الرئيسية أقلام ممكنات إعمال الرقابة القضائية على المصالحة الجمركية

ممكنات إعمال الرقابة القضائية على المصالحة الجمركية

10 أبريل 2019 - 23:51
مشاركة

المعلومة القانونية – سعيدة بوجلال

  • طالبة باحثة.

       تعتبر المصالحة الجمركية آلية بديلة لحل المنازعات الجمركية التي تنشأ بين إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة من جهة، وبين المخالف للقوانين والأنظمة الجمركية من جهة أخرى، فهي تروم حل النزاع بشكل ودي بعيدا عن القضاء ومسطرته المعقدة، وتضمن للإدارة التحصيل السريع والفعال لمستحقاتها في أقصر وقت ممكن، كما تهدف إلى تخفيف العبء على المحاكم.

وقد منح القانون حق إبرام المصالحة الجمركية لإدارة الجمارك تمارسه طيلة مراحل النزاع، منذ ضبط الجريمة (الجنحة أو المخالفة الجمركية) إلى آخر لحظة تعرض فيها القضية أمام القضاء، بل وحتى بعد صدور حكم نهائي في النزاع[1]، الشيء الذي يترتب عنه جملة من الآثار القانونية تختلف باختلاف وقت إبرام المصالحة التي يمكن أن تتم قبل صدور الحكم النهائي أو بعده، ففي الحالة الأولى يترتب عن المصالحة سقوط دعوى النيابة العامة ودعوى الإدارة[2]، أي أن لها أثر مسقط للدعوى، وهو ما نص عليه الفصل 273 من مدونة الجمارك[3].

أما إذا أجريت المصالحة بعد صدور الحكم النهائي فإن أثرها يقتصر على الغرامة فقط، ولا يطال العقوبة الحبسية والتدبير الوقائي الشخصي المنصوص عليه في المادة 220 من مدونة الجمارك[4] الذي يقضي بالمنع من المقام بدائرة الجمارك[5].

وإذا كان المشرع هو الذي يتولى تحديد آثار المصالحة الجمركية ويجعلها تؤدي إلى سقوط حق الدولة في العقاب، فإن هذه المؤسسة تزاحم مبدأ “قضائية العقوبة”، والذي يقتضي أن تصدر العقوبة عن السلطة القضائية وهي متمتعة بالحياد والتخصص، وأن يتم إصدارها وفق مسطرة تكفل ضمانات المحاكمة العادلة. الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل عن وضعية القضاء في مسطرة المصالحة ومدى الصلاحيات التي يتمتع بها في مراقبة هذا الإجراء، خاصة في ظل السلطات الواسعة التي تتمتع بها إدارة الجمارك، والتي قلصت من دور القضاء للتدخل في هذه المسطرة[6].

إلا أن هذا القول تم انتقاده على اعتبار أن حرمان الأطراف من اللجوء إلى القضاء للطعن في المصالحة الجمركية يتعارض مع مبدأ الحق في التقاضي، وهو ما برر تدخل القضاء في بعض جوانب مسطرة المصالحة، وذلك من خلال تدخله عند الإخلال بتنفيذ بنود عقد المصالحة.

وهو ما يجعل المصالحة الجمركية تتأرجح بين عدم إعمال مبدأ الرقابة القضائية عليها من جهة، وتكريس هذا المبدأ من جهة أخرى.

وعليه، فقد ارتأينا أن نتناول ممكنات تدخل القضاء في مسطرة المصالحة من خلال مطلبين، سنتطرق في الأول استبعاد إمكانية تدخل القضاء في المصالحة، على أن نتعرض في الثاني لممكنات تدخل القضاء في مسطرة المصالحة، وذلك وفق التصميم التالي:

  • المطلب الأول: استبعاد تدخل القضاء في المصالحة الجمركية
  • المطلب الثاني: ممكنات تدخل القضاء في مسطرة المصالحة الجمركية

 

    المطلب الأول: استبعاد إمكانية تدخل القضاء في المصالحة الجمركية       

يعد دور القضاء في المادة الجمركية دورا ضعيفا مقارنة مع المبادئ العامة، حيث تأخذ مجمل التشريعات بما يسمى “بنظام الممنوعات على القضاء”[7].

وهو نفس التوجه الذي تبناه المشرع المغربي، حيث سلك في مقاربته لمسألة تدخل القضاء لبسط رقابته على مسطرة المصالحة الجمركية مسلكا إقصائيا، ويتضح ذلك من خلال تغييبه لإمكانية المراقبة السابقة عليها (الفقرة الأولى)، بل إن المشرع ينص صراحة على أن المصالحة حينما تصبح نهائية فهي تتحصن من كل طعن (الفقرة الثانية).

 

     الفقرة الأولى: المراقبة السابقة على مسطرة المصالحة

تعتبر مسطرة المصالحة الجمركية مسطرة إدارية بامتياز، إذ تملك الإدارة كامل الحرية في تقدير مدى ملاءمة إبرامها من عدمه، ولها سلطات واسعة كذلك في إدارة وتدبير المفاوضات بكامل الحرية، دون إخبار أي جهة أخرى، ولم يعلق المشرع المغربي قيام المصالحة الجمركية على شرط استصدار موافقة القضاء، حتى في الحالة التي تكون فيها القضية مثارة أمام المحكمة أو حتى بعد صدور الحكم النهائي[8]، إذ تعتبر من صميم اختصاص الإدارة[9].

واستئثار إدارة الجمارك بهذا الحق نابع من الاختصاصات الواسعة المخولة لها في مجال المنازعات الزجرية الجمركية برمتها، بحيث منحها المشرع امتيازات متعددة، تجعلها في مركز أقوى حتى في مرحلة طرح الخصومة أمام القضاء، حيث يمكنها فرض مطالبها لدرجة يصبح معها القاضي مقيدا بالوسائل القانونية التي تقدمها في النزاع، ويمكن القول بأنه “قاضي الإدارة”[10]، بل إن الامتيازات المخولة لإدارة الجمارك في ميدان الزجر لا تجعل القاضي موظف تنفيذ فقط، وإنما تؤدي إلى تغييبه واستبعاده، وهو ما يشكل ضررا ومفسدة تمس الحقوق والحريات الفردية.

ونظرا لهذه الامتيازات، فإن الإدارة تكون شبه متأكدة من نتيجة الدعوى، وتكون المسطرة القضائية مجرد أداة تستعملها الإدارة الجمركية كورقة تهديد وضغط لدفع الملزم إلى التصالح معها وبالشروط التي تعتبر بأنها تخدم مصالح خزينة الدولة[11].

إضافة إلى ذلك، قد تلجأ الإدارة الجمركية إلى القضاء لمجرد استصدار أحكام قضائية زجرية تشكل (سوابق) و(مراجع) تعتمد عليها لفرض شروطها التصالحية في منازعات لاحقة[12].

وبالتالي فإن تفضيل الإدارة اللجوء إلى المصالحة الجمركية لحل نزاعاتها وديا بدل القضاء يعد من الامتيازات التي تتمتع بها الإدارة الجمركية، مما يؤدي إلى إضعاف دور القضاء في التدخل لمراقبة هذه المسطرة.

وإذا كان المشرع المغربي قلص من صلاحيات القضاء في هذا المجال، فإن بعض التشريعات المقارنة سلكت نفس التوجه، كالمشرع المصري الذي لم يعلق إبرام المصالحة على ضرورة أخذ رأي القضاء، على اعتبار أنها نظام قانوني يدخل في نطاق الملاءمة التقديرية التي تملكها الإدارة من حيث إبرامه وإعمال آثاره، وذلك بغير معقب عليها من أي جهة قضائية، إذ ليس للأخيرة الحلول محلها فيما هو داخل في صميم اختصاصها وتقديرها، ولا يحق لها بالتبعية مراجعتها في وزنها لمناسبات قرارها وملاءمات إصداره[13].

ويبرر رأي من الفقه المصري هذا المسلك بالقول أن بسط رقابة القضاء على مباشرة الجمارك لحقها في التصالح مؤداه الإخلال بالتنظيم القانوني المعمول به في شأن هذا الحق، والقائم على مطلق السلطة التقديرية لمصلحة الجمارك أو لوزير المالية، بغير معقب عليها من أي جهة قضائية[14].

وقد تعرض هذا التوجه[15] لمجموعة من الانتقادات، على اعتبار أن تكليف الإدارة بتحديد الجزاءات المالية يجعل هذه الإدارة الخصم والحكم في آن واحد، إذ يعود إليها وحدها حق إنهاء القضايا صلحا دون رقابة قضائية أو إدارية[16].

وعلى خلاف ذلك، سلك المشرع الجزائري منحى آخر جعل فيه القضاء هو الأصل والمصالحة هي الاستثناء[17]، بحيث ذهب بعض الفقه إلى أنه لا معنى للمصالحة الجزائية إذا لم توضع ضوابط تحكم الإدارة في تعاملها مع المتصالح معها، وإلا تحولت من مقصدها الأول وهو التخفيف عن القضاء، لتصبح قضاء موازيا، مع ما قد يترتب عن هذا الانحراف من انزلاقات خطيرة تنعكس آثارها سلبا على الإدارة بالدرجة الأولى[18].

أما بخصوص المشرع الفرنسي فقد أعطى للقضاء بعض الأدوار الإيجابية في مراقبة مسطرة المصالحة الجمركية،  إذ لا يمكن للإدارة أن تبرم المصالحة إذا لم تحصل على رأي مطابق من السلطة القضائية، وهذه الموافقة تصدر إما عن النيابة العامة إذا كانت الجريمة تستوجب عقوبات حبسية، أو عن رئاسة المحكمة المعروض عليها النزاع إذا كانت الجريمة تستوجب جزاءات مالية فقط، وفي هذا إشراك للسلطة القضائية في مراقبة مسطرة المصالحة، خاصة عندما تكون القضية معروضة على أنظارها، وذلك تكريسا لدور القضاء، ولفرض جزاءات على ذوي النيات السيئة حتى لا تصبح المصالحة عامل تشجيع على ارتكاب الجرائم الجمركية[19].

وكخلاصة يمكن القول بأن مبدأ الرقابة القضائية السابقة على مسطرة المصالحة الجمركية وإن كان له مزايا، فإنه لا يمكن الأخذ به على إطلاقه، لأن من شأن فرض إلزامية الموافقة المسبقة للقضاء على المصالحة أن تؤدي إلى تراكم الملفات في المحاكم، وبالتالي لن تحقق المصالحة المراد منها وهو التخفيف من عبء القضايا على المحاكم.

     الفقرة الثانية: عدم إمكانية الطعن في المصالحة الجمركية 

إن تقليص دور القضاء في مسطرة المصالحة الجمركية لا يقف عند حدود عدم إمكانية بسط رقابته السابقة عليها، وإنما يتعداها إلى تغييب أي إمكانية للطعن اللاحق في المصالحة، سواء كان هذا الطعن عن طريق التظلم الإداري أو باللجوء للقضاء.

  • تغييب إمكانية التظلم الإداري

ينص الفصل 276 من مدونة الجمارك بصريح العبارة على عدم إمكانية الطعن في المصالحة الجمركية، بحيث منع كل طعن في المصالحة التي أصبحت نهائية[20].

ذهب البعض إلى أن الفصل المذكور يشكل ضمانة مهمة لكلا طرفي المصالحة الجمركية، وتتجلى هذه الضمانة في عدم إمكانية منازعة أي منهم في التزاماته أمام القضاء، حيث لا تستطيع الإدارة أن ترجع فيما التزمت به بمقتضى المصالحة، كما لا يستطيع المتصالح الرجوع في التزاماته التصالحية، خاصة أداء الجزاء التصالحي، حتى ولو ظهرت دلائل جديدة تفيد عدم ارتكابه الأفعال المستندة إليه، أو عدم وجودها أصلا، وبالتالي تكون للمصالحة قوة الأمر المقضية بشأنها شأن الحكم القضائي.

إلا أن هذا الرأي كان محل انتقاد، ذلك أن حرمان الطرفين من حق الطعن في المصالحة، لا يمكن أن يعتبر ضمانة قانونية لطرفيها، فلا يعقل حرمان المتصالح والذي يوجد في وضعية ضعيفة، من الطعن في المصالحة بعدما تظهر مثلا دلائل تفيد عدم ارتكابه الجريمة موضوع المصالحة، أو في حالة بطلان المحضر الذي أثبت هذه الجريمة بسبب عدم شرعية الوسائل المتبعة في الحصول على المعلومات[21].

لكن بالرجوع إلى الفصل 274 من مدونة الجمارك، وبقراءة متأنية لمقتضياته وتفسيرها في ضوء المبادئ العامة، فإنه يمكن الطعن في المصالحة الجمركية متى توفرت أسباب ذلك، فحسب بعض الفقه، يمكن اللجوء إلى الإدارة للمطالبة بالمراجعة الإدارية لشروط المصالحة في إطار ما يسمى بالتظلم الإداري، وبالتالي فإن هذه الإمكانية تدخل ضمن ما يسمى بحق الطعن[22].

ويمكن تصور هذه الفرضية في حالة الطعن في شروط المصالحة من طرف المتصالح، خصوصا فيما يتعلق بمبلغ الجزاء التصالحي، وليس في المصالحة بحد ذاتها، حيث يلتمس المتصالح عن طريق هذا التظلم التخفيض من قيمة الجزاء التصالحي فقط، ولا ينازع بواسطته في وجود الجريمة موضوع النزاع الجمركي، أو في صحة المصالحة[23].

إلا أن هذه الوسيلة المتاحة للطعن في مقابل المصالحة لا تشكل ضمانة بالنسبة للمتصالح، إذ تجعله من جديد تحت رحمة السلطة التقديرية المطلقة للإدارة، خاصة وأن هذه الأخيرة غير ملزمة بتعليل قرارها بخصوص هذه التظلمات، بل وغير ملزمة بالنظر في هذه التظلمات أصلا[24].

وجدير بالتنويه أن التظلم الإداري لا يرتب أي أثر قانوني موقف، حيث لا يؤدي هذا الطعن إلى وقف الآثار المالية للقرار الإداري[25]، وبالتالي يتعين على المتصالح أن ينفذ التزاماته أولا، ثم ينظر نتائج طلبه، فإذا تم قبول طلبه فإنه يتم تعديل شروط المصالحة في ضوء التظلم وتعاد صياغة المصالحة وفق ذلك، أما إذا رفض طلبه، فإن المقترحات الأصلية المقدمة من طرف الإدارة هي التي تكون معتمدة وسارية المفعول في مواجهة المتصالح الذي يتعين عليه الالتزام بها.

وانطلاقا مما سبق، يمكن القول بأن هذه المكنة لا تعد طعنا قضائيا، لأنها لا تتم أمام جهاز قضائي محايد ومستقل، وإنما تتم أمام نفس الجهة الإدارية.

  • تغييب إمكانية الطعن القضائي

ذهب البعض إلى القول بإمكانية الطعن في المصالحة، فالقراءة المتأنية للفصل 274 من مدونة الجمارك، تدفع إلى القول بجواز الطعن في المصالحة الجمركية، حيث اشترط هذا الفصل لعدم إمكانية الطعن أن تصبح المصالحة “نهائية”[26]، والمصالحة لا يمكن أن تكون نهائية إلا إذا اكتملت جميع أركانها وشروطها، فإذا شاب هذه الأركان أو الشروط نقص، أصبح من الممكن الطعن فيها طبقا للمبادئ العامة، كما إذا شاب الرضاء عيب من العيوب، أو انعدام المحل عند إبرام المصالحة.

وإذا كان اللجوء إلى القضاء للطعن في المصالحة الجمركية يمكن تصوره من الناحية النظرية، فإن ذلك شبه منعدم على مستوى الواقع العملي، والسبب الرئيس في ذلك يرجع إلى أن المصالحة هي بالأساس وسيلة لتفادي اللجوء إلى القضاء[27]، إلى جانب أسباب أخرى كالطابع السري الذي تتميز به المصالحة، إذ أنها مسطرة إدارية تخرج عن مراقبة القضاء تتطلب معرفتها طرق أبواب الإدارة وليس قصر العدالة، الأمر الذي دفع بعض الفقه الفرنسي إلى اعتبار المصالحة من أسباب ارتفاع نسبة الرقم الأسود أو الرمادي – بمفهوم علم الإجرام- في مادة جرائم الأعمال التي أجازت  المصالحة[28].

وهو ما دفع البعض إلى القول بأنه يتعين على القضاء أن يضطلع بدوره الطبيعي في المادة الجمركية، ولا يستتر وراء مقولة الطابع التقني لهذه المادة، كما لا يجب على القضاء أن يعتبر منذ البداية بأن التفسير المعتمد من طرف إدارة الجمارك هو التفسير الصحيح، وأنه كاف لإدانة الظنين تلقائيا، فعندما يقتنع القضاء بهذه المسلمات، فإن أغلبية الأظناء سيختارون طريق المحاكم للدفاع عن مصالحهم، لأن أهم دافع لإبرام المصالحة الجمركية هو إحساس الظنين بغياب سلطة القضاء في المادة الجمركية وأن الإدارة هي سيدة الموقف في القضاء الزجري[29].

ومن ثم فهناك مجموعة من الدوافع التي تجعل الاجتهاد القضائي ضعيفا وشبه منعدم في المصالحة الجمركية والمصالحة الجنائية عموما، وبالتالي ذهب بعض الفقه المغربي، من أجل تطوير الاجتهاد القضائي المتعلق بهذه المادة، إلى القول بضرورة إنشاء قضاء متخصص في مثل هذه القضايا، وذلك بالقيام بتعديل تشريعي للقانون الجنائي يتم بمقتضاه نقل كل الفصول المتعلقة بالسلطة العامة في القانون الإداري، لتضاف غرفة خاصة بالمحكمة الإدارية تسمى بالقضاء الإداري الزجري، وفي هذه الحالة تكون المحكمة الإدارية هي المختصة وحدها بالنظر في الطعون الرامية إلى إقرار المشروعية حتى تلك المتعلقة بالجانب الزجري، حيث يتم إبعاد المحاكم الزجرية عن مراقبة المشروعية[30].

وخلاصة يمكن القول بأن المشرع المغربي من خلال مدونة الجمارك قلص من حدود تدخل القضاء في مسطرة المصالحة الجمركية، بحيث لم يمنح سلطة إعمال رقابته السابقة على هذه المسطرة، كما منع أي إمكانية للطعن فيها سواء عن طريق التظلم الإداري، أو باللجوء إلى القضاء متى أصبحت المصالحة نهائية.

إلا أنه يمكن الرجوع إلى القضاء في إطار المبادئ العامة للطعن في المصالحة متى كانت مشوبة بعيب يجعلها قائمة على أساس غير مشروع، وهذا ما يدفع إلى القول بضرورة إعطاء الإمكانية للطعن في المصالحة، لأن غياب أو تغييب هذه الإمكانية من شأنه أن ينعكس سلبا على العدالة، ويجب أن تعطى هذه إمكانية في نطاق ضيق[31].

هذا الوضع دفع بالعديد إلى القول بضرورة تدخل القضاء في مسطرة المصالحة، على اعتبار أن هذا التدخل إنما هو تطبيق لمبدأ الحق في التقاضي، وأن هذا الأخير لا يتعارض مع التنصيص على إمكانية فض المنازعات الزجرية من طرف سلطة إدارية، كما أنه “سيضفي الشرعية على مسطرة الزجر الإداري”[32].

 

     المطلب الثاني: ممكنات تدخل القضاء في مسطرة المصالحة الجمركية

إن أهم التزام ينشأ على عاتق المتصالح هو أداؤه لمبلغ الجزاء التصالحي، إلا أنه بعد إبرام المصالحة قد يتبين أن هذا الجزاء مبالغا فيه أو مجحفا، مما يدفعنا إلى التساؤل حول إمكانية تدخل القضاء لتعديل مقدار هذا الجزاء إما بالزيادة فيه أو إنقاصه (الفقرة الأولى).

إلى جانب التساؤل المطروح، يثار تساؤل آخر يتعلق بدور القضاء ومدى تدخله في حالة عدم التزام أحد الطرفين بتنفيذ بنود المصالحة (الفقرة الثانية).

 

     الفقرة الأولى: تدخل القضاء لتعديل مبلغ الجزاء التصالحي      

يعتبر المقابل في المصالحة الجمركية أو ما يمكن تسميته بالعوض أو الجزاء التصالحي، العنصر المميز لها، وهو عنصر متلازم مع كافة صور الصلح والتصالح[33].

ويخضع تحديد الجزاء التصالحي من الناحية المبدئية لاتفاق الطرفين، فهو خاضع لمبدأ التراضي، غير أن الواقع العملي يثبت بأن إدارة الجمارك تتدخل في هذا التحديد وتكرس هيمنتها في ذلك، ، نظرا لوضعيتها المتميزة في هذه المسطرة، ولا يسع المتصالح سوى الإذعان للمبلغ الذي تحدده. وقد عملت إدارة الجمارك على إصدار مجموعة من المذكرات والدوريات الداخلية تحدد بمقتضاها مبلغ العوض، آخرها المذكرة عدد 444/421 الصادرة بتاريخ 8 يناير 2008، التي تعتبر بمثابة جدول التسويات التصالحية[34].

وأمام هيمنة إدارة الجمارك على تحديد مبلغ الجزاء التصالحي، يطرح التساؤل حول إمكانية تدخل القضاء لتعديل هذا المقدار، سواء من طرف المتصالح الذي يرمي إلى إنقاصه (أولا)، أو من طرف إدارة الجمارك التي تطالب بالزيادة فيه إما لعدم تناسبه مع الجريمة المتصالح بشأنها، وإما لخطأ مادي وقعت فيه (ثانيا).

     أولا: تدخل القضاء بناء على طلب المتصالح    

إن غاية المتصالح من الطعن في مقابل المصالحة هي التخفيض من مبلغه وليس الطعن في المصالحة في حد ذاتها، وقد تضاربت الآراء حول تخويله هذه الإمكانية بين مؤيد ومعارض، فقد ذهب رأي من الفقه المقارن إلى إمكانية الطعن في مقابل المصالحة أمام المحاكم الإدارية، على اعتبار أن هذا المقابل هو جزاء إداري يخضع لمبدأ المشروعية[35].

أما بالنسبة للتشريع المغربي، فإنه من الصعب القول بإمكانية بسط رقابة القضاء على مبلغ المصالحة، وهو ما أكدته المحكمة الإدارية بفاس في قرار صادر عنها تحت عدد 296_92 بتاريخ 17/07/1996، والتي قضت فيه بعدم اختصاصها بالنظر في الدعوى التي رفعت أمامها، والرامية إلى الطعن في صحة الحجز الذي أفضى إلى التصالح والتخلي عن السيارة المحجوزة، والمطالبة باسترجاع هذه السيارة[36].

وإذا كانت المحكمة الإدارية غير مختصة للنظر في قضايا الطعن في مقابل المصالحة، فهل هذا المنع يشمل القضاء العادي أيضا؟.

ذهب رأي من الفقه إلى القول بأنه لا يمكن في أي حال من الأحوال أن تكون مراجعة مقابل المصالحة موضوع طعن قضائي، سواء أمام القضاء العادي أم الإداري، ويبقى الطريق الوحيد للطعن فيه هو التظلم أمام الإدارة نفسها[37].

وهذا المنع تم تبريره انطلاقا من حقيقة اختصاص المحاكم الإدارية، التي تراقب المشروعية ولا تتدخل في تقدير الملاءمة، وتحديد مقابل المصالحة يعتبر من صميم اختصاص الإدارة، وبالتالي لا يخضع لمراقبة المحاكم سواء الإدارية منها أو العادية.

يتضح مما سبق، أنه يصعب على المتصالح اللجوء إلى القضاء من أجل المطالبة بتعديل مبلغ الجزاء التصالحي الذي سبق ورضي به باتفاق مع الإدارة.

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للمتصالح، فماذا عن إدارة الجمارك؟.

     ثانيا: تدخل القضاء بناء على طلب إدارة الجمارك  

إذا كان تحديد مقابل المصالحة راجع لإرادة الطرفين، خصوصا إلى السلطة التقديرية للإدارة، فإنه يصعب قبول مطالبة الإدارة بالزيادة في مبلغ الجزاء التصالحي متى أصبحت المصالحة الجمركية نهائية وتمت المصادقة عليها.

وللقضاء الفرنسي اجتهادات في هذا الصدد، ففي قرار صادر عن مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 28/09/1983 قضى برفض الأخذ بغلط مادي وقعت فيه الإدارة لإبطال المصالحة، وذلك استنادا على أثر المصالحة المسقط للدعوى العمومية، وكذا المحافظة على استقرار المعاملات، عكس ما كانت تهدف إليه الإدارة من الحفاظ على مصالحها المادية[38].

يتضح مما سبق، بأن المصالحة الجمركية متى أصبحت نهائية وأبرمت بشكل صحيح، واتفقا طرفيها على شروطها[39]، يكون من الصعب الطعن فيها بتعديل مقدار الجزاء التصالحي سواء من طرف المتصالح أو من طرف الإدارة، وبالتالي لا مجال لتدخل القضاء لبسط رقابته في هذا المجال.

وأمام هذا الدور شبه المنعدم للقضاء في التدخل لتعديل مقدار الجزاء التصالحي، يطرح التساؤل عن سلطاته في حالة عدم الالتزام بتنفيذ بنود المصالحة الجمركية.

     الفقرة الثانية: إمكانية تدخل القضاء عند عدم تنفيذ بنود المصالحة

ترتب المصالحة الجمركية مجموعة من الحقوق والالتزامات تجاه طرفيها، يتعين عليهما الالتزام بها، فمن جانب الإدارة يتعين عليها عدم إثارة الدعوى العمومية ورد وسائل النقل والبضائع محل الجريمة الجمركية، وفي حالة عدم رفع يدها عنها، يمكن للمتصالح اللجوء إلى القضاء لإلزامها بالرد والمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقته نتيجة الامتناع عن التنفيذ[40].

أما من جانب المتصالح، فيلتزم بأداء مبلغ الجزاء التصالحي الذي تم الاتفاق عليه مع الإدارة، إلا أن الإشكال يكون مطروحا في حالة امتناعه عن أداء هذا المقابل، فهل يحق للإدارة اللجوء إلى القضاء من أجل إلزام المتصالح بأداء التزامه؟.

اختلفت الآراء حول الإجراء الواجب اتباعه في حالة عدم تنفيذ المتصالح لالتزاماته، بين من قال بضرورة اللجوء إلى القضاء الزجري لتحريك المتابعة الجنائية (أولا)، وبين من ذهب إلى ضرورة سلوك مسطرة القضاء المدني للمطالبة بفسخ المصالحة (ثانيا).

     أولا: اللجوء إلى القضاء الزجري في حالة عدم التنفيذ

يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى إعطاء الصلاحية لإدارة الجمارك في اللجوء إلى القضاء الجنائي لإثارة المتابعة الزجرية في مواجهة المتصالح المخل بالتزاماته، ويستندون في ذلك على أن المصالحة الجمركية لا تقوم إلا بأداء الجزاء التصالحي، وفي حالة تخلفه تعتبر المصالحة كأن لم تكن، ويتم إرجاع الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التصالح، وتسترجع الإدارة سلطتها إما في تحريك الدعوى العمومية في حالة إبرام المصالحة قبل الحكم النهائي، أو متابعة إجراءات التنفيذ أمام القضاء الزجري إذا تم إبرامها بعد الحكم النهائي، وكل هذه الإجراءات تتم أمام القضاء الزجري، الذي يرجع إليه الاختصاص الأصلي في هذا المجال وليس القضاء المدني[41].

وقد سار القضاء الفرنسي في نفس الاتجاه، بقوله أن المصالحة لا تصبح تامة إلا بعد تنفيذ المتصالح لالتزاماته، خاصة أداء العوض[42].

هذا الاتجاه أيده رأي من الفقه المغربي بقوله أن المصالحة الجمركية لا تتم إلا بالتزام الظنين بأداء مقابل المصالحة، وفي حالة تخلفه تعتبر المصالحة كأن لم تكن، ولا يكون بالتالي من خيار أمام إدارة الجمارك سوى تحريك المتابعات القضائية أمام المحاكم الزجرية[43].

    ثانيا: اللجوء إلى القضاء المدني عند عدم التنفيذ 

ذهب أنصار هذا الاتجاه إلى أن إخلال المتصالح بالتزامه بأداء مبلغ الجزاء التصالحي لا يبطل المصالحة، وإنما يعطي لإدارة الجمارك حق الخيار بين المطالبة بفسخ المصالحة مع طلب التعويض، إذ عن طريق الفسخ يرجع الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل إبرام المصالحة، ويكون للإدارة الحق في اللجوء إلى القضاء الزجري لإثار المتابعة في مواجهة المخالف، أو اتباع مسطرة التنفيذ الجبري وذلك بإكراه المتهم على سداد مقابل التصالح، وفي كلتا الحالتين يرجع الاختصاص للقضاء المدني وليس الزجري[44].

في حين ذهب رأي آخر إلى أنه ليس للإدارة أي خيار، فهي لا تستطيع سوى اللجوء إلى مسطرة التنفيذ الزجري دون المطالبة بفسخ المصالحة، إذ لا يمكن من الناحية الواقعية المطالبة بفسخها، لأن الفقرة الثانية من الفصل 274 من مدونة الجمارك تقضي بأن المصالحة متى أصبحت نهائية، فإنها تلزم أطرافها بكيفية لا رجوع فيها، ولا يكون للإدارة في هذه الحالة إلا خيار واحد وهو تنفيذ شروط المصالحة وليس الفسخ[45].

هذا الاتجاه تبناه كذلك كل من الفقه الفرنسي والمصري، على اعتبار أن للمصالحة الجمركية قوة الشيء المقضي به، ولا يمكن فسخها لما يترتب عليها من آثار فور إبرامها، وتنقضي بها الدعوى، وليس من سبيل لإعادة مرتكب الجريمة المتصالح إلى ساحة القضاء الجنائي مرة أخرى، ولا يبقى أمام جهة الإدارة سوى اللجوء إلى القضاء المدني للمطالبة بحقها[46].

وخلاصة يمكن القول، بأن عدم تنفيذ المتصالح للالتزامات الملقاة على عاتقه، والتي من بينها أداء مبلغ الجزاء التصالحي، يخول للإدارة الجمركية حق الخيار بين مسطرتين، إما مسطرة الفسخ، أو مسطرة التنفيذ الجبري لتحصيل هذا المبلغ. وهذا القول يرتب نتيجة مفادها أن للقضاء هامش من التدخل عند الإخلال ببنود عقد المصالحة الجمركية.

انطلاقا مما تقدم، يتضح بأن دور القضاء في مسطرة المصالحة الجمركية يتأرجح بين الاستبعاد تارة، ويتبين ذلك من خلال تغييب أي إمكانية لإعمال رقابته السابقة على مسطرة المصالحة أو إمكانية الطعن فيها، وبين التدخل تارة أخرى من خلال تدخله عند عدم تنفيذ الاتزامات المترتبة عن المصالحة الجمركية.

وبالتالي يمكن القول أن المشرع المغربي تعامل مع القضاء في المادة الجمركية بشيء من القسوة والصرامة، بحيث لم يجعل له أي هامش لممارسة سلطاته وصلاحيته من أهمها الرقابة القضائية والتي لا شك سيكون لها أثر إيجابي شريطة إعمالها وفق ضوابط وشروط تضمن لطرفي المصالحة حقوقهما دون تعسف.

وفي رأينا، يتعين على المشرع المغربي أن يمنح للقضاء هامشا من الحرية من أجل بسط رقابته القبلية على مسطرة المصالحة الجمركية، وجعل هذه الأخيرة تحت أعين المحكمة وذلك تفاديا لأي تدخل مبالغ فيه لإدارة الجمارك من شأنه أن يحد من حقوق الطرف الآخر، فالمركز القوي للإدارة الذي تستمده من السلطات الواسعة والمطلقة الممنوحة لها، يجعلها طرفا قويا في العلاقة التعاقدية، وبالتالي قد تتدخل بشكل مبالغ فيه بفرض شروط قاسية على المتصالح، لذلك فإن تدخل القضاء لإعمال رقابته السابقة عن المسطرة يجعل هذه الأخيرة في منأى عن أي تعسف.


[1] _ وهو ما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 273 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة حيث جاء فيها: “للإدارة قبل حكم نهائي أو بعده أن تصالح الأشخاص المتابعين من أجل أفعال مخالفة للأنظمة  والقوانين الجمركية”.

[2] _ نفس التوجه تبناه المشرع الجزائري في المادة 265 المعدلة بقانون 1998 في فقرتها 8، حيث نصت على أن المصالحة المبرمة قبل الحكم يترتب عنها انقضاء الدعويين الجبائية والعمومية.

[3] _ ينص الفصل 273 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة في فقرته الثانية على أنه: “..إذا وقع الصلح وصار نهائيا قبل الحكم النهائي ترتب عليه انقضاء دعوى النيابة العامة ودعوى الإدارة”.

[4] _ بالرجوع لمقتضيات الفصل 220 من مدونة الجمارك فإن الصلح المبرم بين المخالف وإدارة الجمارك بعد صدور حكم نهائي لا ينهي العقوبة السالبة للحرية أو يوقفها أو يرفعها كما هو الشأن بالنسبة للتدابير الوقائية التي يحكم بها عليه.

_ حفيظ بن محمد لحمادي الصافي، المنازعات الزجرية الجمركية في ضوء العمل القضائي المغربي، مطبعة الخوارزمي، 2017، ص 107.

[5] _ تم إلغاء الفقرة 1 من الفصل 220 من مدونة الجمارك التي كانت تنص على المنع من المقام بدائرة الجمارك.

[6] _ محمد الشلي، المصالحة الجمركية في القانون المغربي، الطبعة الأولى، مطبعة دار القلم، الرباط، 2010، ص 495.

[7] _ أحسن بوسقيعة، المنازعات الجمركية، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2005، ص 32.

[8] _ الجيلالي القدومي، إشكالية دعوى إدارة الجمارك، المجلة الإلكترونية لندوات محاكم، فاس، عدد خاص عن مدونة الجمارك، العدد 3، يناير 2006، ص 27.

[9] _ تتمتع إدارة الجمارك بسلطة تقديرية واسعة في إجراء المصالحة حسب نوعية الجريمة ودرجة خطورة المتابع، ويمكنها إما الموافقة على إجرائها أو متابعة المتهم أمام الجهة القضائية المختصة، وفي جميع الحالات لا تكون مجبرة على تعليل قرارها.

_ الحسين زين الإسم، خصوصيات المصالحة في القانون الجنائي الجمركي: دراسة في تطور القضاء المغربي، مجلة منازعات الأعمال بين التشريع والممارسة، سلسلة الأعداد الخاصة، العدد1، 2016، ص 108.

[10] _ الجيلالي القدومي، مرجع سابق، ص 27.

[11] _ محمد الشلي، موقع القضاء ضمن مسطرة المصالحة الجمركية، مجلة القصر، العدد 11، ماي 2005، ص 177.

[12] _ Abdellatif Msadar, La transaction en matière de contentieux douanière,  Mémoire pour obtention de diplôme DESA, Faculté des droits université Mohamed première Oujda, 2007_2008, p 47.

[13] _ حكم المحكمة الإدارية العليا 3 مارس 1983، طعن رقم 663، السنة القضائية 13.

[14] _ نبيل لوقبباوي، الجرائم الجمركية، دار النهضة العربية، القاهرة، 1991 ، ص 474.

[15] _ هذا التوجه الذي يأخذ به المشرع المصري والمغربي، والذي لا يعلق إبرام المصالحة على أخذ موافقة القضاء، خصوصا حينما يتم إثارة الدعوى العمومية.

[16] _ جورج قذيفة، القضايا الجمركية الجزائرية، الجزء الثاني، أصول المحاكمات، الشركة الصناعية للطباعة والتغليف، بيروت، طبعة 1973، ص 416.

[17] _ أحسن بوسقيعة، المصالحة في المواد الجزائية بوجه عام وفي المادة الجمركية بوجه خاص، الطبعة الأولى، مطبعة الديوان الوطني للأشغال الوطنية، الجزائر، 2001، ص 120.

[18] _ أحسن بوسقيعة، مرجع سابق، ص 286.

[19] _ فرض المشرع الفرنسي ضرورة أخذ رأي القضاء عند إبرام المصالحة فيما يتعلق بجميع المجالات ذات الطبيعة الخاصة، والتي تنص على إمكانية الصلح، فقبل إثارة الدعوى العمومية تكون المصالحة من اختصاص الإدارة، أما بعد إثارتها فإنه يتعين أخذ رأي النيابة العامة إذا كانت الجريمة تستوجب جزاءات حبسية، ورأي رئيس المحكمة إذا كانت تستوجب جزاءات مالية فقط، أما بعد صدور الحكم النهائي في النزاع فلا يجوز إبرام المصالحة.

_ Johan de Malafosse, Pêche fluvial, juris-classeurs (pénal annexes), 1992, p 25.

_ Jean Paul Chameton, Infraction à la réglementation des changes, 1990, Juris classeurs, (pénal Annexes), Ed . Technique, 1993, p 13.

[20] _ جاء في الفصل 274 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة ما يلي: “لا تصبح المصالحة نهائية إلا بعد المصادقة عليها من طرف الوزير المكلف بالمالية أو من طرف مدير إدارة الجمارك، وتلزم حينئذ الأطراف بكيفية لا رجوع فيها، ولا يمكن أن يقدم بشأنها أي طعن”.

[21] _ محمد الشلي، مرجع سابق، ص 594.

[22] _ الطعون الإدارية طريقة تمكن المواطن من التوجه ليس إلى المحاكم ولكن إلى رجال الإدارة ليلتمس منهم الاستجابة لطلبهم.

_ إدريس البصري، وأحمد بلحاج، وميشال روسي، القانون الإداري المغربي، الطبعة الأولى، المطبعة الملكية، الرباط، ص 500.

[23] _ محمد الشلي، مرجع سابق، ص 595.

[24] _ محمد مرزاق وعبد الرحمن أبيلا، النظام القانوني للمنازعات الجبائية، الطبعة الأولى، مطبعة الأمنية، الرباط، 1996، ص 161.

[25] _ أمينة جبران البخاري، القضاء الإداري، دعوى القضاء الشامل، الطبعة الأولى، الجامعة المغاربية، 1994، ص35.

[26] _ نهائية المصالحة – حسب البعض- تتم بشرط شكلي واحد وهو موافقة الإدارة عليها.

_ حميد بن محمد لحمادي صافي، مرجع سابق، ص 108.

[27] _ وهي أهم خاصية تميز المصالحة، بحيث يكون الهدف الأساسي من اللجوء إلى المصالحة، هو فض النزاع الجمركي بطريقة ودية وسلمية بعيدا عن القضاء.

[28] _ Evelyne Roche-pire, La sanction en droit pénal des affaires: Méthodologie, bilan et proposition de recherche, Revue international de droit pénal, 1982, Tomel, P 496.

_ Mireille Delmas Marty, Criminalisation et infraction financières, économiques et sociales, Revue des sciences criminelles, 1977, p 515.

[29] _ Charles De Guardia, Changes et douanes: un pas vers la justice, Gazette du palais, 1978, Doctrine, p 431.

[30] _ أمينة جبران البخاري، مرجع سابق، ص 39 وما بعدها.

وتدخل القضاء في مجال القانون الجنائي الإداري يبرز من خلال التجربة الألمانية، حيث يتم التمييز بين المرحلة الإدارية والمرحلة القضائية، فالاختصاص الإداري يشمل مرحلة البحث وكذا الحكم (أي فرض جزاءات مالية)، لكن للمعني بالأمر إذا لم يقتنع بعدالة الحل الإداري اللجوء إلى القضاء للطعن في هاته الغرامات، والوصول إلى القرار القضائي يؤدي إلى إثارة القضية من جديد وفي جميع جوانبها أمام القضاء ولا يقتصر على مراقبة قانونية ومشروعية القرار الإداري.

_ Peter Hunerfeld, Le droit pénal administratif face à la constitution, In constitution et droit pénal, Imprimerie Omnia, Rabat, 1995, p 188.

[31] _ محمد حكيم حسين حكيم، النظرية العامة للصلح وتطبيقاتها في المواد الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، ص 6.

[32] _ Serge Guinchard, Droit processuel, droit commun de procès, Dalloz Delta, 1èr édition, 2001, p 361.

[33] _ محمد حكيم حسين حكيم، مرجع سابق، ص 214.

[34] _ مذكرة السيد المدير العام لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة عدد 444/421 الصادرة بتاريخ 8 يناير 2008 أطلقت عليها اسم “جدول التسويات التصالحية”، وتم بموجبها تحديد مبلغ الجزاء التصالحي بشأن الجرائم الجمركية، كما تضمنت ديباجتها مجموعة من التوجيهات المتعلقة بهذا المجال، والتي تتضمن الأسس والمعايير المعتمد عليها لتحديد مبلغ الجزاء التصالحي.

وفي فرنسا، عملت إدارة الجمارك الفرنسية على إصدار جداول تصالحية يطلق عليها تسمية “Tableaux typologiques “، تهدف إلى إيجاد نوع من الرقابة الذاتية على ممارستها الإدارية التصالحية، والرغبة في خلق نوع من التجانس والانسجام في الاجتهاد القضائي، وكذا تفادي ما يقال بشأن تعسف وتحكم إدارة الجمارك في تحديد العوض.

_ Raymond Gassin, Transaction, Encyclopédie Dalloz pénal 5, p 3.

_ Claude J. Berr et Henri Tremeau, Le droit douanier, 7ème édition, année 2006, p 572.

[35] _ Raymond Gassin, op. cit, p 10.

[36] _ من حيثيات هذا الحكم ما يلي: “وحيث إنه بالرجوع إلى مدونة الجمارك يتبين أن المشرع أوكل الاختصاص بالنظر في كافة المخالفات الجمركية إلى المحكمة الزجرية، ذلك أن الفصل 263 من مدونة الجمارك نص صراحة على أن العقوبات المالية ومنها مصادرة وسيلة النقل في ميدان الجمارك تخضع رغم ما تكتسيه من صبغة تعويضات مدنية لقواعد قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بالتقييد في سجل السوابق العدلي، كما أن الفصل 252 من نفس القانون ينص على أنه “ترفع المخالفات إلى المحاكم وفقا للقواعد القانونية العادية…”، وحيث إنه وبناء على ما تقدم فإن الاختصاص بالنظر في صحة حجز السيارة موضوع النزاع وما ترتب عنه من تخلي المدعي عنها بناء على عقد المصالحة المبرم بينه وبين إدارة الجمارك يبقى غير منعقد للمحكمة الإدارية، ويتعين لذلك التصريح بعدم اختصاص هذه المحكمة النوعي”.

_ المحكمة الإدارية بفاس، حكم عدد 296_96 الصادر بتاريخ 17 يوليوز 1996، غير منشور.

[37] _ J.H.Hoguet, Elément de base du contentieux répressif en matière de douane et de change, Dalloz, Paris, 1980, p 113.

[38] _ تتلخص وقائع هذا القرار فيما يلي: “تم إبرام مصالحة بين إدارة الضرائب الفرنسية وشركة ذات مسؤولية محدودة Société des établissements prévôt، فبدل أن تقترح إدارة الضرائب بواسطة الموظف المختص على الشركة مبلغ العوض التصالحي 190.000 فرنك، بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل، وقع غلط في الطبع ولم يضمن في وثيقة مقترح المصالحة سوى مبلغ 190 فرنك، فوافقت الشركة =  على مبلغ عوض الصلح، وأرجعت وثيقة المصالحة لإقرارها من طرف الموظف المختص، هذا الأخير لم ينتبه إلى مبلغ العوض وأقر المصالحة التي أصبحت بالمصادقة عليها نهائية وملزمة، وفعلا أدت الشركة مبلغ 190 فرنك، إضافة إلى المبلغ الأصلي للضريبة المتملص منها. وبعد ستة أشهر من إبرام المصالحة انتبهت الإدارة إلى الغلط الذي وقعت فيه واعتبرت المصالحة لاغية استنادا على كون رضاها كان مشوبا بعيب الغلط، فوجهت مقترحا آخر للشركة يتضمن أداء مبلغ 190.000 فرنك، رفضته الشركة باعتبار أن النزاع قد انقضى بالمصالحة، عندها قررت الإدارة فرض مبلغ الجزاء الأصلي على الشركة بعض خصم مبلغ 190 فرنك، لجأت الشركة إلى المحكمة الإدارية بمدينة Lille للطعن في القرار والمطالبة بإعفائها من الجزاء المفروض عليها نظرا لوقوع المصالحة، وقد أقرت محكمة Lille صحة المصالحة مع تعديلها فيما يرجع لمبلغ الجزاء التصالحي حيث ألزمت الشركة بأداء مبلغ 190.000 فرنك، وبعد صدور هذا الحكم تم رفع النزاع إلى مجلس الدولة الذي نقض قرار المحكمة الإدارية وأقر صحة المصالحة بصيغتها الأولى، كما أقر العوض الموقع عليه في وثيقة المصالحة (190 فرنك) واعتبر بأن الشركة المتصالحة لا تتحمل تبعة غلط الإدارة إذا كان من اللازم على مدير إدارة الضرائب قبل توقيعه على وثيقة المصالحة النهائية، التأكد من مضمونها، فالأمر لا يتعلق هنا بغلط جوهري أو غلط المدير العام في الحساب حتى يتم تصحيحه”.

_      Conseil d’état, 28 Septembre 1983, Gazette du palais, 1984, p 42 et sui, note René Blancher.

[39] _ من بين هذه الشروط مبلغ الجزء التصالحي.

[40] _ محمد الشلي، المصالحة الجمركية في القانون المغربي، مرجع سابق، ص 613.

[41] _  أمال عثمان، شرح قانون العقوبات الاقتصادي، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1985، ص 182.

[42]_ Raymond Gassin, op. cit, p 10.

[43] _ أمال عثمان، مرجع سابق، ص 182.

[44] _ نفس الاتجاه سار عليه  فريق من الفقه الفرنسي الذي اعتبر أن عدم الأداء لا يجعل المصالحة باطلة بقوة القانون، وإنما تخول للإدارة، شأنها شأن جميع الاتفاقات، حق اللجوء إلى المبادئ العامة للقانون المدني، التي تعطي الحق في اللجوء إلى القضاء المدني للمطالبة إما بفسخ المصالحة إن كان له موجب، أو اتباع إجراءات التنفيذ.

_ Claude J. Berr et Henri Tremeau, op. cit, p 573.

[45] _ الجيلالي القيدومي، المنازعات الزجرية في القانون الجمركي المغربي، رسالة لنيل دبلوم السلك العالي في المدرسة الوطنية للإدارة العمومية، الرباط، 1988، ص 330 و331.

_ نبيل لوقبباوي، مرجع سابق، ص 247.[46]

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً