الرئيسية أقلام آخر املاءات البنك الدولي للمغرب.. التداعيات الاقتصادية والاجتماعية

آخر املاءات البنك الدولي للمغرب.. التداعيات الاقتصادية والاجتماعية

16 أبريل 2019 - 16:17
مشاركة

المعلومة القانونية – المصطفى الكاري

  • خريج ماستر التوثيق والمنازعات المدنية.

في آخر طلعاته وممارسا لصلاحياته التي خص نفسه بها والمتمثلة في تقديم الدعم الفني للدول النامية أو تلك التي في طور النمو، أي الدول المنخفضة الدخل، بهدف  تخفيف حدة الفقر فيها، وتقديم الخدمات الاجتماعية، وحماية البيئة، وتشجيع النمو الاقتصادي الذي من شأنه تحسين مستويات المعيشة.

وقد جاء تقرير البنك الدولي حول المغرب معنونا بالمغرب في أفق 2040 الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي، وهو التقرير[1] أو المذكرة التي أجرت تشخيصا للأداء الاقتصادي والاجتماعي للمملكة خلال السنوات الخمس عشر الماضية، قبل الاستشراف العام،  كما يضع رؤية محاسباتية من أجل تحقيق “النمو الاقتصادي لمغرب 2040”[2] والذي يعد بأن الناتج المحلي للفرد المغربي الواحد -القدرة الشرائية- يمكن أن يصل إلى 45% من نظيره في دول جنوب أوروبا، وتتلخص هذه الإملاءات (الواقعية بحسب ما أسماها التقرير) في ثلاث نقاط رئيسة يرى فيها البنك خلاص الاقتصاد الوطني، وهي كالآتي:

  • سحب صفة الوظيفة العمومية عن معظم الموظفين- بالأحرى الوافدين الجدد- على قطاع الوظيفة العمومية.
  • تخفيض كثلة الأجور.
  • تقليص النفقات العمومية على التعليم بتشجيع القطاع الخاص.

وقبل الخوض في تقييم الحلول المعطاة في المذكرة قيد التحليل، فإنه يمكن أن نشير عَرَضًا إلى أن هذه الورقة النقدية لن تناقش مجموع ما تناولته المذكرة وإنما ستُقصر على تقييم السبل المقترحة من لدن البنك وآثارها الاقتصادية والاجتماعية وتمظهرات هذه الآثار، دون الجانب التشخيصي لها.

النقطة الأولى: الاملاءات الاقتصادية للبنك الدولي

بعد تشخيص للاقتصاد الوطني استغرق حوالي 38 صفحة الاولى نوه فيه البنك بالمنجزات والمكاسب الاقتصادية التي نجح المغرب في تحقيقها في السنوات الأخيرة، وكذا للمشاكل التي ظل يتخبط فيها، شرع التقرير في اقتراحاته وحلوله -الواقعية- ممثلة في التالي:

  • تحسين فعالية سياسات سوق العمل: وذلك من خلال “تفويت” خدمات التوظيف والتدريب إلى مصالح خارجية في إطار عقود مدفوعة الأجر لموزودي الخدمات بناء على النتائج المحققة.
  • الدعوة إلى مراجعة نظام الوظيفة العمومية: من خلال إعادة النظر في النظام الأساسي للوظيفة العمومية الصادر سنة 1958 عبر تطوير بعض المفاهيم كالترقية المبنية على الأقدمية في حين أن العمل والأداء ينبغي أن يكون حجر الزاوية الذي تقوم عليه مبادئ الترقية في الوظيفة، وكذا حل بعض المشاكل الوظيفية كالتغيب عن العمل وضرورة التشدد في التأديب عنه، مع تفعيل مقتضيات منشور رئيس الحكومة الصادر سنة 2012 بهذا الصدد، وفي هذه النقطة بالتحديد يدعو المغرب إلى اتباع حذو بعض الدول مثل نيوزيلاندا، المكسيك، كوريا الجنوبية، وسنغفورا من خلال نزع صفة الوظيفة العمومية عن معظم موظفي الدولة[3].
  • إصلاح الوظيفة العمومية عن طريق اللجوء إلى التعاقد[4]، وهو الأمر الذي شرع المشرع المغربي في تنفيذه من خلال إصداره بتاريخ 9 غشت 2016 للمرسوم  رقم 2.15.770 المتعلق بتحديد شروط وكيفيات التشغيل بموجب عقود.
  • وضع التربية في صلب التنمية عبر تحديث النظام التربوي ككل وتبني حكامة جديدة للمدرسة العمومية، وذلك عبر تطوير عرض تربوي بديل (المدارس الحرة بصريح العبارة)[5].
  • خفض تكاليف التشغيل: عبر تحكم أفضل في كتلة الأجور والتنفيذ الصارم للقانون التنظيمي المتعلق بقانون المالية، داعيا المغرب مرة أخرى إلى استنباط الدروس من الإصلاحات التي تم تنفيذها في العديد من بلدان العالم التي يتم فيها حاليا توظيف الغالبية العظمى في الإدارة عبر عقود محددة المدة، ومؤكدا كذلك على أن مسألة خفض التكاليف يمكن أن تتم عبر تطوير عرض تربوي بديل ممثلا في التعليم الخاص هو من صميم مهام الدولة.

النقطة الثانية: الآثار الاقتصادية والاجتماعية لإملاءات البنك الدولي

لا شك أن حلول هذا التقرير ليست كلها على صعيد واحد فمنها الحسن أيضا (كضرورة إعادة النظر في الوظيفة العمومية، وكذا ضرورة تعزيز العقد الاجتماعي، إعادة ترتيب أولويات السياسات العمومية، ومحاربة نظام الامتياز مع جميع أشكال الريع الاقتصادي…)، ومنها ما يمكن أن يحدث من المآسي الاقتصادية والاجتماعية ما نحن في غنى عنه.

وعلى ذكر الآثار الاقتصادية والاجتماعية نعلم أنه لا يوجد قرض بدون ثمن، حيث تقترن قروض صندوق النقد دائما بشرائط وارشادات لازمة للدول المستقرضة، والتي تأتي تحت غطاء التحرر الاقتصادي، يحاول الصندوق دائما من خلالها وظاهريا ضمان استرداد القرض مستقبلا مصحوبا بالفوائد المتفق عليها، حيث يسجل التاريخ سيناريوهات كارثية لبعض الدول التي سِيرَ بها نحو الانتحار الاقتصادي والاجتماعي بالتبعية، وهذه بعضها[6]:

  • في غانا مثلا أصر صندوق النقد على فرض رسوم على الالتحاق بالمدارس وكنتيجة انخفض عدد الملتحقين بالمدارس من الأطفال نحو الثلثين.
  • في زامبيا دعا الصندوق للحد من الانفاق على الصحة وكانت النتيجة تضاعف عدد وفيات الأطفال مرتين.
  • في كينيا وإذ يصر الصندوق على فرض رسوم على زيارة الطبيب، تكون النتيجة ارتفاع عدد المصابين بالأمراض الجنسية إلى 65%.

أما عن الدول التي نجت من هذا الانتحار الاقتصادي والاجتماعي يُذكر منها[7]:

  • ماليزيا مثلا في سنة 1997 حين انهارت اقتصادات دول جنوب شرق آسيا، ولجأت هذه الدول إلى الصندوق من أجل الاقتراض، استثنت ماليزيا بقيادة مهاتير نفسها وقررت سلوك الطريق الصعب، المتمثل في فرض ضوابط على حساب الرأسمال، إلغاء التداول على عملتها “الرينغيت” خارج البلاد، تجميد تخارج الأجانب من محافظهم المالية لمدة عام، خفض نسبة الفائدة….، وها هو اقتصادها اليوم يحتل المرتبة الرابعة على مستوى دول جنوب شرق آسيا، والمركز 35 عالميا.
  • البرازيل كذلك في الثمانينات من القرن الماضي حين غرقت في الديون وكيف نجت بالقيادة الحكيمة للرئيس الجديد آنذاك “لولا دا سيلفا”، وغيرها من التجارب التي تعد مراجع لبقية الدول ومن بينها المغرب لاستخلاص العبر.

أما عن تداعيات تطبيق وصايا البنك الدولي بالمغرب، فلا شك أن هذه التداعيات والآثار الجانبية لقبول المغرب بهذه التوصيات قد بدأنا نلمسها منذ الآن، سواء على مستوى التعاقد أو على مستوى تعزيز القطاع الخاص من خلال تصريف بعض الصلاحيات التي تعد من مقومات الدولة، أو على مستوى تقليل نفقات التوظيف وغيرها مما يمكن التعرض إليه كالآتي:

على مستوى نظام التوظيف

ويهم الأمر كل مراجعة النظام الأساسي للوظيفة العمومية، بحيث جاري بالفعل مراجعة هذا النظام الصادر سنة 1958 من خلال مشروع القانون رقم 50.05 من جهة ، وإقرار التعاقد في التوظيف من جهة ثانية، ويدعم التقرير طرحه هذا بأن في الأمر تعزيز للامزكزية[8]، وهي الأسطوانة التي ترددها الجهات الحكومية القائمة على إقرار التعاقد بالمملكة، والبنك حينما دعا لإقرار التعاقد في الوظيفة العمومية الذي رأى فيه أنه تعزيز لمسار اللامركزية، لم يقصره على قطاع معين، عكس ما جرى بالمغرب حيث تم قصره بداية على موظفي قطاع التعليم.

وككل البلاد الأخرى يكون التعليم والصحة والقضاء قطاعات تشكل أركان الدولة ومقوماتها، إذ لا ينبغي التخلي عنها بسبب أنها لا تذر دخلا ماديا لخزينة الدولة.

على مستوى تعزيز القطاع الخاص

بقدر ما يرى التقرير في أغرب توصياته أن تعزيز القطاع الخاص (المقصود هنا هو الصحة والتعليم) من شأنه أن يُسهم في الرفاه الاجتماعي وتعزيز الثقة وحسن المواطنة وظهور الطبقة الوسطى، بقدر أنه لم يُعزز هذا الطرح بالكيفية التي يكون بها الانزال لهذه التوصية، وعليه فإنها تبقى مجرد حكم قيمة، ولا يقوم تعزيز القطاع الخاص دليلا على انه يعود بأثر رجعي إيجابي على الرفاه الجماعي.

كما أن مثل هذه التوصية تبقى مجرد زيادة، فأي تعزيز ينشده هذا التقرير بصالح القطاع الخاص المعزز أصلا من خلال كل هذه الإعفاءات الضريبية والتي رد بها القطاع الخاص الجميل من خلال بيع المدرسة والمستشفى العموميين والاتجار في الحقوق الدستورية للمواطن، كالحق في الصحة والتعليم والسكن، وحمل الأسر المغربية على اللجوء إلى القطاع الخاص والذي قد لا تسايره حتى ذات الدخل المتوسط منها.

وعلى ذكر هذه المشاكل الجبائية فإنه ينتظر تنظيم مناظرة وطنية للجباية بين الثالث والخامس من ماي المقبل بالصخيرات، وهي المناظرة التي يراد لها أن تجيب على سؤال كيف يمكن للسياسة الجبائية أن تساهم معالجة مشكلة التشغيل والفوارق بالمغرب[9]؟

وفي الختام إن كانت هنالك إملاءات فينبغي أن تصدر عن المؤسسات الدستورية بالبلاد كل في مجال اختصاصها، كمؤسسة المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية (IRES)  مثلا، وهذا لا يعني الاستخفاف بتوجيهات المؤسسات الدولية التي تربطنا معها التزامات مالية وانما يعني عقلنة التعامل مع مثل هذه الاملاءات عبر تطويعها وتبيئتها بما يتمشى مع الواقعين الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب.

[1]  أعد هذا التقرير ثلة من كبار الاقتصاديين والخبراء في الحقل الاقتصادين خلف إدارة جان بيير شوفور (كبير الاقتصاديين)، بمساعدة وإشراف أجوست تانو كوام بصفة مدير.

أما عن ترجمة التقرير إلى العربية فقد أسندت إلى شركة (أنتوربترز موروكو).

[2]  ونُذكر أن آخر تقرير للبنك الدولي حول الوضعية العامة بالمغرب كان سنة 1995.

[3] أنظر الصفحة 42.

[4]  انظر الصفحة 33 من التقرير حول إصلاح الوظيفة العمومية.

[5]  أنظر الصفحة 14 من التقرير.

[6]  أنظر تقرير قناة DW المنشور بتاريخ 2018-07-15.

[7] أنظر التقرير نفسه.

[8]  أنظر الصفحة 57 من التقرير.

[9]  انظر لقاء الوزيز السابق للملية  محمد برادة مع جريد TelQuel  وهو رئيس اللجنة العلمية التي ستتولى الإعداد للمناظرة المذكورة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً