الرئيسية أقلام دور القضاء في تكييف عقود الشغل وتعديل شروطها

دور القضاء في تكييف عقود الشغل وتعديل شروطها

18 يوليو 2019 - 23:27
مشاركة

المعلومة القانونية – محمد القاسمي

  • كاتب وباحث في الشؤون القانونية والقضائية
  • المدير المسؤول عن مجلة الباحث للدراسات القانونية والقضائية
  • المدير المسؤول عن سلسلة أبحاث قانونية جامعية معمقة

   تعد نظرية العقد من أهم النظريات التي جاء بها القانون المدني بأن عالجها ضمن باب مصادر الالتزام، وأقر لها مبدأين كانا نقطة تحول بالنسبة لدور الإرادة في خلق التصرفات القانونية بأن جعلها هي من تحدد أثرها بما يتماشى مع حاجات الأشخاص وتحقيق أهدافهم المشتركة، أولهما مبدأ سلطان الإرادة الذي أقرته كل التشريعات بقولها أن العقد شريعة المتعــاقدين، فلا يجوز نقضه أو تعديله إلى في حالة الاستثناء، أما المبدأ الثاني فيتعلق بالقوة الملزمة للعقد إذ يجب تنفيذه وفق ما تقتضيه إرادة الأطراف وبحسن نية.

فهناك حقيقة لا يمكن نكرانها وهي أن هذين المبدأين يضمنان ويحققان نوعا من الاستقرار القانوني، إلا أن بعض من الفقه الحديث يرى أن هذين المبدأين يجب أن يتمتعا بنوع من المرونة حتى يتكيفا مع مستجدات المجتمع المعاصر، وتترجم هذه المرونة بالسماح بوجود استثناءات يخول فيها للأطراف وللقاضي التدخل قصد تعديل العقد ومراجعة الشروط المضمنة فيه.

فيمكن للأطراف عند إبرامهم للعقد أن يضعوا من الحلول العملية ما يرونها ناجعة للحفاظ على التوازن بين الالتزامات والحقوق المخولة لكلا الطرفين بالاتفاق المسبق بينهما على إدراج بعض الشروط شريطة أن تحقق مصلحة لمن يشترطها وكذا ألا تكون مجحفة في حق الطرف الآخر.

أما إذا لم يتفق الأطراف على التعديل التوافقي بينهما للعقد في حالة ما تكون هناك ظروف تقتضي ذلك، فللطرف المتضرر حق اللجوء إلى القضاء في أحوال معينة لأجل رفع الضرر وذلك بتعديل أو إسقاط كل ما من شأنه أن يجعل العلاقة التعاقدية متباينة المصالح.

هذه الأمور كلها منصوص عليها في القواعد العامة للتعاقد كما هي واردة في قانون الالتزامات والعقود، أما بخصوص عقد الشغل باعتباره من العقود التي خصها المشرع بنصوص قانونية خاصة واردة في مدونة الشغل، حيث خول للمشغل والأجير الحرية في إبرام عقد الشغل وتضمينه ما بدا لهما من الشروط، لكنه نص على ضرورة احترام العديد من الضوابط والقيود والتي هي من صميم النظام العام تحت طائلة العديد من الجزاءات القانونية.

يجيز المشرع للقاضي مكنة تكييف عقد الشغل وإعطائه المعنى الحقيق الذي يتناسب مع واقع الحال، فقد يعتبر المشغل أن العقد الذي يربطه مع أجيره عقد محدد المدة أو موسمي، فيما يعتبره القاضي عقد غير محدد المدة باعتبار أن هذا الأخير هو الأصل، كما خول المشرع للقضاء كذلك إمكانية التدخل في نطاق عقد الشغل لتعديل شروطه المجحفة والتعسفية وذلك لأجل تخفيفها أو إسقاطها إذا اقتضت الضرورة ذلك.

فتدخل القضاء لتعديل الشروط المضمنة في عقود الشغل وكذا إعطاء التكييف الصحيح لها هو من أهم الأدوار المنوطة به، حيث بهذا يساهم في استقرار العلاقات الشغلية بين الأطراف، كما يكرس ذلك نوعا من الحماية للطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية.

فعقود الشغل تبرم لتحقيق أغراض مختلفة، فإذا تحقق الغرض المتوخى من العقد بعد إبرامه، فإنه يكون صحيحا منتجا لآثاره، غير أنه إذا كان العقد مستوفيا لجميع أركانه وشروطه، ولكن الغاية من إبرامه لم تتحقق سواء بكيفية جزئية أو كلية، فإنه يطرح إشكالا، يتعلق إما بتكييف العقد أو تفسيره أو إعادة النظر في شروطه، وهذه المسألة مخولة بالأساس للأطراف ولا يتدخل القاضي في الأمر إلى عند النزاع والخلاف في كل ذلك.

ويقصد بتكييف عقد الشغل تلك العملية الذهنية التي يقوم بها القاضي من أجل البحث عن المقصد الذي توجهت إليه إرادة طرفيه –أي الأجير ورب العمل- من إبرامه، أي تحديد ما انصرفت إليه النية المشتركة لهما وعدم الاقتصار على الإرادة الفردية لكل منهما.

ويقصد بتعديل شروط عقد الشغل، تدخل القضاء لإجراء موازنة بين أطراف العلاقة التعاقدية في عقد الشغل، وذلك عن طريق بسط رقابته على جملة الشروط المضمنة فيه، حيث يحتفظ بالشروط المتفق عليها والتي لا تشكل إجحافا في حق أحد العاقدين ولا تخالف النظام العام، ويتم تعديل الباقي منها إما بتخفيفها أو إسقاطها من العقد.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً