الرئيسية أقلام الأحكام العامة للفقد والمفقود في ضوء مقتضيات مدونة الأسرة  

الأحكام العامة للفقد والمفقود في ضوء مقتضيات مدونة الأسرة  

17 يوليو 2019 - 16:54
مشاركة

المعلومة القانونية – ذ. محمد القاسمي

  • كاتب وباحث في العلوم القانونية والقضائية
  • مدير مسؤول عن مجلة الباحث للدراسات القانونية والقضائية
  • مدير مسؤول عن سلسلة أبحاث قانونية جامعية معمقة 

يمكن التأصيل للفقد كمفهوم في معجم اللغة العربية المعاصرة كونه مشتق من  فقد يفقد فقدا وفقدانا، فهو فاقد، والمفعول مفقود وفقيد، فقد الشيء: أي ضاع منه وغاب عنه، مثال: فقد الكتاب، أي أضاعه ولم يعد بحوزته، قيل في صورة يوسف: “نفقد صواع الملك” أي لم يعد في حوزتنا وسرق منا، فكلها معاني تدل على الضياع والغياب والاختفاء، أما معنى الفقد في معجم  لسان العرب: فَقَدَ الشيءَ يَفْقِدُه فَقْداً وفِقْداناً فهو مَفْقُودٌ وفَقِيدٌ عَدِمَه وأَفْقَدَه الله إِياه، والفاقِدُ من النساءِ التي يموتُ زَوْجُها أَو ولدُها.

أما المفقود فيختلف عن الغائب وهو الشخص الذي غاب عن الأنظار وانقطعت عنه الأخبار ولم يعرف أهو حي أم ميت ولا يعلم له موضع، فقد عرفه الدليل العملي لمدونة الأسرة بأنه كل شخص غاب وانقطع خبره، ولم يعلم مكان وجوده، سواء كانت غيبة ظاهرها الهلاك، كباخرة غرقت أو طائرة نكبت، أو ظاهرها السلامة كطلب العلم أو ممارسة التجارة…الخ.

لقد نظم المشرع المغربي أحكام الفقد في مدونة الأسرة كأحد الأسباب التي تنتهي بها الشخصية القانونية للفرد حكما، وكذا باعتباره سبب من أسباب انتهاء العلاقة الزوجية وما يترتب على ذلك من آثار في المواد 74 و75 و76،  وكسبب من أسباب الميراث في المواد 324 و325 و326 و327 كون الحكم بتمويت المفقود يجعل من حق ورثته تقسيم ما خلفه من تركة وراءه، حيث المشرع من خلال كل هذه المواد بين الحالات التي تتحقق فيها واقعة الفقد، والمدة التي يعتد بها للقول أن الشخص مفقود، كما بين الجهة التي لها الحق أن تطلب الحكم بتمويته، وتلك التي لها الحق في أن تصدر حكم بتمويته، كما بين مجمل الآثار الناجمة عن تحقق واقعة الفقد والحكم بتمويت المفقود، وتلك المترتبة على إثر ظهوره من جديد بعد الحكم بتمويته قضاء.

ففيما يخص الجهة المخول لها صلاحية إصدار حكم بتمويت المفقود فهي القضاء، حيث نصت المادة 74 من المدونة على ما يلي:” تحكم المحكمة بوفاة المفقود طبقا للمادة 327 وما بعدها”، فالميت حكما هو المفقود الذي أصدرت المحكمة في حقه حكما بتمويته نتيجة لاختفائه على الأنظار ولانقطاع الأخبار عنه، حيث إنه وقبل الحكم بتمويته يظل هذا المفقود مستصحب الحياة بالنسبة لماله فلا يورث ولا يقسم بين ورثته إلا بعد الحكم بتمويته، ومحتمل الحياة في حق نفسه وكذا في حق غيره، فيوقف الحظ المشكوك إلا أن يبت في أمره.

اختلف فقهاء المذاهب السنية الإسلامية الأربع حول مجموعة من الأمور التي تخص أحكام الفقد والمفقود، لعل أهمها تلك المتعلقة بالمدة التي يعتد بها لاعتبار الشخص مفقود من عدمه، ومن هنا ظهرت عدة أقوال، فالقول الأول للمالكية، حيث ذهبوا إلى التصريح بأن المدة المقرر للحكم بتمويت المفقود تختلف باختلاف مكان الفقد وسببه، فالمفقود في بلاد الإسلام يحكم بتمويته بمرور أربع سنوات من تاريخ بداية البحث عنه، أما إذا فقد في غير بلاد الإسلام في حالة السلم كالأسير، فلا يحكم بتمويته إلا بعد أن يبلغ من العمر مدة التعمير، أما إن فقد في حالة الحرب فيحكم بتمويته بعد مرور سنة من تاريخ اليأس من معرفة خبر حياته أو موته، أما الذي فقد في معركة وشهد القتال فيجب الحكم بتمويته بمجرد انتهاء المعركة والعجز عن الوقوف عن خبر حياته من عدمه، أما القول الثاني فهو قول الحنابلة، حيث يميزون بين من فقد في ظروف يغلب فيها الهلاك وبين من فقد في ظروف ظاهرها السلامة، فالذي فقد في ظروف يغلب عليها الهلاك فيتم انتظار مرور أربع سنوات من تاريخ بداية البحث عنه، وبعد مرورها يحكم القاضي بتمويته، أما المفقود في ظروف ظاهرها السلامة فهنا ينتظر مرور تسعون سنة تحتسب من يوم مولده وعند تمامها وعدم ظهوره يحكم القاضي بتمويته، وبخصوص القول الثالث فكان للحنفية حيث لم يفرقوا بين من فقد في ظروف يغلب فيها الهلاك وظروف ظاهرها السلامة، إلا أنهم اختلفوا في تقدير المدة التي يحكم بعد انقضائها بتمويت المفقود، حيث قدرها البعض منهم في سبعين سنة والبعض الآخر في تسعين سنة، أما القول الرابع والأخير فقد كان للشافعية الذين يأخذون برأيين، الأول لا يحكم بتمويت المفقود إلا بعد مضي أربع سنوات من تاريخ الفقد، وهذا التوجه كان في مذهب الشافعية القديم، أما القول الثاني فكان يأخذ به في المذهب الجديد، والذي يقر أنه لا يجوز الحكم بتمويت المفقود حتى تقوم بينة بموته أو مضي مدة يغلب فيها الظن على أنه لا يعيش فوقها فيجتهد القاضي ويحكم بوفاته.

أما بخصوص السبيل الذي سلكته مدونة الأسرة في هذا الخصوص، فإذا كان المشرع المغربي قد أكد في المادة 326 من المدونة أن المفقود يعتبر حيا مادام لم يصدر الحكم بتمويته، فإن المادة 327 من نفس المدونة نصت على أنه:” يحكم بموت المفقود في حالة استثنائية يغلب عليه فيها الهلاك بعد مضي سنة من تاريخ اليأس من الوقوف على خبر حياته أو مماته.

أما في جميع الأحوال الأخرى، فيفوض أمد المدة التي يحكم بموت المفقود بعدها إلى المحكمة، وذلك كله بعد التحري والبحث عنه بما أمكن من الوسائل بواسطة الجهات المختصة بالبحث عن المفقودين.”

فالمشرع هنا ميز في خضم هذه المادة بين حالتين وهما: الفقد في ظروف استثنائية، حيث يتم الحكم بتمويت المفقود بعد مرور سنة من تاريخ اليأس من الوقوف على خبر موته أو حياته، أم الحالة الثانية هي: الفقد في جميع الأحوال الأخرى غير الحالة الأولى، حيث في الحالة الأخيرة يسند أمر تقدير المدة التي يجب انتظارها لتمويت المفقود إلى السلطة التقديرية لقضاة الموضوع بعد الأبحاث والتحريات التي تأمر المحكمة بإجرائها بواسطة النيابة العامة وباقي الجهات المؤهلة للبحث عن المفقودين.

أما بخصوص الدعوى القضائية الرامية إلى تمويت المفقود فترفع من طرف كل ذي مصلحة، سواء الزوجة أو الأبناء والآباء وباقي الورثة كقاعدة عامة، ويمكن أن ترفع من طرف النيابة العامة استثناء تطبيقا لمقتضيات المادة الثالثة من مدونة الأسرة التي جعلت النيابة العامة طرفا أصليا في كل القضايا الرامية لتطبيق أحكامها، والدعوى القضائية التي يتم سلوكها لاستصدار حكم بتمويت المفقود يجب أن تتبع بشأنها الإجراءات المسطرية المقررة في مدونة الأسرة وقانون المسطرة المدنية كذلك.

فبعدما تصدر المحكمة حكمها بتمويت المفقود، فهو يعتبر في تلك الوضعية من تاريخ صدور الحكم القاضي بتمويته وليس من تاريخ فقده، وهذا الحكم ينتج العديد من الآثار الشرعية والقانونية تهم أسرة المفقود وأمواله، حيث نصت المادة 72 من المدونة على أنه:” تترتب على انحلال عقد الزواج آثاره المنصوص عليها في هذه المدونة، وذلك من تاريخ:

  • وفاة أحد الزوجين أو الحكم بوفاته…”

ومن هذه الآثار نجد أن الزوجة تعتد عدة وفاة التي هي 4 أشهر و10 أيام طبقا للمادة 132 من المدونة على اعتبار أن العلاقة الزوجية انتهت كما أقرت بذلك المادتين 71 و 72 ما لم تكن هذه الزوجة حاملا، حيث تنتهي العدة بالولادة أو سقوط الجنين كما بينت ذلك المادة 133 من مدونة الأسرة التي نصت على ما يلي:” تنتهي عدة الحامل بوضع حملها أو سقوطه”.

ومن الآثار الناجمة كذلك عن الحكم بتمويت المفقود أنه يضع حدا للعلاقة الزوجية، كما ينتج عن الحكم بالتمويت وجوب مؤخر الصداق للزوجة التي لم تقبض صداقها كاملا، وكذا سقوط النفقة وثبوت الحق في الميراث حيث نصت المادة 323 من المدونة على ما يلي:” يستحق الإرث بموت الموروث حقيقتا أو حكما، وبتحقق حياة وارثه بعده.”

وقد يحدث وأن يكون للمفقود أموال سواء منقولة أو عقارية، فبعد الحكم بتمويته تصفى تركته من كل الديون ويأخذ منها أصحاب الحقوق حقوقهم إن وجدوا قبل أن يتم تقسيم الباقي على الورثة.

غير أن الحكم بتمويت المفقود لا يستند إلى دليل قطعي، بل إلى اجتهاد قاضي الموضوع فقط، ولهذا فقد يظهر المفقود من جديد بعد الحكم بتمويته مما يترتب عليه آثار أخرى غاية في الأهمية، حيث إن المادة 75 من المدونة نصت على أنه:” إذا ظهر أن المفقود المحكوم بوفاته ما زال حيا، تعين على النيابة العامة أو من يعنيه الأمر، أن يطلب من المحكمة إصدار قرار بإثبات كونه باقيا على قيد الحياة.
يبطل الحكم الصادر بإثبات حياة المفقود، الحكم بالوفاة بجميع آثاره، ما عدا زواج امرأة المفقود فيبقى نافذا إذا وقع البناء بها”.

كما أن المادة 76 من مدونة الأسرة جاءت بمقتضى قد يثير إعماله بعض من الإشكالات وخصوصا تلك المتعلقة بالحقوق المكتسبة، حيث نصت على أنه:” في حالة ثبوت التاريخ الحقيقي للوفاة غير الذي صدر الحكم به، يتعين على النيابة العامة وكل من يعنيه الأمر طلب إصدار الحكم بإثبات ذلك، وببطلان الآثار المترتبة عن التاريخ غير الصحيح للوفاة ما عدا زواج المرأة”.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً