الرئيسية أقلام دور المجتمع المدني في بلورة السياسات العمومية الترابية

دور المجتمع المدني في بلورة السياسات العمومية الترابية

1 يناير 2020 - 17:12
مشاركة

لاشك بأن الأديان السماوية كانت سباقة في الدعوة إلى العمل الخيري بجميع أشكاله، أما على المستوى الوضعي فقد نشأ مفهوم المجتمع المدني أول مرة في الفكر اليوناني حيث أشار إليه أرسطو باعتباره “مجموعة سياسية تخضع للقوانين”، أي أنه لم يكن يميز بين الدولة والمجتمع المدني. تطور هذا المفهوم في القرن الثامن عشر حيث بدأ التمييز بين الدولة والمجتمع وبدأت حركة الجمعيات بالتبلور كنسق يملك الأحقية في الدفاع عن الحق في الحرية ضد مخاطر الاستبداد السياسي. وفي نهاية القرن ذاته تأكد في الفكر السياسي الغربي ضرورة تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني الذي يجب أن يدير أموره الذاتية بنفسه وأن لا يترك للحكومة إلا القليل. وفي القرن التاسع عشر حدث التحول الثاني في مفهوم المجتمع المدني حيث قال كارل ماركس أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي. وفي القرن العشرين طرح المفكر الإيطالي جرامشي مسألة المجتمع المدني في إطار مفهوم جديد فكرته المركزية هي أن المجتمع المدني ليس ساحة للتنافس الاقتصادي بل ساحة للتنافس الأيديولوجي، منطلقًا من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الأيديولوجية. وقد اهتمت المجتمعات المعاصرة بعمل منظمات المجتمع المدني، حيث تم طرحه على المستوى الدولي تحت عنوان برنامج الأمم المتحدة التطوعي في عام1967 ، وتطورت العملية التطوعية حتى  أصبحت معيارًا ومؤشرًا قويًا للتنمية والتقدم (1)

وقد تنامى دورالمجتمع المدني مع ازدياد الحاجة الى انخراط جهات اضافية في مهام وبرامج التنمية لاسيما بعد قصور الدولة واجهزتها ومواردها عن تلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين. ولما كانت هذه الاحتياجات حق من حقوقهم، وباتت تلبيتها ملحة وضرورية لتأمين الأمن الانساني والأستقرار الأجتماعي، كان لا بد من توسيع المجال امام منظمات المجتمع المدني لتصبح “شريكا” في عملية التنمية للاستفادة من مواردها البشرية والمادية ومن الخبرات التي تكتنزها ، والسياسة العامة تستلزم الاستشارة لكونها عبارة عن مجموعة من الإجراءات تتم في إطار القانون، وهي أيضا سلسلة قرارات ترتبط بمنظومة قين فكرية وسياسة وبنية السلطة وتوزيعها ، كذلك، مادامت لا تنشأ إلا في إطار تنافس سياسي يتميز بتعدد البرامج والتصورات الاجتماعية كما تشير إلى أنشطة الحكومة ومؤسسات الدولة والفاعلين لحل مشكلات المجتمع، وللمؤسسات التمثيلية دور مهم في مجال السياسة العامة في إعداد ومراقبة وتقييم هذه الأخيرة، وهي الأعمال التي تتمايز بناء على إمكانات والحدود العملية المرصودة للبرلمان في الأنشطة السياسية والدستورية(2)

وأمام عدم كفاية التضامنات المؤسساتية مقارنة باتساع أشكال الحاجة الاجتماعية، بدأنا نشهد أصنافا جديدة من التضامن بقيادة فاعلين جدد من المجتمع المدني، يعملون على تقديم خدمات والمساهمة في التنمية البشرية (3).

وقد حاول المشرع الدستوري المغربي النهوض بدور المجتمع المدني من خلال المقتضيات التي تضمنها دستور 2011، وخصوصا الفصول 12، 13، 14  و15 وذلك انسجاما مع مجموعة من المكتسبات الجديدة التي حاول المشرع تكريسها من خلال الوثيقة الدستورية كالتأكيد على مبدأ احترام حقوق الإنسان، كما هو متعارف عليه دوليا وكذا دسترة مؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحريات، والحكامة الجدية ورغبة من المشرع في عدم احتكار الدولة لدور الفاعل في تدبير الشأن العام اليوم، أصبح يعتمد على المقاربة التشاركية باعتبارها أسلوبا ناجعا ومبدأ أساسيا من مبادئ الديمقراطية ومكونا جديدا من مكونات مبدأ الشرعية على اعتبار هذا المبدأ لم يعد في المجتمعات الحديثة مبنيا على التفويض الممنوح للسلطة السياسية بموجب الانتخابات فقط وإنما المواطنين، أو الانفتاح على فعاليات المجتمع المدني(4).

فإلى أي حد ساهم المجتمع المدني في بلورة قرارات السياسات العمومية الترابية؟

و ما هي الأدوار الدستورية للمجتمع المدني في رسم  السياسات العمومية على المستوى المحلي؟

  • ما هي أسباب انبثاق دور المجتمع المدني في تسيير الشأن العام المحلي والنهوض بالتنمية المحلية؟
  • وما هي مساهمات المجتمع المدني ومعوقاته في مجال السياسات العمومية إلى جانب التدابي؟

وللإحاطة بهذا الموضوع ارتأينا تقسيمه على الشكل التالي:

المبحث الأول: بوادر انبثاق دور المجتمع المدني ومجالاته في السياسات العمومية الترابية؛

    المبحث الثاني: أهمية مشاركة المجتمع المدني في إنتاج السياسة العمومية الترابية واكراهاتها.

المبحث الأولأسباب انبثاق دور المجتمع المدني ومجالاته في السياسات العمومية الترابية

إن مفهوم المجتمع المدني هو مفهوم متحرك وغير مستقر، مرتبطا بتاريخ نشأته أي المشكلات التي كانت مطروحة في وقت نشوئه، وترجع نشأة المجتمع المدني إلى التطور الذي شهدته المجتمعات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وهو التطور الذي شمل الميادين التجارية والصناعية والاجتماعية والسياسية(5)

أما ميلاد المجتمع المدني في الوطن العربي كان نتيجة إخفاق الدول العربية في التنمية نتيجة عدم فسح المجال أمام الفاعلين الاجتماعيين والقوى الحية. أما بالنسبة للمغرب فإن بروز الاهتمام بالمجتمع المدني جاء كرد فعل لتأثير التنظيمات الدولية التي تسعى للدفع بمنظمات المجتمع المدني نحو الاضطلاع بدور أساسي في الحياة العامة المغربية ومن بينها حركة حقوق الإنسان(6).

المطلب الأولالمجتمع المدني في ظل الحياة الدستورية، الخطب الملكية والقوانين التنظيمية

إن مؤسسات المجتمع المدني تشكل إحدى الحلقات الأساسية والفعالة لإحداث التغيير في المجتمع، كما أن تفعيل مشاركتها في صنع وتنفيذ القرار يساهم في تسريح دورها بشكل فعلي في عملية التحول الديمقراطي، وانطلاقا من مبدأ الديمقراطية التي تقوم على إشراك المجتمع المدني في تدبير الشأن العام فقد أكد خطاب 09 مارس 2011 على ضرورة اعتماد منهجية الإصغاء والتشاور مع جميع الهيئات والفعاليات المؤهلة(7).

إن المجتمع المدني باعتباره أحد الفاعلين في التنمية الشمولية نجد أن له إطارا تشريعيا، ينظمه ويسمو به ويحدد علاقته بالدولة.

الفقرة الأولىالمجتمع المدني في ظل الدساتير السابقة ودستور 2011

باستقرائنا للدساتير السابقة، سواء دستور 1962، 1970، 1972، 1992 أو 1996، نجد أن هذه الدساتير لم تنص على أي دور للمجتمع المدني في تدبير الشأن العام، فبالرجوع إلى الفصل التاسع من دستور 1996 نجده ينص “يضمن الدستور لجميع المواطنين حرية التجول وحرية الاستقرار بجميع أنحاء المملكة، حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع، حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة نقابية وسياسية حسب اختيارهم ولا يمكن وضع حد لهذه الحريات إلا بمقتضى القانون” (8) ، فالمجتمع المدني في الدساتير السابقة لم يكن متفاعلا مع الهيئات الرسمية والحكومية في سيرورة المشاركة لاستراتيجيات الإنتاج المشترك للسياسات العمومية، حيث لم يتم التنصيص عليه.

نصت الوثيقة الدستورية لسنة 2011 على الدور الأساسي للمجتمع المدني في إطار الديمقراطية التشاركية، وأكدت على دوره في تقديم العرائض وملتمسات تشريعية والمساهمة في بلورة السياسات العمومية، فبالنظر للدور المتنامي للمجتمع المدني الذي يشكل رافعة ودعامة لباقي المؤسسات ويساهم في حل إشكالات ومعضلات اجتماعية يقع حلها أساسا على عاتق الدولة لدى يجب اليوم تفعيل مقتضيات الدستور المتعلقة بالمجتمع المدني.

وهذا ما أكدته الفصول 12، 13، 14 و15 من دستور 2011، بحيث نص الفصل 12 على أنه تؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات الغير حكومية وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون كما أنه لا يمكن حل هذه الجمعيات والمنظمات أو توقيفها من لدن السلطات العمومية إلا بمقتضى مقرر قضائي. كما تساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد في قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية وكذا في تفعيلها وتقييمها.

كما تعتبر جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في العصر الحاضر من المكونات اّلأساسية لكل مجتمع ديمقراطي حداثي لذلك متعها الدستور المغربي لسنة2011 بحق ممارسة أنشطتها بحرية في إطار احترام الدستور والقانون (9)، كما نجد الفصل 13 كذلك أكد على أن السلطات العمومية تعمل على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها، حيث تبقى الصيغة الوحيدة لإشراك الجمعيات في القرار الجماعي خارج إمكانيات الشراكة أو الدعم أو المساندة هي لجنة المساواة وتكافؤ الفرص (10).

ونجد الفصل 14 و15 تمت الإشارة أن للمواطنين والمواطنات الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، وكذا الحق في تقديم اقتراحات في مجال التشريع.

ومن جهة أخرى نجد أن الدستور المغربي 2011 تطرق لإشكالية تفاعل المجتمع المدني مع باقي الهيئات الرسمية والحكومية وسيرورة المشاركة واستراتيجيات الإنتاج المشترك للسياسات العمومية على المستوى الوطني والترابي وكذا من خلال استراتيجيات المجتمع المدني في الحراك الاجتماعي هي متعددة ومتنوعة تتراوح بين الالتزام السياسي والمطالب الاجتماعية والعمل التطوعي والمشاركة في السياسات العمومية والعمل المحلي (10).

الفقرة الثانيةالمجتمع المدني في مضامين الخطب الملكية والقوانين التنظيمية

ما فتئ جلالة الملك منذ اعتلائه للعرش، يؤكد على المجتمع المدني ويدعو لتكريس قيم المواطنة المسؤولة والرفع من قدرات المجتمع المدني وهكذا أكدت الخطب الملكية على ذلك، ومن أهمها، خطاب العرش 30 يوليوز 2000 على “ترسيخ دولة الحق والقانون وتجديد عقلنة وتحديث أساليب إدارتها وإعادة الاعتبار للتضامن الاجتماعي وتفعيل دور المجتمع المدني وإنعاش للنمو الاقتصادي وتحفيز الاستثمار العام والخاص”، وكذا خطاب العرش لسنة 2003 على المسؤولية المشتركة لبناء المجتمع وخلال 2005 على تكريس مفهوم المواطنة حيث أكد جلالته في الإعلان عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في خطاب 18 ماي 2005.

وفي خطاب افتتاح الدورة التشريعية الرابعة للبرلمان في أكتوبر 2005  “أكد جلالة الملك على ضرورة توعية كل مغربي بأن مصيره يتوقف على مبادرته، وإقدامه على العمل الجماعي، الذي يمر عبر تأطيره عن طريق الهيئات المؤهلة، تركيزنا على بناء ثقافة المواطنة الإيجابية بكل ما تعنيه من تحول إلى عقلنة المواطن الفاعل المشارك المنتج بدل السلبية والتوكلية والانتظارية…” (11).

كما أكد جلالته على ضرورة تكريس مكانة المجتمع المدني دستورية من خلال إجراء تعديل دستوري شامل يستند على سبعة مرتكزات أساسية وذلك بتعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، بتقوية دور الأحزاب السياسية، في نطاق تعددية حقيقية، وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية والمجتمع المدني.

وخطاب العرش لسنة 2008  الذي حث على تعزيز دينامية المجتمع المدني:حيث دعى جلالو الملك الى  ” توطيد المكانة المركزية لمؤسسة الأسرة وتعزيز دينامية المجتمع المدني وفعالياته المسؤولة للنهوض بالتكافل الاجتماعي والمواطنة التضامنية…”(12)

ويعتبر البرنامج الحكومي 2012 – 2016 الذي حرصت الحكومة على تعزيز المكانة الدستورية للمجتمع المدني من خلاله إحداث قطاع وزاري جديد في إطار الوزارة المكلفة مع البرلمان والمجتمع المدني حيث أعلن التصريح الحكومي في مقدمته عن تبني مقاربة تشاركية في تنزيل مقتضيات الدستور.

حيث سطر البرنامج الحكومي 2012-2016 خمس توجهات كبرى متناولا تعزيز دور المجتمع المدني من خلال التوجه الثاني والثالث والرابع وهكذا من خلال التوجه الثاني للتصريح الحكومي تحت عنوان”: ترسيخ دولة القانون والجهوية المتقدمة والحكامة الرشيدة الضامنة للكرامة والحقوق والحريات والأمن والقائمة على المواطنة الحقة وربط المسؤولية بالمحاسبة والحقوق والواجبات”، حيث نص هذا التصريح على(13):

  • فتح ورش الديمقراطية بتفعيل المقتضيات الدستورية ذات الصلة وتطوير العلاقة مع المجتمع المدني بما يخدم التنمية ويعزز الحقوق والحريات ويحفز على القيام بالواجبات؛
  • تشجيع مشاركة عموم المواطنين في مجهود مكافحة الفساد وإقامة شراكات وطنية بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين… والمجتمع المدني؛
  • تبسيط وتسهيل إجراءات تأسيس الجمعيات والإسراع باعتماد القانون التنظيمي الخاص بشروط وكيفيات ممارسة الحق في التشريع وتقديم عرائض إلى السلطات العمومية.

وقد أشار البرنامج الحكومي في فقرة خاصة بالمجتمع المدني تحت عنوان “تعزيز مكانة المجتمع المدني” جاء فيها:”تعزيز مكانة المجتمع المدني في مختلف حلقات تدبير الشأن العام وتقييمه وصياغة سياساته، عبر الإسراع بوضع الإطار القانوني المنظم لذلك على ضوء الدستور وخاصة مايهم دوره في المجال التشريعي، والعمل على اعتماد سياسة جمعوية فعالة، وإقرار معايير شفافة لتمويل برامج الجمعيات، وإقرار آليات لمنع الجمع بين التمويلات واعتماد طلب العروض في مجال دعم المشاريع ومراجعة سياسة التكوين الموجهة للجمعيات بما يرفع من فعاليتها وبما يمكن الاستفادة لفائدة أعضاء الجمعيات”.

المطلب الثاني: آليات المجتمع المدني في صنع السياسات العمومية الترابية

انسجاما مع إرادة بناء حياة عامة قائمة على مبادئ الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية، عمد الدستور الجديد إلى الانفتاح على بعض الهيئات غير الرسمية من أجل المساهمة بدورها في تدبير الشأن العام المحلي وصياغة السياسات العامة، وفي هذا الإطار جاء الفصل 12 من الدستور لينص على مساهمة الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام والمنظمات غير الحكومية في إطار الديمقراطية التشاركية سواء في إعداد أو تفعيل أو التقييم(14)، وتتم هذه المساهمة بمجموعة من الآليات وكذا التدخل في عدة مجالات.

الفقرة الأولى : مراحل  تدخل المجتمع المدني في صنع السياسات العامة الترابية

تتعدد مجالات تدخل المجتمع المدني في إطار الديمقراطية التشاركية وصنع السياسة العامة ويتم هذا التدخل على مستوى مرحلة اتخاذ القرار أولا وعلى مستوى تنفيذ هذه القراراتوتقييمها ثانيا.

  • مرحلة المشاركة في اتخاذ القرار

لقد أسس دستور 2011 نهاية احتكار المؤسسات السياسية لتدبير الشأن العام من خلال تنصيصه على الديمقراطية التشاركية المواطنة في فصله الأول، ومن خلال تنصيص فصول أخرى على مقتضيات تحدد وتحفظ دور المجتمع المدني في صلب عملية اتخاذ القرار وصنع السياسات العامة الترابية.

إلا أن تكريس ما أسسه الدستور من انتقال بلادنا من الديمقراطية التمثيلية إلى الديمقراطية التشاركية يبقى رهينا بالممارسة وبتنزيل النصوص الدستورية على أرض الواقع وبمدى مساهمة جميع الفرقاء المعنيين في اقتراح ومناقشة وصياغة القوانين التنظيمية اللازمة لاستكمال البناء المؤسساتي بما يضمن مشاركة المجتمع المدني في مرحلة متقدمة وعلى المستويات المختلفة خلال عملية صنع القرار (15).

ومن أجل ضمان مشاركة مؤسسة المجتمع المدني في كل مرحلة من مراحل صنع السياسات العمومية (16) ، فهناك خطوات وإجراءات يتعين على السلطات العمومية إدراجها في طريق عملها وتطعيم مساطرها بما كان يتعين على النسيج الجمعوي تطوير أدائه واعتماد الأساليب المناسبة التي تسهل انخراطه في مختلف هذه المراحل.

ففي مرحلة ما قبل اتخاذ القرار يتم تهيئ السياسات ومشاريع القوانين على الصعيد المحلي في المجالس المنتخبة ونادرا مايتم إشراك المجتمع المدني إلا بشكل استثنائي.

فالمنتظر من النسيج الجمعوي هو تركيز كل جمعية أو مجموعة من الجمعيات في مجال اهتمامها واختصاصها وفي التواصل مع المواطنين عل ى رصد الاختصاصات الحقيقة والملحة لفئات محددة أو للصالح العام من اجل اقتراح البدائل والتفاوض عليها أو التأثير في السياسات العامة لإدراج هذه البدائل فيها.

لذلك يجب القيام بعمليات التواصل والتوعية مع المواطنين والسلطات لإبلاغ صوتها وتسويق آرائها ومواقفها واستغلال كفاءاتها وخبراتها في مجالات اختصاصها من أجل تنوير السلطات العمومية بالأبحاث والدراسات من أجل توجيه السياسات.

  • مرحلة اتخاذ القرار والمشاركة في التنفيذ

أما فيما يخص مرحلة اتخاذ القرار فإن هذه العملية تعد من أصعب مراحل صناعة القرار العمومي، باعتبارها اختيارا بين مختلف البدائل والاستراتيجيات المتاحة من أجل تحقيق أهداف محددة أو تجنب نتائج محتملة، وكذا فيما يخص مرحلة المشاركة في تنفيذ القرارات إذ تشهد أكبر درجة من انفتاح السلطات العمومية على المجتمع المدني حيث ينتظر من المجتمع المدني التحسيس والتوعية بمزايا أو عيوب القرارات المتخذة وبمختلف الآثار المترتبة عنها (17) ، وقد تكون هذه المشاركة مباشرة أو مواكبة أو موازية.

الفقرة الثانية: آليات المجتمع المدني في صنع السياسات العمومية الترابية

تتعدد آليات وأساليب تدخل المجتمع المدني في صنع السياسات العمومية الترابية، ففي نقاشات صنع السياسة العامة يتم إهمال المجتمع المدني والمواطنين وطلك لمصلحة الدور الذي تلعبه الأجهزة التشريعية، وجماعات المصالح والأحزاب وغيرهم من المشاركين المؤثرين، وينتج هذا الإهمال من التصور بأن الدور الذي يعبه المواطن العادي قد يكون له دورا مهما في تحريك عجلة صنع السياسات العامة(18) .

فقد نص الدستور على مجموعة من الهيئات سواء في صيغة مؤسسات وطنية أو استشارية تهدف إلى خلق فضاءات مؤسسية مستقلة عن السلطة التنفيذية،منفتحة وتعددية من حيث تكوينها، مما يسمح بإمكانيات التداول والحوار بين الفاعلين المجتمعيين والخبراء وممثلي الحكومة لتقديم الرأي والمشورة.

فالمجتمع المدني بآلياته التي يستعملها يضمن انفتاح أكبر ومساهمة مباشرة للمواطنين(19) عبر مجموعة من التقنيات والآليات منها:

  • آلية تقديم العرائض

عند دراستنا للوثيقة الدستورية يتضح أن المشرع الدستوري حاول أن يبوء الفرد مكانة متميزة وذلك بالاعتراف له بحقوق دستورية يمكن أن يمارسها دون وساطة أو توجيه من أحد خصوصا بعد أن ازداد وعي المواطن المغربي بالتعاطي مع الشؤون الإدارية والسياسية والمحلية والوطنية.

فتقديم العرائض وسيلة عرفها ومارسها المغاربة منذ زمن وهنا نذكر فقط عريضة المطالبة بالاستقلال سنة 1944.

ولكن كانت تلك العرائض سياسية فإن الدستور الجديد أراد أن يؤسس لتقديم العرائض ذات طبيعة إدارية وسياسية وكشكل من أشكال اتخاذ القرار ومراقبة تسيير وتنفيذ القرارات العمومية بالموازاة مع تقديم الملتمسات التي قد تضطلع بطابع سياسي هناك نقاط التقاء قوية بين تقنيتي العرائض والملتمسات في مجال التشريع.

فقد نص الفصل 15 من الدستور الجديد على أن للمواطنين والمواطنات الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية كما أكد الفصل 139 على أنه “يمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم العرائض الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله”.(20)

كما نص على ذلك القانون التنظمي رقم 14.113 المتعلق بالجماعات فيما يخص  شروط تقديم العرائض من قبل المواطنات والمواطنين في المادة 123على انه ” يجب أن يستوفي مقدمو العريضة من المواطنات والمواطنين الشروط التالية: – أن يكونوا من ساكنة الجماعة المعنية أو يمارسوا بها نشاطا اقتصاديا أو تجاريا أو مهنيا؛ – أن يكونوا مسجلين في اللوائح الانتخابية العامة؛ – أن تكون لهم مصلحة مباشرة مشتركة في تقديم العريضة؛ – أن لا يقل عدد الموقعين منهم عن مائة (100 )ناخب فيما يخص الجماعات التي يقل عدد سكانها عن 35000 نسمة و 200 ناخب بالنسبة لغيرها من الجماعات، غير أنه يجب أن لا يقل عدد الموقعين عن 450 ناخب بالنسبة للجماعات ذات نظام املقاطعات.”

وفيما يخص شروط تقديم العرائض من قبل الجمعيات فقد نصت المادة  124على انه ” يجب على الجمعيات التي تقدم العريضة استيفاء الشروط التالية: – أن تكون الجمعية معترفا بها ومؤسسة بالمغرب طبقا للتشريع الجاري به العمل لمدة تزيد على ثالث (3 )سنوات، وتعمل طبقا للمبادئ الديمقراطية وأنظمتها الاساسية؛ – أن تكون في وضعية سليمة إزاء القوانين والانظمة الجاري بها العمل؛ – أن يكون مقرها أو أحد فروعها واقعا بتراب الجماعة المعنية بالعريضة؛ – أن يكون نشاطها مرتبطا بموضوع العريضة”.

ومن هذا المنطلق يمكننا تعريف العريضة بكونها رسالة مفتوحة وموقعة وموجهة إلى سلطات أو مؤسسات عمومية لتغيير أو إقرار أو استفسارعلى وضع ما أو قانون أو مرسوم إداري ما.(21)

  • آلية تقديم الملتمسات من المواطنين كفاعلين للمجتمع المدني

لقد وعى المشرع الدستوري التغييرات الجارية على صعيد المفاهيم الكبرى للسياسة، فأدخل مفهوم الملتمسات الذي تم التنصيص عليه في الفصل 14 من الدستور من شأن تفعيل هذه الآلية زيادة المشاركة الشعبية، فحق تقديم الملتمسات من طرف المواطنين مكسب ديمقراطي تاريخي سيساهم لامحالة في لإشراك المواطنين في توجيه السياسات العمومية المحلية .

  • الآليات التشاركية للحوار والتشاور

وهذه الآلية التي تم تبنيها من طرف مجالس الجماعات كآلية لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج العمل وتتبعها طبقا لما هو معمول فيه في القوانين الجاري بها العمل وهذا ما نصت عليه المادة 119 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات والمقاطعات.

وفي نفس السياق نصت المادة 120 من نفس القانون على “تحدث لدى مجالس الجماعة هيأة استشارية بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني تختص بدراسة القضايا المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع تسمى ” هيأة المساواة وتكافئ الفرص ومقاربة النوع”.

كل هذه الآليات السالفة الذكر تعتبر أداة فعالة في رسم ميكانيزمات اشتغال المجتمع المدني في بلورة وصنع السياسات العامة على المستوى الترابي.

المبحث الثاني: أهمية المجتمع المدني في مراحل إنتاج السياسات العمومية الترابية

انطلاقا من خطاب التاسع من مارس الذي كرس للديمقراطية  التشاركية  التي تقوم على إشراك المجتمع المدني في تدبير الشأن العام الترابي فهذا الحطاب  أكد على ضرورة اعتماد منهجية الإصغاء والتشاور مع جميع  الهيئات والفعاليات المؤهلة والفاعلة، على الخصوص في مجال حقوق الإنسان و حقوق المرأة، وتخليق الحياة العامة…، ولقد انخرطت قوى المجتمع بنخبها  وجميع مكوناتها الاجتماعية  في  التفكير  بجدية  في موضوع الإصلاح الدستوري. وفي هذا الإطار قدمت العديد من الهيئات المدنية الحقوقية والنسائية والثقافية والتنموية مذكرات ومقترحات أمام لجنة تعديل الدستور مطالبة بالتنصيص الدستوري على المجتمع المدني وتعزيز صلاحيته.(22)

    المطلب الأول: مساهمة المجتمع المدني في مجال السياسات العمومية الترابية

يظهر ذلك في ديباجة الدستور على أن المملكة المغربية تواصل مسيرة إقامة  مؤسسات دولة حديثة  مرتكزاتها المشاركة  والتعددية  والحكامة الجيدة وإرساء دعائم مجتمع متضامن.

الفقرة الأولى: المشاركة التقريرية للمجتمع المدني

أصبح للمجتمع المدني دور فعال تدبير الشأن العام المحلي (الترابي)، هذا الدور تقريري إلى جانب الهيئة المنتخبة في تدبير شؤون الجماعات الترابية وهذه هي القيمة المضافة للحكامة الجيدة، وقد أصبح القرار التنموي مشتركا بين جميع فئات المجتمع و هيئاته الرسمية. وأصبح لزاما على الدولة ان تدخل في شراكة مع القطاع الغير الرسمي والمنظمات  الغير حكومية من اجل تدبير الملف التنموي تدبيرا سوسيوتنمويا (23)

وكذلك مساهمة  المجتمع المدني  في التأطير والتمثيل ،فالمجتمع المدني أصبح يؤثر اليوم على سير المجتمع المغربي برمته، حيث يفرض نفسه فاعلا مركزيا وحاسما في التنمية البشرية.

قد أعطى دستور 2011 للمجتمع المدني مجموعة من الصلاحيات السالفة الذكر، بحيث أن هيئات المجتمع المدني تعبر أكثر عن الإرادة الشعبية لأنهاأكثر التصاقا بالمواطن وهمومه خصوصا في المجال القروي، حيث تغيب أشكال التأطير سواء من طرف الدولة أوالأحزاب السياسية ويبقى النسيج الجمعوي الملجأ الوحيد للفئات العريضة للمجتمع لطرح قضاياهم (24)

ومن خلال الدعوة إلى إشراك المجتمع المدني في العملية التنموية من التصور إلى القرار إلى التنفيذ إلى المتابعة، واستجابة لهذا الطلب نجد عددا من الجمعيات ذات الطابع التنموي  خاصة في مجال التنمية الاجتماعية، ومحاربة الفقر، والتنمية المستدامة…، تزايد بشكل كبير في السنوات الأخيرة، نتيجة لإعادة دور الدولة بينها وبين الجمعيات وذلك  بتعدد مصادر السلطة وشرعيات جديدة داخل المجتمع المدني كعنصر من عناصر الحكامة الجيدة، وفي أحيان أخرى يعتبر الفاعل ذاته حاملا”لشرعية موازنة” قائمة على الشراكة والتعاقد(25)

وقد عمل القانون رقم113.14 المتعلق بالجماعات، على وضع اليات لتنظيم مشاركة الجمعيات في اعداد وتتبع وتقيم السياسات العمومية الترابية وفي هذا الصدد  نصت المادة 119 من القانون رقم 113.14 على انه ” تطبيقا لأحكام الفقرة الاولى من الفصل 139 من الدستور، تحدث مجالس الجماعات آليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة الواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج العمل وتتبعها طبق الكيفيات المحددة في النظام الداخلي للجماعة” كما نصت المادة 120على انه “تحدث لدى مجلس الجماعة هيئة استشارية بشراكة مع فعاليات المجتمع المدني تختص بدراسة القضايا المتعلقة بتفعيل مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع تسمى » هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع«.” حيث حث المشرع المغربي الجماعات الترابية على تنمية ومساعدة مؤسسات المجتمع المدني وكذا إشراكه في البرامج التنموية بالجماعات .(26)

وقد ساهمت الجمعيات في صناعة مجموع التعديلات التي أدخلت على  القانون التنظيمي رقم 113.14 ، وتضمينه العديد من المقتضيات التي تجعل من المجتمع المدني شريكا في تدبير الشأن الترابي .(27)

ومنه طالب الفضاء الجمعوي بالتنصيص القانوني على مشاركة الجمعيات في التدبير وإعطاء الجماعات الترابية صلاحيات واسعة.  ومن خلال الدراسة التي أنجزها الفضاء الجمعوي حول “المشاركة الفعلية للجمعيات في التدبير المحلي” أبانت التجارب أن أجهزة الحكامة لديها قناعة كبيرة بالمشاركة الإيجابية للجمعيات  وللدور التكاملي الذي تلعبه، وهذا ما يمكن توضيحه  من خلال الجدول التالي (27):

المنطقــــــــــــة اســــــــم الجمعيــــــــة ونشاطهــــــــــــــا
منطقـــــــــة الحـــــــــوز ففي أربعة دوائر  إدارية تم خلق فضاءات جمعوية  من أجل التشاور  والتواصل   حول المشاريع التنموية ما بين الجمعيات وشركاء الإدارات العمومية والمنظمات الدولية في إطار توحيد الرؤية للعلمية وتنسيق المجهودات والتعبئة لمواجهة العجز الاجتماعي على مستوى الفضاء الجمعوي لإقليم الحوز.
عمـــــــــالة المحمــــــــــدية بادر المجلس الإقليمي إلى خلق مركز التأهيل الاجتماعي كبنية عملية لتوحيد العمل الاجتماعي ودعما للشبكة الجمعوية للتضامن لما أبانت عليه من أداء متميز تجلى في تأطير الساكنة خاصة بالإحياء الفقيرة والمواكبة التقنية للتعاونيات الحاملة للمشاريع المدرة للدخل،مما أفضى إلى خلق فضاء للتواصل والتشاور والتأطير الاجتماعي والقدرات الجمعوية المحلية.
الجماعـــة الحضـــــرية لســـلا تابـــــــريكت منذ سنة 2000 عملت هذه الجماعة بتعاون مع منظمة أنديكيب أنترناسيونال على خلق خلية التنسيق التقنية، التي كان دوره إبداء الملاحظة والاقتراحات والتدبير المشترك لمشروع التنمية المحلية الحضرية، ونظرا لما أبانت عنه من فعالية تم تحويلها بمعية الشركاء (مجلس المدينة،مجلس مقاطعة تابريكت، المصالح الخارجية، الوداديات السكنية والتعاونيات المحلية) إلى ” اللجنة التشاورية لتابريكت” التي أصبحت تخطط وتشرف على التنفيذ بتنسيق تام مع الأجهزة الأخرى للحكامة المحلية وبمساهمة نفس المنظمة ومجلس مقاطعة تابريكت
مقـــــــــــاطعةبطـــــــانةســـــــلا أقدم مجلس المقاطعة بمعية الجمعيات المحلية على إحداث “اللجنة التشاورية لبطانة” منذ يونيو 2007 بدعم مشترك من منظمة أنديكيب أنترناسيونال والجمعية المغربية للتضامن والتنمية
إقـــــــــليم الــــــــراشيدية أقدمت جمعية الألفية الثالثة لتنمية الفعل الجمعوي بجهة الجنوب الشرقي منذ يونيو 2006 وبتعاون مع جماعتين قرويتين على إحداث ” اللجنة الاستشارية الجماعية” بكل من الجماعة القروية لأوتربات- دائرة إملشيل والجماعة القروية لتاديغوست التابعة إداريا لمدينة كلميمة، بحيث تتولى هذه اللجنة القيام بوضع وتنفيذ إستراتيجية لتنمية الجماعتين متعددة السنوات للمشاريع التنموية.

إن هذه التجارب والأمثلة تعكس بالواضح وبالملموس تنوع مجالات تدخل جمعيات المجتمع المدني ونوعية وأهمية المشاركة في تدبير الشأن الترابي المحلي، كما ان النتائج الايجابية ملموسة على أرض الواقع.

 الفقرة الثانية : شروط مشاركة المجتمع المدني في تدبير الشأن العام المحلي الترابي

بما أن المجتمع المدني يعتبر أكثر تعبيرا عن الإرادة الشعبية، لأنه أكثر قربا من المواطن وهمومه، حيث تغيب كل أشكال التأطير على المستوى القروي، من طرف الدولة والأحزاب السياسية، وبما أن المجتمع المدني يعتبر كذلك الملجأ الوحيد للفئات المعوزة والمهمشة بطرح قضاياهم، وأن مشاركة المجتمع المدني ومساهمته في تدبير الشأن العام الترابي تتطلب مجموعة من الشروط:

  • ضرورة الاستمرار في نهج الالتصاق بهموم المواطنين.
  • التوفر على الدراسات المتعلقة بالتنمية المحلية وتطلعات المواطنين وإمكانيات شراكتهم في تدبير الشأن العام الترابي.
  • فهم طبيعة المرحلة التي يمر منها المجتمع المدني، الواقع السياسي والاجتماعي للبلاد.
  • القدرة على تحقيق تمثيلية حقيقية ذات قوة اقتراحية وضاغطة في اتجاه الاعتماد على المواطنين في كل ما يتعلق بتدبير الشأن الترابي (28).

هذا فضلا عن إمكانية تبني تقنية “البحث والإصغاء” والتي تسمح بفتح نقاش حقيقي حول كل مسألة تهم حي من أحياء المدينة، فالمجتمع المدني أصبح مطالبا بالانتقال من وضعية المتفرج إلى دور الفاعل، مما يستوجب منه الانخراط الإيجابي والفعال في التنمية بغية جعل الاقتراحات والحلول المعتزمة تجسيدا لإدارة للمجتمع، فنجاح ميكانيزمات الديمقراطية التشاركية مرتبط بمدى الإشراك الفعلي للمجتمع المدني في اتخاذ القرارات المحلية التي فيما سبق كانت حكرا على المجالس المحلية.

المطلب الثاني : معوقات إشراك المجتمع المدني في صياغة  السياسات العمومية

شكل دستور 2011 خطوة إيجابية في مسار التحولات التي عرفها تدبير القرار العمومي في المغرب والفلسفة الجديدة لهندسة السلطة التي سعت إلى إعطاء الفاعل الاجتماعي دورا أساسيا في إعداد و تفعيل وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية، وفي التشريع وتدبير الشأن العام جنبا لجنب مع المؤسسة التشريعية (29).

وعلى الرغك من ذلك لازال المجتمع المدنب تواجهه عدة اكراهات في مجال صنع السياسات العمومية هذه الاكراهات منها ماهو مرتبط  بالفاعل الجمعوي نفسه  من قبيل ضعف المجتمع المدني، التوفر على خبرات ومؤهلات وأطر في هذا المجال، ضعف التمويل والدعم العمومي، ومنها ماهو مرتبط بالمؤسسات العمومية والمنتخبة من قبيل غياب  تمثيلية المجتمع المدني في مؤسسات الدولة المتدخلة في انتاج السياسات العمومية .

الفقرة الأولى : العوائق المرتبطة بالفاعل الجمعوي

رغم التطور النوعي والكمي الذي عرفه المجتمع المدني بالمغرب، وسعيه المتزايد إلى مأسسة الفاعل الجمعوي، إلا أن الدارس يلمس العديد من الاختلالات التي لازالت تعتري هذا المكون والتي تحول دون قيامه بأدواره الدستورية والقانونية في إنتاج السياسات العمومية ويمكن إجمال ذلك فيما يلي:

  1. ضعف توفر الفاعل الجمعوي على خبرات وكفاءات ذات تكوين قانوني، ومن تم تفتقر معظم مؤسسات المجتمع المدني لتكوين قانوني يساعد في أداء المهام المنوطة على الوجه الأسلم خصوصا في مجال تقديم العرائض وملتمسات التشريع؛
  2. ضعف التأهيل وبنيات الاستقبال الخاصة بهيئات ومنظمات المجتمع المدني؛
  3. ضعف التمويل والدعم العمومي والقدرة على تعبئة الموارد؛
  4. ضعف الديمقراطية الداخلية داخل الجسم الجمعوي والحكامة والشفافية في التدبير الإداري للعديد من الجمعيات؛
  5. عدم قدرة الفاعل الجمعوي الحصول على المعلومة، وتفعيل الحق في الوصول إليها كما ينص على ذلك الدستور؛
  6. سيطرة قيم اجتماعية وثقافية تقليدية تقف حجر عثرة في طريق تحقيق التنمية المحلية، فحضور نمط العلاقات القبلية العشائرية والقرابة من النظم الاجتماعية التي تعرقل مسارات ومجهودات إعداد وتفعيل السياسات العمومية؛
  7. عزوف كبير من المواطنين عن الدخول للفعل الجمعوي رغم الانتشار الواسع للجمعيات وهيئات المجتمع المدني (30)؛
  8. سيادة نسق قيمي سلبي له اليد الطولي في توجيه السلوك والدوافع والإنجاز نحو الفعل الاجتماعي المحلي الموجه للتنمية المحلية.

الفقرة الثانية : عوائق تتعلق بالمؤسسات العمومية والهيئات المنتخبة

تتمثل هذه العوائق في:

  1. غياب أو ضعف التواصل في موضوع السياسات العمومية بين الفاعلين الاجتماعيين والمؤسسات العمومية والمنتخبة؛
  2. غياب تمثيلية للمجتمع المدني في مؤسسات الدولة المنتخبة في السياسات العمومية؛
  3. ضعف الإرادة لدى هذه المؤسسات لتفعيل الديمقراطية التشاركية خصوصا فيما يتعلق بتفعيل دور المجتمع المدني في تفعيل وتنفيذ وإعداد وتقييم السياسات العمومية؛
  4. توجس وتخوف الدولة والفاعل الجماعاتي من المجتمع المدني من أن يشكل هذا الأخير رافدا وحليفا لمطالب الحركات الاحتجاجية وبالضبط في أن يتحول إلى سلطة مضادة؛
  5. هشاشة الديمقراطية التشاركية وعدم قدرتها على التخلص من هاجس التحكم والضبط وتغليب المقاربة الأمنية على حساب الهم التنموي وبقائها أسيرة أجندة السلطة المركزية،
  6. ضعف إرادة الدولة في إدخال فاعلين جدد إلى تدبير السلطة والشأن المحلي.

بالإضافة إلى هذه العوائق هناك عوائق تتعلق بالنصوص الدستورية المؤسسة للديمقراطية التشاركية وأبرزها:

  1. الغموض القانوني فيما يتعلق بتقديم العرائض؛
  2. غموض مفاهيمي في تحديد المصطلحات الآتية: الإعداد – التفعيل- التنفيذ والتقييم في مجال السياسات العمومية وعدم تحديد دور المجتمع المدني في هذه المراحل؛
  3. الحديث عن دور المجتمع المدني في مجال الإعداد والتنفيذ والتقييم لم يؤطر بقانون تنظيمي؛

وأخيرا هناك معوقات أخرى متمثلة في استقلالية المجتمع المدني إذ يحبب أن يكون مستقلا عن إكراهات المجتمع السياسي(31)

الخاتمة:

لقد حاول المشرع الدستوري المغربي النهوض بدور المجتمع المدني من خلال المقتضيات التي تضمنها دستور 2011 وخصوصا الفصول 12-13-14-15، وذلك انسجاما مع مجموعة من المكتسبات الجديدة التي حاول المشرع تكريسها من داخل الوثيقة الدستورية، كالتأكيد على مبدأ احترتم حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا وربط المسؤولية بالمحاسبة ودسترة مؤسسات وهيئات حماية الحقوق والحكامة الجيدة والتنمية البشرية المستدامة والديمقراطية التشاركية.

هذا المنهج يعكس رغبة المشرع في عدم احتكار الدولة لدور الفاعل الوحيد في صنع السياسات العمومية والانفتاح على الفاعلين الجدد باعتبار المنهج الفعال في تدبير الشأن العام اليوم أصبح يعتمد على المقاربة التشاركية باعتبارها أسلوبا ناجحا ومبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية ومكونا جديدا من مكونات مبدأ الشرعية، على اعتبار هذا المبدأ لم يعد في المجتمعات الحديثة مبنيا على التفويض الممنوح للسلطة السياسية بموجب الانتخاب فقط، وإنما أصبح مبدأ الشرعية يستند كذلك على مدى استماع السلطة السياسية لأصوات المواطنين والانفتاح على فعاليات المجتمع المدني باعتبارها شريكا أساسيا في صنع السياسات العمومية، إلى كل من الفاعلين من رجال السياسة وذلك من خلال الحفاظ مكانتهم الإستراتيجية داخل النسق القراري المعاصر خاصة على المستوى إعداد السياسات العامة، ثم مجموعة المصالح من خلال مستوى التأثير في توجيه السياسات العامة. (32)

وفي الأخير، لابد من تفعيل المضامين والنصوص القانونيةعلى ارض الواقع وخلق اليات تنزيل هذه النصوص و التي تحث على اشراك  المجتمع المدني ، وكذا إعطاء  هذا الأخير، الثقة في اختياراته واقتراحاته للقرارات المتعلقة بالسياسة العمومية، بيد أن القيام بهذا الدور سيظل مهمة موقوفة التفعيل في ظل ضعف مأسسة الديمقراطية التشاركية، وعلاقة بالفاعلين الاجتماعيين ذاتهم الذين تعتريهم عوامل ضعف ذاتية، ويزداد الأمر تعقيدا إذا استحضرنا الغموض القانوني الذي  يكتنف النصوص الدستورية وضعف الإرادة القوية لدى أصحاب القرار السياسي، وتحول الديمقراطية التشاركية إلى طقوس سياسية بدون مضمون تشاركي واعتبار السياسة مجالا محتكرا يشتغل لذاته في غنى عن المواطنين. (33)

المراجــــع

  • الكتب والمجالات:
  • جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة، جامعة هيوستن-تكساس، ترجمة عامر الكبسي، دار المسيرة للنشر والتوزيع.
  • حسن طارق، مبادئ ومقاربات في تقييم السياسات العمومية بدعم من FNUD، طبعة 2014.
  • حسن طارق في دستور السياسات العمومية، الدستور الجديد للمملكة المغربية، دراسات مختارة، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، طبعة 2013.
  • كريم لحرش : ” الدستور الجديد للمملكة المغربية – شرح وتحليل – ” ، سلسلة العمل التشريعي والاجتهادات القضائية ، العدد 3، سنة 2012.
  • أحمد مصطفى الحسين مدخل إلى تحليل السياسات العامة ، سلسلة الكتاب العربي الجامعي التدريسي في العلوم السياسية
  • رشيد  السعيد، الحكامة الجيدة بالمغرب ومتطلبات التنمية البشرية المستدامة، الطبعة الأولى 2009.
  • عثمان الزياني، المخطط الجماعي للتنمية بين التباسات التخطيط وإكراهات سوسيولوجيا الواقع، مقال بمجلة وجهة نظر، العدد 60 و 61، ربيع وصيف 2014، السنة العشرون
  • محمد زين الدين، المجتمع المدني والعمل الجمعوي بالمغرب أية علاقة؟، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 65، سنة 2005،
  • أحمد المرابطي: وجهة نظر، عدد 51 شتاء، السنة السادسة عشر.
  • مقترح مدى كفاءات من أجل مغرب لآليات إشراك المجتمع المدني في عملية صنع القرار السياسي، أبريل 2012.
  • النصوص القانونية:
  • الفصول 12-15- 139 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.
  • مقتطف من الخطاب الملك محمد السادس بتاريخ 09 مارس 2011.
  • القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات والمقاطعات.
  • أحمد مفيد، محاضرات مادة السياسات العمومية، مسار القانون العام، السداسية الخامسة كلية الحقوق فاس، السنة الدراسية 2015-2016.
  • عبد المالك إحزرير، محاضرات مادة السياسة العامة، فصل الخامس قانون عام كلية الحقوق مكناس، السنة الدراسية 2015-2016
  • الرسائل لنيل دبلوم الماستر:
  • عبد الواحد زيات، الشباب في السياسات العمومية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، السنة الدراسية 2011 – 2012.
  • نزهة الحسني الادريسي، مساهمة المجتمع المدني في تدبير الشأن العام والمحلي، على ضوء الدستور الجديد، تقرير بحث ميداني لنيل شهادة الماستر، السنة الجامعة 2012 – 2013
  • عز العرب كاوكاو: الديمقراطية التشاركية في إطار دستور 2011، رسالة لنيل الماستر: حقوق الانسان والقانون الدولي الإنساني، السنة الجامعية : 2014-2015.
  • جلال سمعيلي، دور المجتمع المدني في تفعيل مضامين الدستور، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، وحدة تدبير الشأن العام المحلي، السنة الجامعية 2011 – 2012.
  • العروض الجامعية:
  • عرض تحت عنوان: دور المجتمع المدني في منظومة الحكامة، ماستر الدستور والحكامة المالية، السنة الجامعية 2014 – 2015.
  • عرض حول : “دور المجتمع المدني في منظومة الحكامة”، ماستر شعبة القانون العام: “الدستور والحكامة المالية” فاس، السنة الجامعية 2014-2015.
  • دور المجتمع المدني في منظومة الحكامة، عرض لماستر الدستور والحكامة المالية، السنة الجامعية 2014/2015.
  • الشبكة العنكبوتية
  • جمال العزوزي : “دور المجتمع المدني في صنع السياسات العمومية على ضوء مقتضيات دستور 2011 “، باحث في مجال القضاء الإداري، حاصل على شهادة الماستر، وحدة قانون المنازعات العومية، كلية الحقوق فاس، مقال منشور بموقع العلوم القانونية،www.Maroc droit.com، الاثنين 16 يونيو 2014.

1–  خالد محمد قاسم، إدارة البيئة و التنمية المستدامة في ظل العولمة المعاصرة، الطبعة الأولى، الدار الجامعية بالإسكندرية، 2007.

2– عبد الواحد زيات، الشباب في السياسات العمومية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، السنة الدراسية 2011 – 2012.

3-عرض تحت عنوان: دور المجتمع المدني في منظومة الحكامة، ماستر الدستور والحكامة المالية، السنة الجامعية 2014 – 2015.

4-جمال العزوزي : “دور المجتمع المدني في صنع السياسات العمومية على ضوء مقتضيات دستور 2011 “، باحث في مجال القضاء الإداري، حاصل على شهادة الماستر، وحدة قانونالمنازعات العمومية، كلية الحقوق فاس، مقال منشور بموقع العلوم القانونية،www.Maroc droit.com، الاثنين 16 يونيو2014.

5– عرض حول : “دور المجتمع المدني في منظومة الحكامة”، ماستر شعبة القانون العام: “الدستور والحكامة المالية” فاس، السنة الجامعية 2014-2015.

6– مقتطف من الخطاب الملك محمد السادس بتاريخ 09 مارس 2011.

7– جلال سمعيلي، دور المجتمع المدني في تفعيل مضامين الدستور، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، وحدة تدبير الشأن العام المحلي، السنة الجامعية 2011 – 2012، الصفحة 39.

8–  كريم لحرش : ” الدستور الجديد للمملكة المغربية – شرح وتحليل – ” ، سلسلة العمل التشريعي والاجتهادات القضائية ، العدد 3 ، سنة 2012، الصفحة 28-30

9– حسن طارق، مبادئ ومقاربات في تقييم السياسات العمومية بدعم من FNUD، طبعة 2014.

10نزهة الحسني الادريسي، مساهمة المجتمع المدني في تدبير الشأن العام والمحلي، على ضوء الدستور الجديد، تقرير بحث ميداني لنيل شهادة الماستر، السنة الجامعة 2012 – 2013، الصفحة 68.

11– نزهة الحسني الادريسي، مرجع سابق، الصفحة 70.

12– نزهة الحسني الادريسي، مرجع سابق، الصفحة 80.

13– نزهة الحسني الادريسي، مرجع سابق، الصفحة 73.

14– أحمد المرابطي: وجهة نظر، عدد 51 شتاء ، السنة السادسة عشر ، الصفحة 46.

– مقترح مدى كفاءات من أجل مغرب لآليات إشراك المجتمع المدني في عملية صنع القرار السياسي، أبريل 2012.15

15– عز العرب كاوكاو: الديمقراطية التشاركية في إطار دستور 2011، رسالة لنيل الماستر: حقوق الانسان والقانون الدولي الإنساني، السنة الجامعية : 2014-2015، الصفحة 87.

16– عز العرب كاوكاو، مرجع سابق، الصفحة 91.

– أحمد مصطفى الحسين مدخل إلى تحليل السياسات العامة ، سلسلة الكتاب العربي الجامعي التدريسي في العلوم السياسية، الصفحة 240.17

18– حسن طارق في دستور السياسات العمومية، الدستور الجديد للمملكة المغربية، دراسات مختارة، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مواضيع الساعة، طبعة 2013، الصفحة 26-27.

– الفصل 15- 139 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011.19

– عز العرب كاوكاو، مرجع سابق، الصفحة: 99.20

– جلال سمعيلي، مرجع سابق، الصفحة 44و4521

– نزهةالحسني الادريسي، مرجع سابق، الصفحة 3522.

– دور المجتمع المدني  في منظومة  الحكامة، مرجع سابق، الصفحة 35.23

– رشيد  السعيد ، الحكامة الجيدة بالمغرب ومتطلبات التنمية البشرية المستدامة، الطبعة الأولى 2009، الصفحة 147-14824

– نزهة الادريسي الحسني، مرجع سابق، الصفحة 36.25

– رشيد السعيد، مرجع سابق، الصفحة 150.26

27– رشيد السعيد، مرجع سابق، الصفحة 151.

نزهة الحسني الادريسي، الصفحة 38.– 28

29– عثمان الزياني، المخطط الجماعي للتنمية بين التباسات التخطيط وإكراهات سوسيولوجيا الواقع، مقال بمجلة وجهة نظر، العدد 60 و 61، ربيع وصيف 2014، السنة العشرون ، الصفحة 30.

30– دور المجتمع المدني في منظومة الحكامة، عرض لماستر الدستور والحكامة المالية، السنة الجامعة 2014/2015، الصفحة 11.

31– محمد زين الدين، المجتمع المدني والعمل الجمعوي بالمغرب أية علاقة؟، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 65، سنة 2005، الصفحة 124.

32 -عبد المالك إحزرير، محاضرات في السياسة العامة فصل الخامس قانون عام كلية الحقوق مكناس، السنة الدراسية 2015-2016، الصفحة 96.

33– جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة، جامعة هيوستن-تكساس، ترجمة عامر الكبسي، دار المسيرة للنشر والتوزيع، الصفحة 67.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً