الرئيسية أقلام “مبدأ التكامل في نظام روما الأساسي”

“مبدأ التكامل في نظام روما الأساسي”

19 فبراير 2019 - 15:32
مشاركة

المعلومة القانونية – محماد الفرسيوي

       بالعودة إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية نجده يقر بعدة مبادئ كرستها أغلب التشريعات الوطنية، وتضمنتها أغلب الصكوك الدولية، كمبدأ الشرعية وقرينة البراءة، حق الدفاع والمحاكم العادلة، والعلنية وعدم جواز المحاكمة عن ذات الجريمة مرتين ومبدأ التقاضي على درجتين، مع منح كل الآليات القانونية لطلبات الإستئناف وإعادة النظر والأحكام والقرارات التي تصدرها الدرجة الأولى كون الحكم النهائي الذي تستقر عليه هذه المحكمة  بمثابة عنوانا لإقامة العدالة الجنائية الدولية.

     لكن التعجيل بتحقيق العدالة الجنائية الدولية، وتجازو مرحلة الإفلات من العقاب فضلا عن تعزيز الممارسة الصحيحة للإختصاص العالمي جعل  مؤتمر روما يخرج بنظام أساسي يأخذ بمبادئ فريدة واستثنائية والتي تم إدراجها في الباب الثالث[1]، وقد جاء مبدأ التكامل في نظام روما بمثابة حل لتنازع الإختصاص بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني للدول الأطراف فيها، وهو يعطي الأولوية للقضاء الوطني على المحكمة الجنائية الدولية. فما هو نطاق تطبيق مبدأ التكامل في  نظام روما الأساسي؟

الفقرة الأولى: ماهية مبدأ التكامل

     لم يرد في النظام الأساسي تعريف لمبدأ التكامل، وإنما أشار له  من خلال نصوص مواده وبالأخص المادة الأولى[2]، وكذلك الديباجة[3]، في فقرتها العاشرة[4]، ويقصد بمبدأ التكامل أن  اختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو اختصاص تكميلي احتياطي بالنسبة للقضاء الوطني، فالأولوية للقضاء الوطني ولا تتدخل المحكمة الجنائية الدولية إلا إذا فشلت الدول في منع المتهمين بالجرائم الداخلة في اختصاصها من الإفلات من العدالة[5].

     ويرجع سبب التنصيص على هذا المبدأ إلى عدم قدرة المحاكم الدولية وقبلها الوطنية على تحقيق العدالة الجنائية بصفة منفرد، ولهذا كان من الضروري التكاثف فيما بينهما لتحقيق أغراض العدالة الجنائية الدولية إلا أن الدول تخشى أن يهدد الإختصاص الدولي سيادتها عندما يسبق اختصاصها، كما حدث في المحاكم الجنائية المؤقتة التي تتوفر على اختصاص منافس للمحاكم الوطنية، بل وكون هاتين المحكمتين الدوليتين هيئتان أنشأهما مجلس الأمن الدولي فإنهما تملكان الأولوية على المحاكم الوطنية، حيث يمكن لهاتين المحكمتين سحب الدعاوى من أية محكمة وطنية وفي أي مرحلة من مراحل الإجراءات[6].

     ولتحقيق التوازن بين إشكالية السيادة الوطنية وفعالية المحكمة الجنائية الدولية، قامت اللجنة التحضيرية بمناقشة مبدأ التكامل كحل يحكم العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني[7]. ووفقا لهذا المبدأ فإن المحكمة الجنائية الدولية تركت للدول المسؤولية الأولى للتدخل، ولن تتخد إجراءات الملاحقة إلا إذا أغفلت المحاكم الوطنية اتخاذها.ال

الفقرة الثانية: حالات انعقاد الإختصاص التكميلي للمحكمة الجنائية الدولية.

      بالرجوع إلى المادة 17 من نظام روما نجده يتطرق إلى متى تكون المحكمة الجنائية الدولية مختصة اختصاصا تكميليا، على اعتبار أن المبدأ هو اخصاص القضاء الوطني احتراما لمبدأ السيادة الوطنية، إلا أن الإختصاص يعود للمحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المنصوص عليها في الفصل الخامس من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في حالة وجود فراغ تشريع أو كل ما يمكن أن يمس تحقيق العدالة بصفة عامة[8]، على أساس أن الأولوية تكون للقضاء الوطني طبقا لمبدأ التكامل، لكن قد يقع ما يفرض تدخل المحكمة الجنائية الدولية وذلك ما يستفاد من مقتضيا ت المادة 17 من نظام روما التي  جاءت لتنص على أن:

” 1ـ مع  مرعاة الفقرة 10 من الدباجة والمادة 1، تقرر المحكمة أن الدعوى غير مقبولة في حالة ما:

أـ إذا كانت تجري التحقيق أو المقاضاة في الدعوى دولة لها ولاية عليها، مالم تكن الدولة حقا غير راغبة في الإضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة أو غير قادرة على ذلك.

ب ـ إذا كانت قد أجرت التحقيق في الدعوى دولة لها ولاية عليها وقررت الدولة عدم مقاضاة الخص المعني، ما لم يكن القرار ناتجا عن عدم رغبة الدولة أو عدم قدرتها حقا على المقاضاة.

ج ـ إذا كان الشخص المعني قد سبق أن حوكم على السلوك موضوع الكوى، ولا يكون مع الحائز للمحكمة إجراء محاكمة طبقا للفقرة 3 من المادة 20.

د ـ إذا لم تكن الدعوى على درجة كافية من الخطورة تبرر اتخاذ المحكمة إجراء آخر.

لتحديد عدم الرغبة في دعوى  معينة، تنظر المحكمة في مدى توافر واح أو أكثر من الأمور الآتية، مع مراعاة أصول المحاكمات التي يعترف بها القانون الدولي.

أ ـ جرى الاضطلاع بالإجراءات أو يجري الاضطلاع بها أو جرى اتخاذ القرار الوطني بفرض حماية الشخص المعني من المسؤولية الجنائية عن جرائم داخلة في اختصاص المحكمة على النحو المشار إليه في المادة 5.

ب ـ حدث تأخير لا مبرر له في الإجراءات بما يتعارض في الظروف مع نية تقديم الشخص المعني للعدالة.

ج ـ لم تباشر الإجراءات أو لا تجري مباشرتها بشكل مستقل أو نزيه أو بوشرت أو تجري مباشرتها على نحو لا يتفق. في هذه الظروف مع نية تقديم الشخص المعني للعدالة.

3 ـ لتحديد عدم القدرة على دعوى معينة، تنظر المحكمة فيما إذا كانت الدولة غير قادرة، بسبب انهيار كلي أو جوهري لنظامها القضائي أو بسبب عدم توافره، على إحضار المتهم أو الحصول على الأدلة والشهادة الضرورية أو غير قادرة لسبب آخر الإضطلاع بإجراءاتها.

        من خلال مقتضيات المادة السابقة التي تحدد حالات تطبيق مبدأ التكامل، بحيث  ينعقد الإختصاص للمحكمة الجنائية الدولية رغم نظر المحاكم الوطنية إذا تحققت إحدى الشروط المحدة في المادة، أو عندما لا ترغب الدولة في متابعة المسؤولين عن الجرائم التي تختص بها المحكمة، أو في حالة عدم قدرة الدولة على التحقيق والمتابعة وهذا ما فصلت فيه المادة 17.

        من ذلك فإن الإختصاص التكميلي للمحكمة الدولية الجنائية، يؤكد على الدور الأولى والرئيسى للسلطات الوطنية في الإضطلاع بما يرتكب على إقليم الدولة من جرائم تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية،  كما يجعل لها اخصاصا عالميا قادرا على التدخل لتصحيح إدارة العدالة الجنائية في حالة إخفاق الدول الأطراف، أو في حالة عدم تطبيقهم قواعد العدالة الجنائية على النحو الأمثل، وهذا ما يجعل للمحكمة الدولية الجنائية دورا في توحيد قواعد العدالة الجنائية بشقيها الدولي والوطني[9].

خاتمة:   

      لم تكن تلك الدموع التي ذرفتها أعين أعضاء الوفود المشاركة في مؤتمر روما الدبلوماسي عبثا، بل كانت دموع الفرح التي أعقبت الجهد الطويل المضني في صياغة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والتي طالما تاقت العدالة الجنائية الدولية إليها[10]، ليكون بذلك نظام روما الأساسي أول نص قانوني توافقي لإنشاء قضاء جنائي دولي دائم متجاوزا بذلك فترة المحاكم الجنائية المؤقتة التي تم انتقادها بشدة كونه تقوم على إخفاء سياسة القوى العظمى، تقوم على تجسيد عدالة الغالب على المغلوب، وبأنها محاكمات انتقامية لم تحترم مبدأ الشرعية، انطلاقا من ذلك عملت الدول المشاركة في مؤتمر روما على أن تضمن بنود هذا النظام نصوصا تبلور عدالة جنائية دولية صارمة على رأسها مبدأ التكامل.


[1] ـ تطرق  نظام روما  للمبادئ التي يقوم عليها في المواد من 22 إلى 33. 

[2] ـ جاءت المادة اللأولى بمقتضى الإختصاص التكميلي حيث قضت المادة الأولى  على أن: ”  تنشأ بهذا محكمة جنائية دولية، وتكون المحكمة هئية دائمة لها السلطة لممارسة اختصاصها على الأشخاص إزاء أشد الجرائم خطورة موضع الإهتمام الدولي، وذلك على النحو المشار إليه في هذا النظام الأساسي. وتكون المحكمة  مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية. ويخضع اختصاص المحكمة وأسلوب عملها لأحكام هذا النظام الأساسي”.

[3] ـ برز خلال مناقشات مبدأ التكامل في اللجنة التحضيرية موقفين حول ورود هذا المبدأ في بالديباجة الأول يكتفي بمجرد وروده في الديباجة على اعتبار أن ديباجة أي معاهدة تعتبر جزء من السياق الذي يجب أن تفسر به نلك المعاهدة، والثاني الذي لم يكتفي بذلك لأهمية هذا المبدأ مطالبا الإشارة إليه في مادةة مستقلة في النظام الأساسي لأن ذلك سيبدد أية شكوك حول أهمية هذا المبدأ في تطبيق المواد اللاحقة وتفسيرها، ولذلك ذهبت لجنة صياغة النظام إلى تبني هذا الموقف وإيراد مبدأ التكامل في المادة الأولى من النظام الأساسي، انظر أرام عبد الجليل، دراسة حول الآليات الدولية لمحاربة الإفلات من العقاب، ص2، منتدى الحوار المتمدن العدد 1609 تاريخ 12/ 7/ 2006، متوفر على:

http//:www.rezgar.com/debat/show.art. Asp?

[4] ـ تنص الفقرة العاشرة من ديباجة النظام  الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على: ” وإذ تؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب هذا النظام الأساسي ستكون مكملة للولايات القضائية الجنائية الدولية الوطنية”

[5] ـ منى بومعزة، دور القضاء الولي الجنائي في تطبيق القانون الدولي الإنساني، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، تخصص قانون دولي إنساني، جامعة باجي مختارـ عنابة، السنة الجامعية 2008 – 2009، ص 76.

[6] ـ محزم سايغي وداد، مبدأ التكامل في النظام الساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مذكرة مقدمة لنيل ماجيستير في القانون العام ـ فرع القانون والقضاء  الجنائي الدوليين، جامعة الإخوة منتوري ـ قسنطيبنة، السنة الجامعية 2006 ـ 2007.

[7] ـ منى بومعزة، المرجع السابق، ص 75.

[8] ـ سعيد منصوري، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والتشريعات الوطنية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، جامعة القاضي عياض، السنة الجامعية 2010 ـ 2011، ص 31.

[9] ـ منى بومعزة، المرجع السابق،ص 77.

[10] ـ محمد الشبلي العتوم، إتفاقية الحصانة ـ دراسة للإشكاليات القانونية لإتفاقيات الحصانة التي أبرمتها الولايات المتحدة مع بعض الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، دار وائل للنشر، الطبعة الأولى 2013، ص 9.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً