الرئيسية أقلام موقع السياسات العمومية بالمغرب من الإصلاحات السياسية

موقع السياسات العمومية بالمغرب من الإصلاحات السياسية

15 أكتوبر 2019 - 11:38
مشاركة

لشعــــل

  • طالب باحث بمركز الدكتوراه في العلوم السياسية بكلية الحقوق وجدة.

مقدمة

لا مراء أن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية تشكل ليس فقط وسيلة للتداول على السلطة بل مناسبة حقيقة للأحزاب السياسية لعرض برنامجها الانتخابي، والالتزام بمضامينه أمام الناخبين لتحقيقه إذا ما هي حازت على ثقتهم.

ويستمد هذا التصور من فلسفة العقد الاجتماعي، كما نظر له فلاسفة الأنوار.

كما يعتبر البرنامج الانتخابي النواة الصلبة التي يرتكز عليها البرنامج الحكومي، بالإضافة إلى برامج الدولة التي يستدعي تنفيذها زمنا يتعدى مدة الولاية الحكومية، ويدخل في إطار تدابير الزمن الاستراتيجي للمؤسسة الملكية، كل هذه البرامج يتم تجميعها وتترجم إلى سياسات عمومية تستهدف المواطن كمنطلق وكغاية في الوقت نفسه.

إلا أن ما يلاحظ على الوضع السياسي في المغرب ما بعد دستور 2011، أنه شهد دينامية من الإصلاحات الدستورية والسياسية مست الجانب القانوني والحقوقي والمؤسساتي، في إطار مسلسل الإصلاحات السياسية التي باشرها المغرب منذ 1990، كمنتوج وعرض سياسيين يرقيان إلى تطلعات ومتطلبات المواطنين، يقدمان كرد فعل من الفاعل السياسي وفاء منه على التزامه إزاء الناخبين.

لكن واقع الحال الذي طبعته سلسلة من الاحتجاجات في بعض المناطق (الحسيمة، جرادة، زاكورة)، يطرح إشكالية تقييم السياسات العمومية، ويدفع الباحث إلى تشخيص محددات السياسات العمومية الجيدة، التي تحقق التنمية المستدامة الشاملة، والوقوف على مدى نجاعتها وفعاليتها وتأثيرها الإيجابي على الواقع الاجتماعي بالخصوص، هل أصل المشكل في السياسات العمومية يتجلى في الفعل السياسي؟ أم في الفاعل السياسي؟ أم فيهما معا؟

لمعالجة الإشكالية، سنلامسها من خلال محورين اثنين:

المحور الأول: الأسس الدستورية والقانونية لمهندسي صناعة السياسات العمومية

المطلب الأول: السياسات العمومية الوطنية

المطلب الثاني: السياسات العمومية الترابية

المحور الثاني: حظوظ وحدود النجاح في السياسات العمومية

المطلب الأول: في التأثير الإيجابي للسياسات العمومية

المطلب الثاني: في التأثير السلبي للسياسات العمومية

المحور الأول: الأسس الدستورية والقانونية في صناعة السياسات العمومية

قبل الغوص في ماهية السياسات العمومية، فإنه من غير المجدي التذكير بأن السياسات العمومية نوعان: هناك السياسات العمومية الوطنية التي تتم صياغتها على الصعيد المركزي، والأخرى التي تتم بلورتها على الصعيد الترابي.

المطلب الأول: في السياسات العمومية الوطنية

أولا: الماهية

يصعب على الباحث ايجاد تعريف دقيق وشامل لمفهوم السياسات العمومية، نظرا لتباين الأنظمة السياسية واتجاهاتها الفكرية. فأولويات النظام السياسي الليبيرالي ليست هي أولويات النظام السياسي الاشتراكي، والأمر كذلك عند معتمدي الإسلام السياسي، لهذا تباينت التعريفات حسب المواقف والمواقع والقناعات.

ومن جملة التعاريف التي نجدها، ما خلص إليه المعهد العالي للدراسات العمومية في فرنسا، حيث عرف السياسات العمومية بأنها: مجموع القرارات والأعمال والتدخلات المتخذة من قبل الفاعلين المؤسساتيين والاجتماعيين لأجل ايجاد الحلول لمشكل جماعي ما، بينما يذهب الباحثان الفرنسيان: ميني وجون كلود في كتابهما السياسة العمومية، إلى تعريف السياسة العمومية بأنها: “برنامج عمل حكومي في قطاع اجتماعي أو مجال جغرافي”.

ويستفاد من التعريفين أن السياسات العمومية طرحت لحل مشكل جماعي ما، وبالأخص حل مشكل اجتماعي.

وعلى هذا الأساس يتضح أن السياسات العمومية تضع المسألة الاجتماعية في صلب اهتماماتها ومقاصدها، وتولي أهمية قصوى لتلبية حاجيات المواطنين.

ثانيا: مهندسو السياسات العمومية الوطنية

من حسنات دستور 2011، أنه أضاف ثابتا آخرا من الثوابت الجامعة للأمة، ألا وهو الاختيار الديمقراطي (الفصل الأول)، هذا المفهوم يحيلنا بطبيعة الحال إلى آليات الانتخابات، التي أصبح لها معنى سياسيا في ظل الدستور الجديد، بحيث أصبح رئيس الحكومة يعين من طرف الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية، وعلى أساس نتائجها (الفصل 47)، على خلاف الدساتير السابقة التي لم تقيد صلاحيات الملك في تعيين الوزير الأول سابقا، وكانت صلاحياته مطلقة في هذا الشأن، بحيث كان الراحل الحسن الثاني رحمه الله يقول: يمكن أن أعين سائقي كوزير أول؛ فالدستور لا يمنعني ولم يقيدني بأي شرط.

أما في ظل الدستور الحالي، فالملك أضحى مقيدا بتعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الحائز على المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية.

وعلى هذا الأساس، أوكل المشرع الدستوري مهام ممارسة السلطة التنفيذية للحكومة (ف 89)، حتى يصبح متاحا لها تطبيق برنامجها الانتخابي الذي وعدت به الناخبين، وهنا يبرز في تقديرنا المعنى السياسي للانتخابات.

ويتجسد هذا البرنامج نظريا من خلال عرضه أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويتضمن الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني، وبالأخص في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والخارجية (فصل 88).

ومن المفروض أن البرنامج الحكومي ينبغي أن يطابق البرنامج الانتخابي الذي كان موضوع عقد في الحملة الانتخابية.

وعلى اعتبار أن البرنامج الحكومي ليس من القضايا التي يداول فيها المجلس الوزاري برئاسة الملك، فإن البرنامج الحكومي على هذا الأساس يعتبر شأنا حكوميا خالصا.

وعلى صعيد آخر، ومن خلال قراءة الفصل 49 من الدستور الذي خصص للقضايا التي يتداول فيها المجلس ومن جملتها البند الذي تطرق للتوجهات الاستراتيجية للدولة، والتي نضيفها كذلك في خانة السياسات العمومية ذات المدى البعيد.

لنخلص في الأخيرة إلى فكرة مفادها أن السياسات العمومية هي صناعة من اختصاص مؤسستين دستوريتين: المؤسسة الملكية والحكومة، وذلك إعمالا اتباعا لأحكام الدستور (الفصل 49) و(الفصل 92).

للإشارة، فإن الدستور نص تارة عن السياسة العامة للدولة، وتارة أخرى عن السياسات العمومية (الفصل 92)، وفي تقديرينا أن السياسة العامة للدولة هو معنى أشمل من السياسات العمومية، هذه الأخيرة تكون قطاعية وتشمل فقط المجالات التي تختص بتدبيرها الحكومة، علما أن ثمة مجالات تخرج عن نطاق اختصاصها، مثل المجال الديبلوماسي والعسكري والديني، التي هي من اختصاص المؤسسة الملكية وتدخل ضمن خانة السياسة العامة. وعليه، فإن السياسات العمومية هي من مشمولات السياسة العامة للدولة وليست مرادفا لها.

المطلب الثاني: السياسات العمومية الترابية

منذ فجر الاستقلال راهن المغرب على نظام اللامركزية كنمط في تدبير الشأن المحلي، وجاء دستور 2011 ليزكي هذا المعطى، وبحسب منطوق الفصل الأول الذي ينص على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة. وتمت على هذا الأساس دسترة الجهة، وأسندت لها مهمة المساهمة في تفعيل السياسة العامة، وفي إعداد السياسات العمومية من خلال ممثليها في مجلس المستشارين (الفصل 137)، الذين يشكلون بنسبة 1/5 من بين 3/5 المخصصة للجماعات الترابية (الفصل 63).

وبصدور القانون التنظيمي الخاص بالجهة 14/111 الذي أوكل للمجلس الجهوي مهمة وضع برنامج التنمية الجهوية (المادة 83 من ق. ت 14/111) الذي يعد رافعة للتنمية، يتضح أن الجهة تضطلع كذلك بمهام صياغة وصناعة السياسات العمومية الترابية.

المحور الثاني: حظوظ وحدود النجاح في السياسات العمومية

المطلب الأول: في التأثير الإيجابي للسياسات العمومية

الكل يتفق على أن السياسات العمومية الناجحة والناجعة هي تلك التي تترك وقعا إيجابيا على الواقع المعيشي للمواطنين بالخصوص، وتسعى إلى تحقيق الرفاه والاستقرار وتساهم كذلك في أن ينعم المواطن بحياة كريمة، تحفظ للإنسان أدميته ووجدانه، هذا الإحساس يولد ويوطد عنده عامل الانتماء إلى الوطن ويحقق الرغبة في العيش المشترك، وبالتالي ضمان التماسك الاجتماعي الذي يؤدي حتما إلى الاستقرار.

وفي حالة ما إذا كانت السياسات العمومية غير منتجة لأثار إيجابية تنعكس على عموم المواطنين، فقد تصبح وسيلة للاحتقان الاجتماعي.

هذا الاستهلال يقودنا إلى طرح التساؤل التالي: ما هي محددات السياسات العمومية الناجحة أو الفضلى؟ عموما السياسات العمومية الناجحة هي تلك التي ترسخ مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في مسار الإعداد والتنفيذ والتقييم للسياسات العمومية. وفي هذا الإطار، فالسياسات العمومية يجب أن يحضر فيها البعد التشاركي في جميع مراحلها، أي بحضور المجتمع المدني الحقيقي الذي يتميز بالاستقلالية وروح المبادرة والتطوع، والذي يشكل قوة اقتراحية، ويقدم بدائل للمشاريع تجاه الدولة، هذا المجتمع المدني الذي تعمل الدولة باقتراحاته وآرائه، لا المجتمع المدني الذي ينتصر لاختيارات الدولة؛ هذا الصنف الذي نريده مطلوب في عملية الإشراك، سواء في الإعداد والتقييد والتقسيم، خصوصا وأن الأمر متاح دستوريا.

المطلب الثاني: في التأثير السلبي للسياسات العمومية: مؤشر الاحتجاجات

تعالت في الآونة الأخيرة موجة من الاحتجاجات الشعبية في بعض المناطق (الحسيمة، جرادة، زاكورة…)، كرد فعل على سياسات عمومية قطاعية لم ترق إلى آمال المواطنين ومعالجة آلامهم، أكثر من ذلك، فإن النموذج التنموي برمته أصبح موضوع تساؤل وانتقاد حاد مما استدعى نوعا من الحكمة والتبصر، وحوارا هادئا لتشخيص الوضعية، بل لإيجاد الحلول، لأن موضوع التشخيص أخذ وقتا كبيرا، وعرف تضخما في هذا الباب.

ومما يثير القلق عن الوضعية الاجتماعية، فقد ظهر جيل جديد من الاحتجاجات، ألا وهو الاحتجاج الرقمي الذي تجاوز هيئات الوساطة التقليدية، التي ستصبح أكثر تجاوزا إن هي لم تتكيف مع واقع الحال.

وإذا كان من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الاحتجاجات الشعبية المادية، فإن الأمر يكون أعقد بالنسبة للاحتجاجات الرقمية أو الافتراضية.

ونختم بما عبر عنه ببلاغة فائقة الفيلسوف الفرنسي Alexis de Tocqueville: “إن مآل الحركات الاجتماعية والاحتجاجية يصعب التكهن بما ستنتهي إليه، فهي مثل الرواية أصعب جزء فيها كيفية إنهائها”.

توصيات الورقة البحثية على سبيل الختم

بعد تسليطنا الضوء، يشكل موجز لحالة الاحتقان الاجتماعي الذي يعيشها المغرب، لا مناص أن حلولا جذريا ينبغي إكمالها لتنفيس الوضع وابتكار حلول وأفكار جديدة للخروج من الحالة الستاتيكية، لهذا نقترح الحلول التالية:

1. ينبغي على السلطات العمومية إعمال مبدأ المقاربة التشاركية، كبراديغم جديد يحتفظ بالديمقراطية التمثيلية التي أبانت عن محدوديتها، ولكن نضيف إليها مشاركة المواطنين مباشرة، إحياء للديمقراطية المباشرة التي عرفتها العبقرية اليونانية، المقاربة ذاتها يجب توضيحها في اختيار المشاريع التي تعود بالنفع على فئات واسعة من المجتمع، وكفى من المقاربة العمودية في تنزيل المشاريع من فوق، والرضوخ للأمر الواقع، هذه المقاربة التشاركية تعتمد أساسا على حضور المجتمع المدني فاعلا وليس مفعولا به في جميع مراحل المشروع.

2. في السياق نفسه، إذا كانت الديمقراطية التشاركية كمعطى جديد في الدستور، فقد حان الوقت لتفعيلها حتى نجني ثمارها، ومن بينها أنها تغنيك ليس فقط عن المحاسبة، كما خلص إلى ذلك أحد الباحثين، بل يمكن أن نضيف أنها تخفف كذلك من الاحتجاجات.

3. تفعيل الجهوية: لا بد من استكمال الصرح القانوني الخاص بالجهة وذلك بإخراج المراسيم التطبيقية المكملة للقانون التنظيمي 14/111، خاصة في ما يتعلق بنقل الموارد المالية، إعمالا بمبدأ في القانون الإداري يربط ويلزم نقل الاختصاصات بنقل الموارد المالية والبشرية.

كما ينبغي العمل على تحديد الاختصاصات بدقة، خاصة المشتركة، وعقلنة المراقبة الإدارية بترك المبادرة والتدبير الحر لرؤساء الجهة مقابل تعزيز المراقبة البعدية والقضائية، لكي يتسنى لرؤساء الجهات وضع برامج تنموية تجيب على انتظارات الساكنة.

4. من الحلول التي نراها مناسبة، العمل على ترسيخ مبادئ الحكامة في التدبير الحكومي، وأهمها المهام الجديدة التي أصبح البرلمان يضطلع بها، وهي تقييم السياسات العمومية التي لم تفعل إلى حد الآن، وإذا كان المشرع الدستوري عمل على دسترها كجيل جديد من المهام البرلمانية، فقد كان الهدف يروم خلق نوع من المراقبة المستمرة على عمل الحكومة، لأنه لا يعقل بمجرد أن تحوز الحكومة على ثقة البرلمان، تنصرف وتطبق ما تشاء، بل تتحلل عن التزاماتها، فتقييم السياسات العمومية يعد تقويما لانحرافات الحكومة عن برنامجها التعاقدي، وهي كذلك عملية بينية ما بين الاستحقاقات ريثما يتم إما تجديد الثقة في الحكومة أو عقابها.

ومن تجليات مسألة التقييم كذلك، ما ينص عنه الفصل 76 من الدستور، بحيث تعرض الحكومة سنويا على البرلمان قانون التصفية المتعلق بتنفيذها القانون المالي خلال السنة الثانية التي تلي سنة تنفيذ هذا القانون، ويتضمن قانون التصفية حصيلة ميزانيات التجهيز التي انتهت مدة إنفاذها.

مع كامل الأسف، لم يحترم تنزيل هذا الفصل على الواقع من قبل الحكومة، لهذا لم تتح للبرلمان فرصة التدافع والجدال السياسي ومناقشة الحصيلة الحكومية بصفة دورية، لكي يتسنى للرأي العام فتح نقاش عمومي قوامه النقد البناء والمنتج لعمل الحكومة.

الهدف منه تفادي تكرار السياسات العمومية الفاشلة نفسها وعدم الوقوع فيها، والاستفادة من تجارب وتراكمات ودروس الماضي.

نافلة القول:

إن السياسات العمومية الناجحة هي التي تضع متطلبات المواطن في صلب منطلقاتها ومخرجاتها.

المصدر: موقع هسبريس

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً