الرئيسية أقلام الطبيعة القانونية للمحكم والآثار المترتبة عليه وفقا للقانون 05.08

الطبيعة القانونية للمحكم والآثار المترتبة عليه وفقا للقانون 05.08

30 سبتمبر 2019 - 18:20
مشاركة

المعلومة القانونية – نجاة المغراوي

  • باحثة في الوسائل البديلة لحل المنازعات

تقديم:

          يشهد العالم اليوم تحولا كبيرا في طبيعة الأنشطة التجارية والاقتصادية التي يمارسها الأفراد والمؤسسات، وباتت المحاكم تكتظ بالقضايا المعروضة عليها من منازعات بين الأفراد والمؤسسات وبين المؤسسات والأفراد، وما يترتب عنها من طول مسطرة التقاضي والإجراءات المعقدة التي تطبع القضاء الاحترافي، ولما كان الحال كذلك فإن الأمر اقتضى السماح للمتقاضين بالحق في حل نزاعاتهم عن طريق وسائل بديلة من بينها التحكيم.

والتحكيم يحظى بمكانة متميزة لدى الحضارات العريقة وهو شموله لعدة خصوصيات إيجابية جعلته يتبوأ مقدمة حل النزاعات عن طريق العدل وليس القانون على غرار قولة ارسطو الشهيرة (إن المحكم يرى العدالة، بينما لا يعتد القاضي الا بالتشريع)، وهكذا يلجأ الخصوم الى التحكيم عن طريق أفراد يختارونهم للفصل في النزاع ضمن الحدود المرسومة قانونا.

            ومن مبررات تعاظم دور التحكيم، هو ما يوفره هذا النظام من سرعة وسرية في الاجراءات مقارنة مع القضاء، مما يؤدي الى شعور أطراف النزاع بالرضى والاطمئنان، إذ تهيمن ارادتهم على هذا النظام بأكمله، بدءا من الاتفاق على المبدأ ذاته، ولثقتهم في حيدة وكفاءة المحكم الذي اختاروه بإرادتهم.

       وقد اهتم المغرب بالتحكيم الداخلي اهتماما لا يقل عن باقي التشريعات المقارنة في باقي الدول، وخصوصا بعد صدور قانون 05/08[1] إذ خصص الفرع الأول من الباب الثامن للتحكيم الداخلي والذي خصص له الفصول من 306 إلى 38-327، بحيث قام هذا التعديل بسد العديد من الثغرات التي كانت تميز القانون القديم[2] حيث جاء بالعديد من المقتضيات الجديدة سواء من حيث توسيع مجال التحكيم، أو من حيث إعادة تحديد دور القاضي الرسمي أومن حيث الاعتراف بالتحكيم المؤسساتي.

   إن خصومة التحكيم قوامها المحكم، وبقدر كفاءة المحكم تكون سلامة التحكيم، وإلا فلا قيمة للتحكيم، فالمحكم يستمد سلطاته من إرادة المحتكمين من جهة ومن إرادة القانون الذي أجاز له ممارسة مهمة التحكيم ومنحه سلطة إصدار الحكم من جهة أخرى، لذا يجب اختيار المحكم الكفؤ القادر على تحقيق العدالة بعيدا عن المصالح والرغبات الشخصية فلا شك أن التحكيم يكون جيدا بقدر ما يكون المحكم جيدا[3]، وهكذا، فإنه يشترط في المحكم صفات وشروط عامة قررها المشرع فضلا عن صفات وشروط خاصة ترك أمر تحديدها لتقدير المحتكمين.

   وعليه، سنقوم بدراسة كل ما يتعلق بشخص المحكم، سواء من حيث الشروط الواجب توفرها فيه (المطلب الأول)، أو أسباب تجريحه أو عزله وكذا أسباب انتهاء مهمته (المطلب الثاني).

         يعتبر المحكم المحور الأساسي التي تدور حوله خصومة التحكيم، وبقدر مهارة وخبرة المحكم تكون سلامة إجراءات التحكيم وصحة الحكم الصادر عنه، وقد أبان حسن أداء المحكم لمهمته يتوقف على ماله من مؤهلات وخبرات، وقد حدد المشرع المغربي مجموعة من الشروط الواجب توافرها في المحكم، والتي يتعين على القاضي أخذها بعين الاعتبار عند تشكيل هيئة التحكيم طبقا لما جاء في الفصل 320 ق.م.م الذي ينص على أنه: لا يمكن إسناد مهمة المحكم الا الى شخص ذاتي كامل الأهلية، لم يسبق أن صدر عليه حكم نهائي بالإدانة من أجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف أو صفات الاستقامة أو الآداب العامة، أو بالحرمان من أهلية ممارسة التجارة أو حق من حقوقه المدنية.

        إذا عين في الاتفاق شخص معنوي، فإن هذا الشخص لا يتمتع سوى بصلاحية تنظيم التحكيم وضمان حسن سيره.

أولا: الشروط الواجب توفرها في المحكم

  بصورة عامة، هناك اتفاق على أن الشروط المطلوب توافرها هي لغرض ضمان حياد واستقلال المحكم، كي يمكن الاطمئنان إلى قراره في حسم النزاع، وقد يكون من المفيد أن نذكر في هذه المناسبة أن المحكم عند اختياره من أحد أطراف النزاع، فإنه لا يعتبر وكيلا عن ذلك الطرف ولا يعتبر مدافعا أو محاميا عن وجهة نظر الطرف الذي اختاره، وإنما يمكن القول أن الاختيار ما هو إلا تفويض من الشخص لشخص آخر بأن يقوم هذا الأخير بحل النزاع وأن يقبل الأول بما يقرره المحكم[4].

وهكذا، فإن معظم التشريعات اتجهت إلى إعطاء الحرية للأطراف خصومة التحكيم في اختيار المحكم، مكتفية بوضع الضوابط العامة التي تضمن صلاحية المحكم لأداء مهمة الفصل في المنازعة المطروحة عليه[5].

ويلاحظ على أغلب التشريعات أنها لم تتطلب الخبرة أو المؤهل العلمي في المحكم الأمر الذي يجوز معه أن يكون المحكم خبيرا أو غير ذي خبرة في النزاع المطروح عليه، وملما بأحكام القانون أو على غير علم به، وعلى علم بلغة الخصوم أو يجهلها كما يجوز أن يكون أميا طالما أن الصفات التي نص القانون على استبعادها محصورة في نقاط محددة[6].

وتجمع الأنظمة القانونية الخاصة بالتحكيم[7] بصفة عامة على اشتراط أن يكون المحكم كامل الأهلية، ويقصد بالأهلية في هذا الصدد ألا يكون المحكم قاصرا أو محجورا عليه أو مفلسا، وأن يكون متمتعا بحقوقه المدنية فلا يكون محروما منها بسبب عقوبة جنائية أو إفلاس ولم يرد إليه اعتباره[8].

وتطبيقا لذلك، لا يصح تحكيم من كان قاصرا سواء كان مأذونا له بإدارة أمواله أو غير مأذون له بهذه الإدارة، أو محجورا عليه لأي سبب لجنون أو عته أو سفه أو غفلة[9].

والمشرع المغربي سار على نهج معظم التشريعات في اشتراطه الأهلية لممارسة مهمة المحكم، إذ نجده نص في الفصل 320[10] على الشروط الواجب توفرها في المحكم، إذ منع إسناد مهمة المحكم إلا إلى شخص كامل الأهلية ولم يسبق أن صدر عليه حكم نهائي بالإدانة من أجل ارتكاب أفعال تخل بالشرف أو صفات الاستقامة أو الآداب العامة أو بالحرمان من أهلية ممارسة التجارة أو حق من حقوقه المدنية.

ولكن الملاحظ أن المشرع المغربي عندما جاء بعبارات “أفعال تخل بالشرف” و”صفات الاستقامة” و”الآداب العامة” جاءت عامة وفضفاضة ولا تفي بالمقصود بشكل محدد ودقيق، مما يمكن أن ينتج عنه تأويلات وتفسيرات متناقضة، الأمر الذي يقتضي ضبط صياغتها بشكل واضح، كما نجد أن المشرع وفي نفس الفصل أشار إلى أنه وفي حالة عين في اتفاق التحكيم شخص معنوي فإنه لا يتمتع سوى بصلاحية تنظيم التحكيم وضمان حسن سيره.

كما أوجب المشرع[11] على الشخص الطبيعي الذي اعتاد القيام بمهمة المحكم أن يصرح بذلك إلى الوكيل العام للملك لتقييده في قائمة المحكمين ورغم أن مقتضيات الفصل 321 من قانون 05/08 حاول تنظيم مهنة المحكم لكن يظهر أنه تنظيم لازال في حاجة إلى كثير من الضبط، ذلك أن هذه المقتضيات لا تبين متى يتحقق الاعتياد على ممارسة التحكيم كما أنه تم قصر الإعلام بممارسة مهام التحكيم على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف التابع لها مقر المحكم، دون أن تتم مركزة هذه التصريحات على صعيد وحدة مركزية بوزارة العدل خاصة بشؤون المحكمين، كما أن النص لم يذكر أي جزاء على مخالفة المقتضيات المذكورة، ولاشك أن وضع قواعد غير دقيقة لضبط مسائل التحكيم من شأنه أن ينفر المحكمين من التحكيم فضلا عن العزوف عن التحكيم من قبل الفاعلين المعنيين، لذلك ينبغي الحسم في تنظيم مهنة المحكمين بكيفية دقيقة وخلق مصلحة خاصة بذلك على مستوى وزارة العدل على غرار ما قامت به تشريعات تحكيم جديدة كالتشريع المصري مثلا، دعما للمصداقية وتشجيعا للمحكمين وأطراف التحكيم[12].

وبخصوص الشروط الواجب توفرها في المحكم تثار مسألة جد مهمة وهي إمكانية ممارسة القضاة للتحكيم، إذ تطرح هذه المسألة جدلا كبيرا فهناك من التشريعات من تسمح وتدافع ولا ترى ما يمنع القاضي من ممارسة التحكيم، بينما هناك من يمنع على القاضي ممارسة التحكيم فمثلا نجد القانون المصري[13] يمنع صراحة القضاة من ممارسة التحكيم بغير موافقة مجلس القضاء.

أما بخصوص المشرع المغربي فلا نجد في قانون المسطرة المدنية القديم أي نص يدل على السماح أو منع القضاة من ممارسة التحكيم ثم بعد ذلك، وبعد أن جاء في مشروع قانون 05/08[14] ما يفيد إمكانية تكليف القضاة بمهمة التحكيم قرر مجلس المستشارين بالبرلمان[15] خلال مناقشته للمشروع حذف نص المادة: 322 التي كانت تسمح للقضاة بممارسة التحكيم بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء على ذلك مع اشتراط أن تمارس هذه المهمة مع التقييد بالمشاركة بالكرامة واستقلالية المهام في حظيرة المحاكم أو حسن سير المرفق العام للعدل.

وقد كانت مبررات هذا الحذف تتعلق بالقيود المفروضة بمقتضى مبدأ استقلالية القضاة التي تمنع عنهم ممارسة مثل هذه المهام إلا بترخيص خاص واستثنائي، وإبعاد التحكيم عن تدخل القضاء حتى يؤدي نظام التحكيم رسالته المتوخاة ويتفرع القضاة لتصريف الأعداد المتراكمة من الملفات والقضايا المعروضة أمام جميع المحاكم باختلاف درجاتها على صعيد التراب الوطني.

  ثانيا: أسباب تجريح المحكم

تعتبر إمكانية تجريح أو رد المحكمين إحدى الضمانات المخولة لأطراف خصومة التحكيم في مواجهة المحكم، والتي لا يجوز افتراض تنازل المحتكمين عنها، ويقصد برد المحكم، أن يعبر أحد المحتكمين في خصومة التحكيم عن إرادته في عدم الامتثال أمام محكم معين في قضية معينة لتوافر أحد الأسباب التي حددها القانون وطبقا للشروط والإجراءات التي يحددها[16].

والقاعدة أن المحكم يرد إذا قام به سبب من أسباب رد القضاة[17]، ذلك أن المحكم ليس وكيلا عن الطرف الذي عينه بل هو قاضي حقيقي ومن تم يجب أن يتوافر فيه طوال مدة التحكيم شرط الحياد والاستقلال تماما كالقاضي في الخصومة القضائية[18]، وبالتالي أوجبت القوانين الوطنية على المحكم عند تعيينه الإعلان عن الظروف التي تثير الشكوك حول حياده أو استقلاله لضمان توافر الثقة في شخصه، ومن أجل ذلك أيضا أجازت هذه القوانين لأي من الطرفين طلب رد المحكم بعد تعيينه إذا ظهرت ظروف من هذا القبيل لم يكن هذا الطرف يعلمه عند التعيين[19]، ولكن كل هذا لا يمنع من أن ينظر المحكم في النزاع المطروح أمامه رغم توفر أحد أسباب تجريحه ولكن بشرط أن يعلم أطراف النزاع بذلك وأن يوافقوا على تعيينه محكما رغم ذلك.

ذلك أن الخصوم لا يتفقون على التحكيم إلا لحسم خلافاتهم في جو خاص لا يسوده ما يسود جو المحاكم من رسميات ومظاهر وشكليات قد تؤثر على العلاقات  الودية القائمة بينهم، وكثيرا ما يكون أساس التحكيم والغرض الرئيسي منه وضع النزاع في يد شخص أمين حريص على تلك العلاقات أو محام لأحدهما يحترمه الآخر، فإذن الرباط الوثيق بين المحكم والخصوم أو بينه وبين أحدهم لا يؤثر في صحة اختياره متى كان معلوما لهم قبل اختيار المحكم، وإنما إذا كان أحد الخصوم على جهل بالعلاقة بين المحكم وخصمه، وكانت هذه العلاقة في ذاتها تعد سببا من أسباب رد القاضي عن نظر الدعوى أو تعد سببا من أسباب عدم صلاحيته لنظرها، فإن علمه بها بعدئذ يؤثر حتما في صحة اختيار المحكم ويكون للخصم التمسك برده وعزله وقد تجد أمور لم تكن موجودة من قبل -أي وقت الاتفاق على التحكيم-وتعتبر سببا من أسباب الرد أو عدم الصلاحية كما إذا تزوج المحكم إحدى أقارب المحتكمين[20].

وقد بين المشرع المغربي[21] بصورة واضحة وصريحة الحالات التي يمكن فيها تجريح المحكم وذلك على سبيل الحصر وهي:

– إذا صدر في حقه حكم نهائي بالإدانة من أجل ارتكاب أحد الأفعال المبينة في الفصل 320 من قانون 05/08.

– إذا كانت له أو لزوجه أو لأصوله أو لفروعه مصلحة شخصية مباشرة أو غير مباشرة في النزاع.

– إذا كانت هناك قرابة أو مصاهرة تجمع بينه أو زوجه وبين أحد الأطراف إلى درجة أبناء العمومة الأشقاء.

– إذا كانت هناك دعوى جارية أو دعوى منتهية في أقل من سنتين بين أحد الأطراف والمحكم أو زوجه أو أصوله أو فروعه.

– إذا كان المحكم دائنا أو مدينا لأحد الأطراف.

– إذا سبق أن خاصم أو مثل غيره أو حضر كشاهد في النزاع.

– إذا تصرف بوصفه الممثل الشرعي لأحد الأطراف.

– إذا كانت توجد علاقة تبعية بين المحكم أو زوجه أو أصوله أو فروعه وبين أحد الأطراف أو زوجه أو أصوله أو فروعه.

– إذا كانت صداقة أو عداوة بادية بينه وبين أحد الأطراف.

ومع كل هذه الأسباب اشترط المشرع المغربي[22] ألا يكون تجريح المحكم إلا لسبب طرأ أو اكتشف بعد تعيينه.

كما حدد المشرع إجراءات تقديم طلب التجريح وكذا الآجال المحددة لذلك.

    ثالثا: انتهاء مهمة المحكم

هناك عدة أسباب لانتهاء مهمة المحكم، ومن بين هذه الأسباب عزل المحكم، إذ يجوز عزل المحكم بتراضي الخصوم، سواء أكان قد تم تعيينه بواسطتهم، أم تم تعيينه بواسطة القضاء في التشريعات التي تجيز ذلك، أم تم بواسطة شخص كان قد سبق الاتفاق على منحه سلطة تعيين المحكم[23].

ويجوز أن يتم عزل المحكم بصورة صريحة كما يجوز أن يتم بصورة ضمنية، ولا يتطلب إجراء عزل المحكم شكلا معينا، فمن الجائز أن يتم شفاهة ومن الجائز أن يتم كتابة بعقد عرفي، أو بمجرد خطاب منهما إليه، والشرط الوحيد الذي يتطلب عزل المحكم هو اتفاق جميع الخصوم على ذلك.فالمشرع المغربي[24] اشترط موافقة جميع أطراف النزاع مع مراعاة مقتضيات الفصل 320، وذلك بخلاف تجريح المحكم الذي يتاح لأحد الأطراف في حالة ما إذا ثبت في حق المحكم أحد أسباب التجريح المنصوص عليها في الفصل 323، إذ أن اشتراط  اتفاق جميع الأطراف لعزل المحكم يهدف إلى تفادي ما من شأنه أن يولد تضاربا في المواقف، وما يمكن أن ينجم عنه من الاختلاف فيما بينهم حول معايير العزل، كما أنه في حالة حصول اتفاق جميع الأطراف حول العزل فإن ذلك لا يستدعي إصدار مقرر قضائي، بل وبمجرد إعلام المحكم بالعزل تنتهي مهمته التحكيمية.

كما يمكن أن تنتهي مهمة المحكم لأي سبب آخر من أسباب نهاية المهمة التحكيمية كأن يتنحى المحكم ويعتزل عن القيام بالمهمة التحكيمية والمقصود بتنحي المحكم تخليه عن مهمة التحكيم بعد قبوله بها صراحة أو ضمنيا لسبب أو لأسباب يعتقد كفايتها لرده وذلك دون أن يطلب منه الخصوم ذلك، وذلك خشية تأثره بهذا السبب في اضطلاعه بهذه المهمة، كما لو صار صهرا لأحد الخصوم أو ارتبط معه بعلاقة عمل فيؤثر التنحي عن التحكيم ولو لم ير الطرفان رده، وإذ ينشد المحكم بهذا التنحي ضمان الحياد والاستقلال في التحكيم، فإن التنحي بهذا المعنى يعد عذرا مقبولا لترك المحكم لمهمة التحكيم بعد قبوله لها، وهو في ذلك يختلف عن اعتزال المحكم لهذه المهمة، حيث يتوافر معنى الاعتزال إذ ترك المحكم مهمة التحكيم إراديا بعد قبوله لها وتعيينه لكن بدون عذر مقبول، مما يعتبر معه الاعتزال بمثابة خطأ من جانب المحكم، يستوجب مسؤوليته عن تعويض الضرر الناشئ عنه لطرفي التحكيم، إذ يمثل إخلالا بمهمة التحكيم بعكس التنحي الذي يحصل بعذر مقبول، هو ابتغاء الحيدة والاستقلال في مباشرة مهمة التحكيم، ومن تم لا يسأل المحكم الذي تنحى عن نتائج تركه لهذه المهمة تحقيقا لتلك الغاية[25].

ومن الأسباب الأخرى لنهاية المهمة التحكيمية كذلك وفاة المحكم أو فقده الأهلية، إذ لاشك في أن وفاة المحكم تؤدي إلى استحالة استمراره في مهمة التحكيم استحالة مطلقة وتؤدي وفاة المحكم إلى انعدام أثر مشارطة التحكيم كلما تعين اشتمالها على اسم المحكم أو المحكمين الذين تتشكل منهم محكمة التحكيم، وبالتالي يلزم اتفاق الطرفين تعيين محكم آخر بديلا للمحكم المتوفى وإلا انقضت المهمة التحكيمية.

أما فقد الأهلية أو عدمها فيندرج ضمن العوارض القانونية التي تخول دون مباشرة المحكم لمهمة التحكيم أو مواصلته لهذه المهمة كما يندرج ضمن هذه العوارض فقدان المحكم لحقوقه المدنية، لذا لا يسأل المحكم الذي ألم به عارض من هذه العوارض عن تعويض الطرفين عن الضرر الذي يصيبهما من جراء عدم مواصلته لمهمة التحكيم، ويكون الحكم كذلك أيضا إذا عرض للمحكم عارض مادي، كالمرض أو البعد بينه وبين مكان التحكيم أو العاهة وكل ما يمنعه ماديا من القيام بمهمة التحكيم مما يمكن اعتباره عذرا مقبولا[26].

ولم يحدد المشرع المغربي[27] أسباب انتهاء مهمة المحكم بل أكد فقط على ضرورة تعيين محكم آخر لتعويضه وفقا لنفس الشروط والقواعد المطبقة على تعيين المحكم الذي تم تعويضه، كما أجاز لرئيس المحكمة المختصة الأمر بإنهاء مهمة المحكم بناء على طلب أي من الطرفين في حالة إذا ما تعذر على المحكم أداء مهمته أو عدم مباشرتها أو الانقطاع عن أدائها بما يؤدي إلى تأخير غير مبرر لإجراءات التحكيم.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى مقتضى جد مهم جاء به قانون 05/08[28] وهو نصه على التزام المحكمين بكتمان السر المهني وذلك طبقا لما هو منصوص عليه في القانون الجنائي، ويعتبر هذا الفصل ضمانة كافية للمحتكمين وتشجيعا لهم على اللجوء إلى التحكيم، إذ أن قانون 05/08 ضمن لهم كتمان المحكمين لأسرارهم والذي يعتبر من أهم مزايا التحكيم.

[1] – القانون 05/08 الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.07.169 بتاريخ 19 ذي الحجة 1428 (30 نوفمبر 2007) الجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 25 ذو القعدة 1428 (6 ديسمبر 2007)، ص: 3894.

[2]– قانون المسطرة المدنية المصادق عليه بالظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 بتاريخ 11 رمضان 1394 (28 شتنبر 1974). الجريدة الرسمية عدد: 3230 مكرر بتاريخ 13 رمضان 1394 (30 شتنبر 1974)، ص: 2742.

[3] -مهند أحمد الصنوري، دور المحكم في خصومة التحكيم الدولي الخاص، رسالة دكتوراه، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2005، ص: 55.

[4] – فوزي محمد سامي،التحكيم التجاري الدولي، المرجع السابق، ص: 150.

[5] – مهند أحمد الصانوري، المرجع السابق، ص: 64.

[6] – أحمد الصانوري، المرجع السابق، ص: 64.

[7] – من أمثلة هذه القوانين: المادة 1451 من القانون المرافعات الفرنسي، المادة 16/1 من قانون التحكيم المصري المادة 15/أ من قانون التحكيم الأردني.

[8] – حسني المصري، المرجع السابق، ص: 180.

[9] -علي بركات: “خصومة التحكيم في القانون المصري والقانون المقارن”، دار النهضة العربية، طبعة 1996، ص: 177.

[10] – أنظر الملحق (قانون 05/08).

[11] – الفصل 321 من قانون 05/08.

[12] – عبد المجيد غميجة: “مستجدات مشروع القانون المتعلق بالتحكيم والوساطة”، المرجع السابق، ص: 32.

[13] – تنص المادة 36 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 على أنه: “لا يجوز للقاضي بغير موافقة مجلس القضاء الأعلى أن يكون محكما ولو بغير أجر”.

[14] – افصل 322 من مشروع قانون05/08.

[15] – تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، ص: 6.

[16] – أحمد الصانوري، المرجع السابق، ص: 201.

[17] – أحمد أبو الوفا، المرجع السابق، ص: 161.

[18] – حسني المصري، المرجع السابق، ص: 215.

[19]  -المرجع السابق، ص: 216.

[20] – أحمد أبو الوفا، المرجع السابق، ص: 162.

[21] – الفصل 323 من قانون 05/08.

[22] – الفصل 322 من قانون 05/08.

[23] – أحمد أبو الوفا، المرجع السابق، ص: 174.

[24] – الفصل 324 من قانون 05/08.

[25] – حسني المصري، المرجع السابق، ص: 225.

[26] – المرجع السابق، ص: 228.

[27] – الفصل 325 من قانون 05/08.

[28] – الفصل 326 من قانون 05/08.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً