخذته من أجل جنحة خرق حالات التنافي القانونية .

و إذا كان هذا كل ما يتعلق بالركن المادي لجنحة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة حول وضع الشركة، فإننا نتساءل عن ركنها المعنوي المستلزم تحققه قصد العقاب على هذه الجنحة؟

ثانيا: الركن المعنوي لجنحة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة بشأن وضع الشركة

اشترط المشرع المغربي لتحقق جريمة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة من جهة مراقب الحسابات، ضرورة توافر ركن معنوي يتخذ صورة القصد الجنائي، وهو ما يستفاد من عبارة “عن قصد” الواردة في المادة 405 من قانون 17.95، مما يوحي بكل جلاء أن هذه الجنحة تعد من الجنح العمدية التي تستلزم توفر قصد جنائي بعنصريه العلم و الإرادة، و إن كان الجهل من المفترض ألا يحقق الجريمة بطبيعة الحال، إلا أنه بالنسبة لمراقب الحسابات الذي يعد شخصا مهنيا يشترط فيه التوفر على شروط محددة، قصد ممارسة هذه المهنة، و من تم فإن الجهل من لدنه يقترب من القصد و لن يفسر إلا كقصد جنائي[38].

غير أنه يثار في هذا الإطار تساؤل بخصوص مدى إمكانية استناد مراقب الحسابات إلى إهماله أو تقصيره بمناسبة تأديته لمهامه من أجل نفي المسؤولية الجنائية عنه ؟

و إجابة على ذلك يرى الفقيه ” كونستاتين” بأن الإهمال أو التقصير و عدم الكفاءة ، ولو أنها تكون أخطاء مهنية فإنها مع ذلك لا تستوجب فرض عقوبات جنائية[39]، في حين سار اتجاه قضائي فرنسي[40] أن مراقب الحسابات الذي وافق مع علمه على الميزانيات غير الصحيحة، و قيامه بالإشهاد على الميزانيات الخاطئة لسنتين متتاليتين لا يمكن أن يكون نتيجة غلط بسيط أو إهمال أو عدم اليقظة، وعليه فإن عدم اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة من طرف مراقب الحسابات، يجعل هذا الأخير في مرتبة كما لو قام بالفعل وهو ذا نية سيئة، فمراقب الحسابات تفترض فيه الخبرة والكفاءة، و لا مجال له لارتكاب أي خطأ بمناسبة تأدية مهامه .

و نعتقد أن مراقب الحسابات لا يمكن له التخلص من مسؤوليته الجنائية بداعي التقصير أو نتيجة إهماله، وذلك على اعتبار أن مراقب الحسابات يفترض فيه أن يكون على دراية تامة بالاختصاصات المسندة إليه فهو يكون على علم تام بحدود مهامه .

الفقرة الثانية : إفشاء السر المهني من طرف مراقب الحسابات

نظرا للمركز الخاص الذي يحتله مراقب الحسابات داخل شركة المساهمة، إذ يعد جهازا على علم بجميع أسرار الشركة، إلا أننا نجد أن المشرع المغربي قد قام بتقييد مراقب الحسابات بالالتزام بالسر المهني تحت طائلة العقاب الجنائي ، ذلك أن الشركة تعتبر بمثابة كتاب مفتوح أمام مراقب الحسابات، فهذا الأخير يقف على أسرارها التجارية و يقف على حقيقة مركزها المالي، و يحيط بالصعوبات التي يمكن أن تواجهها، و هذه كلها مسائل لو علم بها الغير من منافسي الشركة مثلا، أو مورديها أو دائنيها لتسببت في إضعاف مركزها التنافسي في السوق، ولهذا فإنه كان من الطبيعي أن يفرض المشرع على مراقب الحسابات الالتزام بالمحافظة على سر المهنة قصد حماية المشروعات الخاضعة لمراقبته، و ليحقق نوعا من التوازن بين حق مراقب الحسابات في الإطلاع على أوضاع الشركة المالية و الاقتصادية، وحق الشركة تجاهه في المحافظة على أسرارها والحيلولة دون وصولها إلى علم الغير[41].

و هكذا نجد أن المشرع المغربي قد أقر بتطبيق الفصل 446 [42] من مجموعة القانون الجنائي على مراقب الحسابات وذلك طبقا لما جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 405 من قانون 17.95، و بقراءة ما جاء في الفصل 446 السالف الذكر و المادة 177 من قانون 17.95[43] يبدو واضحا أن مراقب الحسابات يعتبر من الأمناء على الأسرار[44]، كما حددت هذه الأخيرة بشكل جلي تلك الأسرار التي يلتزم مراقب الحسابات بكتمانها، و هي :” الوقائع و الأعمال و المعلومات التي يكون قد اطلع عليها بحكم ممارسته لمهامه”.

و بناء عليه، فإن السر الذي يخضع للحماية الجنائية لا يقتصر فقط على ما توصل به مراقب الحسابات صراحة من قبل الأجهزة المسيرة للشركة أو أي شخص آخر، و إنما يشمل أيضا كل ما توصل إليه هذا المراقب من معلومات أثناء أو بمناسبة أدائه لمهامه.

وكما رأينا في إطار جنحة تقديم أو تأكيد معلومات كاذبة بشأن وضع الشركة ، فإن جريمة إفشاء السر المهني من جانب مراقب الحسابات هي الأخرى تقوم على ثلاثة أركان، فبالإضافة إلى الركن القانوني الذي يتجسد في الفصل 446 من القانون الجنائي و المادة 405 من قانون 17.95، هناك ركنين أحدهما مادي (أولا) و آخر معنوي (ثانيا) .

أولا: الركن المادي لجريمة إفشاء السر المهني من جانب مراقب الحسابات

يرتكز الركن المادي لهذه الجريمة على ثلاثة عناصر أساسية و هي :

  • يجب أن يكون هناك سر ؛
  • يجب أن يطلع مراقب الحسابات على السر أثناء ممارسة مهامه ؛
  • يجب أن يتم إفشاء هذا السر .
  • – يجب أن يكون هناك سر :

يمكننا في البداية أن نحدد مفهوم “السر” الذي يلزم المحافظة عليه و عدم إفشائه من طرف مراقب الحسابات، فالسر المهني هو كل أمر لا ينبغي أن يصل إلى علم الغير، و يرى بعض الفقه الفرنسي[45] أن مفهوم “السر المهني ” لا يقتصر فقط على المعلومات الكاذبة و الأفعال التي تبقى غير معلومة لدى الكافة، بل إنه يعني كذلك الأفعال المعروفة التي لم تكتسب شهرة عامة ، إذا كان من شأن إفشائها أن يضفي عليها تأكيدا لم يكن لها من قبل، في حين هناك من اعتبر[46] أن السر المهني هو كل ما يعرفه الأمين أثناء أو بمناسبة ممارسة عمله، و يؤدي إفشاؤه إلى إلحاق ضرر بشخص، بالنظر لطبيعة السر أو إلى الظروف التي تحيط به.

و عليه ، يمكن القول أن مراقب الحسابات ملزم بالمحافظة على أسرار الشركة و عدم إفشائها للغير ما لم يجز القانون ذلك[47]، كما في حالة التبليغ للسلطات القضائية أو الإدارية المختصة، فمراقب الحسابات يتحمل مسؤوليته كاملة في حالة قيامه بإفشاء سر مهني، و كان هذا الأخير يندرج ضمن مهامه .

ب)- يجب أن يطلع مراقب الحسابات على السر أثناء ممارسة مهامه

لكي تتم متابعة مراقب الحسابات بجريمة إفشاء السر المهني، يتعين أن تكون للسر صلة بمهمة مراقب الحسابات، بمعنى أن يعلم به و يتعرف عليه بمناسبة قيامه بوظيفته لدى الشركة التي يراقب حساباتها، فوظيفته هذه تمكنه من الإطلاع على أمور تهم الشركة، والتي لا يمكن لغيره أن يعلم بها، فإذا كان المراقب قد تعرف على أمور تخص الشركة بواسطة شخص آخر غير مقيد بالسر المهني في مواجهة الشركة كصديق له أو مجرد كلام سمعه، فإن الجريمة هنا لا تقع، لأن المعلومات التي أفشاها ليست لها طبيعة ” السر المهني” بحكم عدم تعرفه عليها بمناسبة مزاولة مهنته، فارتباط المعلومات بمهنة مراقب الحسابات هي من الشروط الضرورية لقيام الجريمة، كما أن الحماية الجنائية[48] لا تقتصر على سرية الوقائع التي يكون ممثلو الشركة قد أطلعوا عليها مراقب الحسابات صراحة أو ضمنيا، و إنما تمتد إلى كل الوقائع التي يمكن من خلالها أن يعلم بها بحكم خبرته العلمية والفنية والعملية، في حين اعتبر “كونستاتين” أن السر المهني لمراقبي الحسابات يخص السر التجاري (secret de commerce)، بمعنى المعلومات التي يكون من شأن إفشائها الإضرار بالشركة من خلال إعطاء تفاصيل عن العمليات التي أبرمتها الشركة[49] .

و من وجهة نظرنا، فإنه بالتمعن في التعبير الذي جاء به المشرع المغربي في إطار المادة 177 من ق.ش.م يظهر لنا ضرورة تقيد مراقب الحسابات و مساعديه بالسر المهني فيما يتعلق بالوقائع والأعمال و المعلومات التي قد يطلعون عليها بمناسبة قيامهم بمهامهم على اعتبار أن مفهوم السر المهني بحسب المادة المشار إليها آنفا له معنى واسع، إذ يشمل جميع المعلومات التي يتوصل إليها مراقب الحسابات أثناء أو بمناسبة أداء مهامه، و بالتالي فإن السرية التي يلتزم بها مراقب الحسابات تتجاوز حدودها الضيقة ليكون لها مفهوم عام و شامل لكل المعطيات التي تهم الشركة .

ج)- يجب أن يتم إفشاء السر

إن الفعل الذي تقوم عليه جريمة إفشاء السر المهني هو فعل الإفشاء، و هو فعل إيجابي يقوم على البوح لأحد الأشخاص بسر من أسرار الشركة، و الإفشاء معناه كشف السر و إطلاع الغير عليه بأية طريقة، إذ أن المشرع لم يحدد كيفية معينة تفشى بها الأسرار، فالجريمة هنا تتحقق سواء كان الإفشاء كتابة أو شفاهة، أو بواسطة الهاتف أو النشر، أو عن طريق تدوينه في رسالة خاصة أو بتسجيله في شريط، وغير ذلك من الوسائل على اعتبار أن المشرع لم يشترط وسيلة معينة، وإنما قصد تجريم كل ما من شأنه أن يؤدي إلى إيصال السر إلى من ليست له الصفة في العلم به، ولا يشترط أن يكون الإفشاء كليا ، بل إن الجريمة تقع حتى و لو انصب الإفشاء  على جزء من السر، كما ليس من الضروري أن يكون الإفشاء علنيا، إذ يمكن أن يتم الكشف للغير عن سر معين في محادثة خاصة، ويستوي لتحقق الإفشاء أن يكون السر قد أفضي به إلى شخص واحد أو عدد غير محدد من الأفراد، كما ليس من اللازم أن يستهدف الإفشاء إلحاق الضرر بالذي يهمه السر[50].

ونعتقد من وجهة نظرنا بخصوص هذه المسألة أنه إذا كان مراقب الحسابات يجب عليه الالتزام أصلا بالسرية المهنية و عدم الإفشاء لأي شخص ليست له الصفة في العلم بالمعلومة الخاصة بالشركة، فإن هناك حالات تنفى من خلالها المسؤولية الجنائية عن مراقب الحسابات بإفشاء السر المهني، كالحالة التي خول من خلالها المشرع المغربي طبقا لما ورد في المادة 548 من م.ت لرئيس المحكمة بحق الاطلاع على جميع المعلومات التي تخص الوضعية الاقتصادية والمالية للشركة عن طريق مراقب الحسابات، وبالتالي فإنه لا يمكن متابعته بجريمة إفشاء السر المهني ، لأنه من حق رئيس المحكمة أن يستعين بشهادة مراقب الحسابات في هذا الإطار، ونفس الإمكانية أقرها المشرع المغربي في الفقرة الأخيرة من الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي.

 ثانيا: الركن المعنوي لجريمة إفشاء السر المهني من جانب مراقب الحسابات

تعد جريمة إفشاء السر المهني من الجرائم العمدية التي لا تقع إلا إذا توافر القصد الجنائي لدى مراقب الحسابات باعتباره أمينا على السر المهني، و من هذا المنطلق فقوام القصد الجنائي في هذه الجريمة هو إفشاء السر عمدا و إخلال مراقب الحسابات بالثقة التي وضعت فيه و بالمعلومات التي اطلع عليها أثناء قيامه بمهامه[51].

إلا أنه لقيام عنصر العمد في هذه الجريمة ليس من الضروري أن يكون مراقب الحسابات عازما على إلحاق الضرر بالشركة، فنية الإضرار لا تعتبر من العناصر اللازمة لتحقق جريمة إفشاء السر المهني، و هذا ما قضت به محكمة النقض الفرنسية[52]حينما اعتبرت أن إفشاء السر المهني يتحقق دون حاجة إلى إثبات قيام نية الإضرار لدى الفاعل، حيث إن الجريمة تقوم من الوقت الذي يتم فيه الإفشاء عن علم و إرادة بغض النظر عن توافر نية الإضرار من عدمها، لهذا فإنه بحسب هذا التعبير لا يهم الباعث الذي دفع مراقب الحسابات إلى إفشاء السر المهني في قيام القصد و الجريمة معا .

غير أنه يثار في هذا الإطار تساؤل مهم يتعلق بمدى إمكانية متابعة مراقب الحسابات في حالة إفشاء سر ما إما نتيجة إهمال أو نتيجة خطأ ؟

و جوابا على ذلك، يذهب أحد الفقه[53] أن جريمة إفشاء السر المهني من طرف مراقب الحسابات بالرغم من كونها تستوجب توافر ركن معنوي يتخذ فيها صورة القصد الجنائي، إلا أنه إذا وقع الإفشاء نتيجة خطأ ، فإنه لا تتحقق جريمة إفشاء السر المهني مهما كانت جسامة هذا الخطأ، كما في حالة سرقة الغير لملفات كانت في حوزة مراقب الحسابات، و التي تحتوي على معلومات دقيقة خاصة بالشركة[54]، أو نتيجة إهمال كما في حالة ترك هذا الأخير بعض وثائق الشركة فوق مكتبه ودخل أحد الأشخاص و اطلع عليها دون علمه بذلك، فالجريمة حسب هذا الموقف لا تقع لانعدام ركن العمد لدى هذا المراقب، و هذا ما أكدته محكمة النقض المصرية[55] عندما صرحت بأن القصد الجنائي يجب أن يقترن بنية الإفشاء، فإذا أثبت الفاعل أنه لم يقصد الإفشاء ، و إنما حصل ذلك عرضيا بسبب محادثة خاصة بصوت مسموع، فلا يجوز مؤاخذة مراقب الحسابات بجريمة إفشاء السر المهني .

و في اعتقادنا أن فعل الإفشاء بالسر المهني من طرف مراقب الحسابات إما نتيجة خطأ أو في حالة سرقة ملف يحتوي على معلومات تهم الوضعية المالية و الاقتصادية للشركة ، فإنه يستلزم عليه إقامة الدليل على أن فعل الإفشاء لم يكن مقصودا و إنما كان نتيجة خطأ من جانبه، على الرغم من أن مهنة مراقب الحسابات تمارس من قبل شخص مهني متخصص تفرض عليه مهنته الحرص على الالتزام بحفظ كل أسرار مهنته.

خاتمة:

وفي الأخير لا يسعنا إلا القول أن المشرع المغربي قد حاول ضبط كل الأفعال المتعلقة بمراقبة الشركة، من خلال تجريم مجموعة من  الأفعال الممكن ارتكابها من طرف مراقب الحسابات، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في المادة 405 وفقا لما رأينا سالفا أن مراقب الحسابات عند اكتشافه لأحد الأفعال المخالفة للقانون يستلزم عليه تبليغ الجهاز المسير للشركة، وبالتالي فإن هذا يحد من فعالية الدور الرقابي لجهاز مراقب الحسابات، إذ أن الجهاز المسير للشركة غالبا ما سيعمد إلى مسألة الكتمان خصوصا في حالة ارتكاب الفعل من طرف الجهاز الإداري للشركة نفسه، زيادة على أن تركيبة أعضاء الجهاز المسير للشركة يميزها الطابع العائلي ، مما يحدو نحو فكرة التستر عن الأفعال المرتكبة و عدم تبليغها لجهاز النيابة العامة. هذا بعكس المشرع الفرنسي الذي أعطى لمراقب الحسابات صلاحية إبلاغ جهاز النيابة العامة مباشرة.

ومن تم فإنه من أجل تفعيل مقتضيات قانون شركات المساهمة فإننا نطالب بإعادة النظر في مقتضيات المادة 405 من نفس القانون، و عليه نقترح إما إمكانية تبليغ مراقب الحسابات مباشرة لجهاز النيابة العامة في حالة اكتشافه لفعل ما يكتسي صبغة جرمية، كما نص على ذلك نظيره المشرع الفرنسي  مع العلم أن أغلبية مواد قانون شركات القانون المغربي مستقاة من المشرع الفرنسي، أو إمكانية التنصيص على  بدائل أخرى أكثر نجاعة مثل إمكانية طرح الفعل الجرمي المرتكب والمكتشف من قبل جهاز مراقب الحسابات على أنظار الجمعية العمومية قصد اتخاذ التدابير اللازمة، وإذا كان هذا الفعل ينطوي على درجة من الخطورة آنذاك يتم تبليغ جهاز النيابة العامة، أو لما لا يتم تحديد لائحة لمجموعة من الأفعال تصنف بحسب درجة خطورتها على مصلحة الشركة، فإذا كانت أكثر خطورة فإن مراقب الحسابات يقوم بتبليغ ذلك مباشرة للنيابة العامة تحت طائلة مساءلته جنائيا، وبالنسبة للأفعال الأقل خطورة يتم تبليغها للجهاز المسير للشركة قصد اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لذلك.

الإحالات:

[1]  توزعت الشروط اللازمة لاختيار مراقب الحسابات ما بين القانون المنظم لمهنة الخبرة المحاسبية و إنشاء هيئة الخبراء المحاسبين،  ومابين القانون المتعلق بشركات المساهمة، و يجد هذا الترابط بين القانونين مصدره في المادة 160 من ق.ش.م التي منعت أي شخص من مزاولة مهام مراقب الحسابات ما لم يكن مقيدا في جدول هيئة الخبراء المحاسبين، و لهذا نجد أن الشروط المنصوص عليها بقانون مهنة الخبرة المحاسبية تتمثل في شرط الجنسية وفقا لما جاء في المادة 20 من قانون 15.89، والسن، و التمتع بالحقوق المدنية، وكذا عدم الحكم على الشخص بعقوبة سالبة للحرية من أجل جرائم مخلة بالشرف و الاستقامة و الآداب العامة، و شرط عدم التنافي، و توفر الكفاءة العلمية.

و أما بخصوص الشروط المنصوص عليها في قانون شركات المساهمة فتتمثل في عدم وقوع الخبير المحاسبي في إحدى حالات التنافي، و عدم وقوع الخبير المحاسبي في إحدى حالات المنع، هذا مع التأكيد أن تعيين مراقب الحسابات قد يتم بمقتضى التعيين الاتفاقي، و هذا الأخير قد يتم عند تأسيس الشركة و يتولاه المؤسسون و قد يتم خلال مرحلة حياة الشركة و تتولاه الجمعية العمومية، كما قد يكون التعيين  من جهة القضاء حيث يسند الاختصاص هنا لرئيس المحكمة التجارية باعتباره قاضي المستعجلات.

و للتوسع أكثر في هذا يرجى الاطلاع على:

– فالي علال، ” الشركات التجارية”، ج:الأول ،مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ط: الأولى، 2016، ص: 512 و ما يليها.

[2]  عبد الواحد حمداوي ،”دور مراقبي الحسابات في حماية أقلية المساهمين داخل شركات المساهمة”، مجلة محاكمة، العدد: 3 ، أكتوبر-دجنبر2007، ص :107.

[3] حسب المادة 160 من قانون 17.95  فإنه لا يحق لأي كان مزاولة مهام مراقب الحسابات ما لم يكن مقيدا في جدول هيئة الخبراء المحاسبين، علما أنه لا يمكن أن يقيد في هذا الجدول إلا من كان حاصلا على الشهادة الوطنية في الخبرة المحاسبية أو شهادة تعترف الإدارة بمعادلتها لها، وأن لا يكون محكوما عليه بعقوبة مانعة للحرية من أجل أفعال مخلة بالشرف والاستقامة والآداب العامة.

– عبد الواحد حمداوي،” تعسف الأغلبية في شركة المساهمة “،مطبعة الأمنية ،الرباط ،طبعة 2013، ص :318.

[4]  يحق لكل مساهم حسب المادة 148 من قانون شركات المساهمة إذا رفضت الشركة إطلاعه كليا أو جزئيا على الوثائق الخاصة بهذه الأخيرة أن يطلب من رئيس المحكمة التجارية بصفته قاضي المستعجلات إصدار أمر للشركة بإطلاعه على تلك الوثائق ،وتعتبر هذه الإمكانية الممنوحة للمساهم وسيلة فعالة لضمان تنفيذ حقوقه في مجال الإعلام ،بناء على حقه في أن تقوم الشركة بتنفيذ التزامها إزاءه،و ذلك عن طريق المطالبة القضائية باعتبارها وسيلة إجرائية للوصول إلى حقه في الإطلاع ،عبر إلزامها على العمل على إحقاقه بالسرعة المتطلبة التي تحافظ لهذا الحق على فعاليته .

– الزهرة الشياعي،”حق المساهم في الإعلام داخل الشركة”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص،وحدة التكوين و البحث : قانون الأعمال، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية والاجتماعية، سطات، السنة الجامعية: 2010-2011 ص:126.

[5]  قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 21 /07/ 1999 تحت عدد 2598 في الملف المدني رقم 1406/96 ،غير منشور.

[6]  فؤاد معلال، “شرح القانون التجاري الجديد : الشركات التجارية، الجزء: الثاني”، مطبعة الأمنية ، الرباط، الطبعة: الرابعة ،2012، ص: 290.

[7] Mireille Delmas-Marty : L’évolution du droit pénal des affaires, Gazette du palais, 26-27 Mars 1999, p :10.

[8]  خص المشرع المغربي في قانون 17.95 لمراقبة شركات المساهمة الباب السادس من خلال المواد 159 إلى 181.

[9] نادية حموتي،”دور مراقب الحسابات في التبليغ عن الأفعال الجرمية في إطار شركة المساهمة”،مجلة المنبر القانوني ،ع 6- أبريل 2014، ص: 78.

[10]  أحمد شكري السباعي: الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة و مساطر معالجتها، ج: الأول، دار النشر المعرفة، الرباط، ط:الأولى، 1998، ص: 177.

[11]  تنص المادة 169 من قانون شركات المساهمة على أنه :” يحيط مراقب أو مراقبو الحسابات مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة الجماعية ومجلس الرقابة علما بما يلي كما تطلب الأمر بذلك :

  • عمليات المراقبة والتحقق التي قاموا بها ومختلف الاستطلاعات التي تولوا إنجازها؛
  • بنود القوائم التركيبية التي يتبين لهم ضرورة القيام بتغييرات فيها مع إبداء كل الملاحظات المفيدة حول أساليب التقييم المستعملة في إعداد هذه القوائم؛
  • الخروقات والبيانات غير المطابقة للحقيقة التي قد يكتشفونها؛
  • المستنتجات التي تؤدي إليها الملاحظات والتصحيحات المذكورة أعلاه فيما يخص نتائج السنة المالية مقارنة بنتائج السنة المالية التي سبقتها؛
  • كل الأفعال التي بلغت إلى علمهم أثناء مزاولة مهامهم وبدا لهم أنها تكتسي صبغة جرمية.

إضافة إلى ذلك يقوم مراقبو الحسابات في الشركات التي تدعو الجمهور للاكتتاب بإطلاع مجلس القيم المنقولة على الخروقات والبيانات غير المطابقة للحقيقة التي قد يكتشفونها أثناء مزاولة مهامهم”.

[12]  تنص المادة 405 من قانون شركات المساهمة على أنه :” يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، كل مراقب للحسابات قدم أو أكد، عن قصد، إما باسمه الخاص أو بصفته شريكا في شركة لمراقبة الحسابات، معلومات كاذبة بشأن وضع الشركة وكذا عدم إعلامه لأجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير بكل الأفعال التي بلغت إلى علمه أثناء مزاولة مهامه وبدا له أنها تكتسي صبغة جرمية.

يطبق الفصل 446 من القانون الجنائي على مراقبي الحسابات”.

[13]  إذ خص المشرع المغربي المخالفات المتعلقة بمراقبة الشركة بالمواد من 403 إلى 406 من الباب السادس من القسم الرابع عشر من قانون شركات المساهمة .

[14]  سناء الوزيري ،”السياسة الجنائية في ميدان الشركات التجارية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، شعبة القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في قانون الأعمال، جامعة محمد الخامس ل، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية، الرباط، السنة الجامعية 2005-2006،ص 262 و 263 .

[15]  عبد العالي برزجو،”العقاب في ميدان الشركات التجارية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في الـعـلـوم الجـنـائـيـة، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، طنجة، السنة الجامعية 2009-2008:، ، ص:74 و 75.

[16]  أحمد شكري السباعي، الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة و مساطر معالجتها، ج:الأول، دار النشر المعرفة، الرباط، ط:الأولى، 1998، ص: 176 .

[17]  و للتوسع أكثر في هذه النقطة يرجى الاطلاع على:

– هشام أزكاغ، ” محدودية آلية العقاب في قانون شركات المساهمة المغربي”، مجلة العلوم الجنائية، العدد: الثالث، 2016، ص : 142 وما يليها.

[18]  نص المشرع الفرنسي على هذا المقتضى لأول مرة في مراسيم قوانين 1935 التي عدلت قانون 1876، حيث تم التنصيص عليه في الفقرة الأخيرة من الفصل 34 من هذا القانون، و من بين التشريعات العربية التي نصت على هذا الإلزام نجد القانون التونسي في الفصل 85 من المجلة التونسية .

و لقد كان مشروع قانون الشركات المساهمة المغربي يتضمن المقتضى، لكن بمجرد عرضه على المجلس النواب تم حذفه وتعويضه بإلزام إشعار أجهزة الإدارة أو التسيير أو تدبير للشركة فقط .

[19]   محمد كرام،” المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون شركات المساهمة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في قانون الأعمال، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2000-2001، ص :288.

[20]  و من رواد هذا الاتجاه نذكر كلا من :   “Mabilat” و “Hemard ” و ” Ripert Roblot ”  و ”   Jean Michel  ” الذين لا يتفقان على ما قرره المشرع الفرنسي حين ألزم مراقب الحسابات بضرورة تبليغ النيابة العامة  عن الجرائم المكتشفة من قبله داخل الشركة، لأن مراقب الحسابات – حسب هؤلاء – لا يتمتع بأي وظيفة من وظائف السلطة العامة ، فإذا قلدناه هذه الوظيفة فإنه سيكون محل شك و قلق المتصرفين كما سيتحول من مجرد مراقب حسابات الشركة إلى رجل شرطة .

نادية حموتي، م.س ، ص : 83 و 84 .

[21]  و من رواد هذا الإتجاه نذكر :

Touffait (Adoulph) ;Robin (Jaen) ;Audureau (Andre) ;Lacoste (Jaques) ;Monéger (Joel) et Granier (Thierry).

أوردته سناء الوزيري، م.س ، ص: 246.

[22] نادية حموتي، م.س ، ص: 84.

[23] إن مصلحة الشركة هي تجسيد لمجموع المصالح الفردية للمساهمين، و لا يمكن فصلها عنها إذ أن المساهمون لهم نفس التطلعات داخل الشركة، وهو ما يعني أن مصلحة الشركة تتمثل في التمثيل الإجمالي لمجموع هذه التطلعات :

– عبد السلام لعتيك،”تنازع المصالح و آليات إقرار التوازن داخل شركات المساهمة “، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، وحدة المقاولة التجارية، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية، سطات ، السنة الجامعية 2011 – 2012، ص: 29.

كما أن حماية الشركات التجارية هي حماية للسياسة الاقتصادية العامة للدولة، فالتجاوزات التي تقع في إطارها يمكن أن تتجاوز آثارها نطاق مصالح المساهمين لتشمل المصالح الاقتصادية العامة، مما يستدعي فرض رقابة جدية تستجيب لمتطلبات العصر، ومن أهم صور مراقبة الشركات التجارية ، المراقبة المحاسبية التي تتم من طرف مراقب الحسابات .

– نادية حموتي، م.س ، ص: 77.

[24]جاء في المادة 403 من قانون 17.95 ما يلي:”يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، أعضاء أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير بشركة مساهمة الذين لم يعملوا على تعيين مراقبي حسابات الشركة.

يعاقب بالغرامة المنصوص عليها في الفقرة السابقة نفس الأشخاص الذين لم يوجهوا الدعوة لمراقبي حسابات الشركة، لحضور جمعيات المساهمين التي تتطلب تقديم تقرير من طرفهم”.

[25]  المادة 403 من قانون 17.95.

[26]  المادة 404 من قانون 17.95.

 [27] محمد كرام، م.س ،ص:181 .

[28] أدت التحولات التي عرفتها السوق المالية إلى تطور مفهوم المساهم في شركة المساهمة، بحيث لم يعد هذا الأخير يختزل فقط في المساهم المقاول أو الشريك الحريص على المشاركة والتصويت والمشبع بنية المشاركة، بل أضحى يشمل حتى المساهم المستثمر أو موظف الأموال، والذي يكتفي باستثمار أمواله في الشركة ولا تتوفر لديه رغبة في المشاركة أو التصويت حيث يكون هدفه الأساسي هو تحقيق الربح، ويوصف المساهم المستثمر بمكري الأموال إما لأنه يحمل أسهما عادية تخوله جميع الحقوق السياسية والمالية ولكنه لا يساهم في إدارة الشركة ولا في جمعياتها العامة أو لأنه يملك أسهما بدون حق التصويت كشهادات الاستثمار والأسهم ذات الأولوية في الأرباح دون حق التصويت أو أسهم الأفضلية التي لا تخول الحق في التصويت،و يمكن التمييز بين فئة المساهمين المستثمرين بين:

– المساهم المضارب: وهو الذي يبحث عن توظيف مشجع ومحقق للربح، ليس فقط عبر ما تحققه الشركة من أرباح، بل عن طريق عمليات البورصة والاعتماد على تغيرات الأسعار، فهو مساهم في بحث دائم عن الشركات التي تحقق نموا متزايدا في المبيعات والأرباح المستقبلية وهو مستعد لدفع أي ثمن لشراء أسهم هذه الشركات آملا في استمرار هذا النمو في الأرباح، لهذا يطلق على مثل هؤلاء مستثمرو النمو.

وفي مقابل مستثمري النمو نجد مستثمري القيمة وهم المستثمرون الذين يتصيدون فرص الأسهم المعروضة بأقل من قيمتها الاسمية ولهذا فإنهم يوصفون بالانتقائيين في اختيار الأسهم المنخفضة الثمن.

– المساهم مستهلك المنتوجات المالية: وفي هذا الإطار فقد اعتبر القانون الفرنسي المدخر مكري الأموال مستهلكا حيث خول لجمعيات الدفاع عن المستهلكين إمكانية الدفاع عن المستثمرين موظفي الأموال .

– أورده محمد الحاجي،” تطور مفهوم المساهم في شركة المساهمة”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، وحدة الأعمال والمقاولات، جامعة محمد الخامس، السويسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، السنة الجامعية 2009-2010، ص:57 و مايليها.

[29] مجلس القيم المنقولة: مؤسسة عمومية خاضعة لوصاية الدولة أنشأ بمقتضى ظهير بمثابة قانون رقم 1.93.212 الصادر في  21 شتنبر 1993 المتعلق بمجلس القيم المنقولة وبالمعلومات المطلوبة إلى الأشخاص المعنوية التي تدعو الجمهور للإكتتاب في أسهمها وسنداتها.

فمجلس القيم المنقولة له دور رقابي على شركات المساهمة، ونجد أن المشرع المغربي منح له عدة صلاحيات قصد ممارسة هذا الدور، ومن هذه الصلاحيات:

أن مجلس القيم المنقولة يمكن له أن يطلب كل إيضاح وتفسير فيما يخص بيان المعلومات المشار إليها في المادة 20 الخاصة أساسا بالهيئات .

التأكد من تقيد الأشخاص المعنوية  التي تدعو الجمهور إلى الإكتتاب في أسهمها أو سنداتها بواجبات الإعلام المنصوص عليها.

– أورده طارق مصدق،” محاولة في تحديد الجوانب القانونية العامة لأجهزة الرقابة داخل شركات المساهمة، دراسة على ضوء مستجدات قانون 17.95 الخاص بشركات المساهمة”، مجلة المرافعة، عدد مزدوج 8-9، دجنبر 1998، ص:78 و79.

[30]  هشام ازكاغ،”نظام العقوبات في قانون شركات المساهمة المغربي “، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، وحدة المقاولة والقانون ، جامعة الحسن الأول، كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية،سطات ،السنة الجامعية 2012 – 2013، ص: 135.

[31]  من بينهم “دومورتيي” و “دولماس مارتي ”

أورده محمد كرام، م.س ،ص:177و 178.

[32]  نفس المرجع، ص : 178.

[33]  و من بين رواده نذكر  Constatin ; Largrier

أورده : رضوان عز الدين، “مراقب الحسابات في قانون شركات المساهمة بالمغرب”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، وحدة قانون التجارة والأعمال، جامعة محمد الخامس، السويسي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، السنة الجامعية: 2003/2004، ، ص:85.

[34]  و يتزعمه كل من  Coquereau ; Guyon ;Hémard

نفس المرجع، ص:85.

[35]  محمد كرام ، م.س، ص: 184.

[36]  و نذكر من رواد هذا الإتجاه  كل من : دورموتييه ؛ هرمارد ؛مابلات ؛ جونديدي .

– نفس المرجع، ص: 185.

[37]  حكم صادر عن المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء، ملف جنحي عدد 104/2902/2015، بتاريخ: 14/04/2016، حكم غير منشور.

[38]  رضى ابن خدة، م.س ، ص: 530 .

[39]  محمد كرام ، مرجع سابق، ص : 188.

[40] Cour de Paris 11/02/1981 cité en ouvrage : commissariat aux comptes : Renforcement ou dérive ?, droit des affaires, études de centre recherche sur le droit des affaires, librairie technique,1989, p :454 et 455 .

– أورده محمد كرام ، مرجع سابق، ص :189.

[41]  رضوان عز الدين،م.س، ص: 91.

[42] جاء في الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي ما يلي:”الأطباء والجراحون وملاحظو الصحة، وكذلك الصيادلة والمولدات وكل شخص يعتبر من الأمناء على الأسرار، بحكم مهنته أو وظيفته، الدائمة أو المؤقتة، إذا أفشى سرا أودع لديه، وذلك في غير الأحوال التي يجيز له فيها القانون أو يوجب عليه فيها التبليغ عنه، يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من ألف ومائتين إلى عشرين ألف درهم.

غير أن الأشخاص المذكورين أعلاه لا يعاقبون بالعقوبات المقررة في الفقرة السابقة:

1 – إذا بلغوا عن إجهاض، علموا به بمناسبة ممارستهم مهنتهم أو وظيفتهم، و إن كانوا غير ملزمين بهذا التبليغ؛

2 – إذا بلغوا السلطات القضائية أو الإدارية المختصة عن ارتكاب أفعال إجرامية أو سوء المعاملة أو الحرمان في حق أطفال دون الثامنة عشرة أو من طرف أحد الزوجين في حق الزوج الآخر أو في حق امرأة، علموا بها بمناسبة ممارستهم مهنتهم أو وظيفتهم.

إذا استدعي الأشخاص المذكورون للشهادة أمام القضاء في قضية متعلقة بالجرائم المشار إليها في الفقرة أعلاه، فإنهم أحرار في الإدلاء بشهادتهم أو عند الإدلاء بها”.

[43]  تنص المادة 177 من قانون 17.95 على ما يلي :” يتقيد مراقبو الحسابات وكذلك مساعدوهم بالسر المهني فيما يتعلق بالوقائع والأعمال والمعلومات التي يكونون قد اطلعوا عليها بحكم ممارستهم مهامهم”.

[44] رضى ابن خدة، م.س ، ص 533 .

[45]  و نذكر من رواده : باتين ؛ كوجول ؛ أيدالوت ؛روبيرت .

أورده محمد كرام ، م.س،ص 203.

[46]  وهذا موقف عبد الحميد المنشاوي. أورده:

– أناس خيرات، “الحماية الجنائية للسر المهني في القانون المغربي”، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في الـعـلـوم الجـنـائـيـة ، جامعة القاضي عياض ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،  مراكش، السنة الجامعية  :2013-2014 ، ص : 11.

[47]  و مثال هذا ما نص عليه المشرع المغربي في الفقرة الثانية من الفصل 446 من مجموعة القانون الجنائي.

[48]  إن الحماية الجنائية للسر المهني تستلزم أن يكون الأمين قد عهد إليه بالسر بسبب مهنته أو وظيفته، و أن يكون السر منسوبا لشخص معين، و كون الواقعة ذات ارتباط بمهنة الأمين، و أن يكون النبأ المطلوب حمايته سرا، كما يستوجب أن لا يقع السر تحت حالة توجب إفشاؤه قانونا:

– أناس خيرات، مرجع سابق، ص : 30.

[49]  محمد كرام ، مرجع سابق ، ص: 204 و 205.

[50] نفس المرجع ، ص: 206 و 207.

[51]  رضوان عز الدين، م.س ،ص: 93 و 94.

[52] C.Crim,27/06/1967 B. 194.cité par : Gaurtier pierre et bianca Lauret,Droit Pénal des affaires,économica,1991,p : 444.

_  أورده محمد كرام ، مرجع سابق، ص :221.

[53]  محمود كبيش،”المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في شركات المساهمة”، دار النهضة العربية، القاهرة، بدون ذكر الطبعة، 1992، ص 148.

[54] عز الدين رضوان ، م.س ، ص 94.

[55]  أورده محمد كرام،م.س، ص:221 و 222.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً