الرئيسية تشريع الضمانات الدستورية لحماية المال العام

الضمانات الدستورية لحماية المال العام

18 نوفمبر 2018 - 12:11
مشاركة

المعلومة القانونية – بقلم ذة/ فاتن شهبون

طالبة باحثة بسلك الدكتوراه

اهتمت التشريعات الوضعية القديمة والحديثة بفكرة المال العام، وشملتها بالحماية في القوانين الخاصة بها بداية من الدستور ومرورا بالقوانين العامة التي تحكم سير الحياة في الدولة، فضلا عن القرارات الإدارية ولوائح الضبط الإداري بنوعيه العام والخاص.

كما أن موضوع حماية الأموال العامة يتطلب تضافر الجهود من قبل كافة الأشخاص في الدولة من مواطنين ومسؤولين وموظفين، ويتطلب أيضا تركيز العمل من أجل القضاء على جميع مظاهر الفساد الإداري، لأن الفساد يؤدي إلى استئثار مجموعة صغيرة من المستغلين على جزء كبير من أموال المجتمع وحرمان الآخرين من حقوقهم المشروعة، خاصة بعد أن كشفت الجهود المبذولة على المستوى الدولي، عدم كفاية القواعد القانونية والتعليمات المالية الصارمة في الكشف عن جرائم السطو والسرقة والاختلاس والرشوة والخيانة، وغيرها من صور الاعتداء على المال العام، وبات من الضروري البحث عن آليات غير تقليدية لمكافحة التسيب المالي والإداري في الإدارات الحكومية، لأن الدولة الحديثة لم تعد وظيفتها ودورها مقصورين على حفظ النظام العام والدفاع والقضاء والأمن، أو الوظائف التقليدية، وذلك بسبب اتساع تنوع نشاط الدولة وارتباطها بجميع عناصر النشاط الاقتصادي وتبني مبدأ التخطيط الاقتصادي الحديث، لكي تقوم باستثمار أموالها في الداخل أو الخارج[1].

وفي نفس السياق، نهج المشرع المغربي المسار ذاته، وطور من آلياته الدستورية والقانونية لحماية المال العام من التقتير والتبذير، وقد ارتأينا معالجة الموضوع من زاوية تهم البحث في الضمانات التي يمنحها الدستور لحماية المال العام، على اعتبار أن الدستور مرجع قانوني أسمى في البلاد، وبالتالي تطرح لدينا إشكالية رئيسية،  تدور حول:

إلى أي حد استطاع المشرع الدستوري حماية المال العام من التقتير والتبذير، في ظل تفشي مظاهر الفساد والرشوة؟”

وينتج عن هذه الإشكالية، عدة أسئلة فرعية يمكن اختزالها في:

  • أية أهمية للتمكين الدستوري لحماية المال العام؟
  • ما هي حماية المال العام؟
  • ماهي الضوابط الدستورية لحماية المال العام؟
  • ما هي الآليات الدستورية لحماية المال العام؟
  • ما هي الهيئات الدستورية لحماية المال العام؟

وللإجابة على الإشكالية الرئيسية، والأسئلة الفرعية، سنعتمد التقسيم التالي:

المبحث الأول: أهمية التمكين الدستوري لحماية المال العام

المبحث الثاني: الميكانيزمات الدستوية لحماية المال العام

المبحث الأول: أهمية التمكين الدستوري لحماية المال العام

على اعتبار أن المال العام مصدره الأصلي الاقتطاعات الضريبية التي تجبيها الدولة من المواطن، فإن أهمية المال العام تبلغ أهمية الانتظارات والتطلعات التي يأملها المواطن، وعلى الدولة الحفاظ عليها وتوظيفها في مشاريع بناءة وبرامج تستجيب لرغبات  وحاجيات الساكنة. لذا حظي شق تدبير المال العام باهتمام بالغ من طرف مختلف البلدان وعبر العديد من الدساتير، والتي لا نستثني منها دستور المملكة المغربية لسنة [2]2011.

فحماية المال العام من جانب التشريع الدستوري، يعتبر من أهم الوسائل التي تضمن استمراريته، ولا أدل على ذلك خيرا من القيود والضوابط القانونية التي تضمنتها الوثيقة الدستورية والقوانين التنظيمية، بغية تنزيل السياسات العمومية والبرامج التنموية والحفاظ على استقرار اقتصاد الدولة وضمان ثباته.

وترتيبا على ذلك، نتساءل حول مدلول “حماية المال العام”؟، وما هي الضوابط الدستورية لحمايته؟، وللإجابة على هذه الأسئلة سنستثمر المطلب الأول في “حماية المال العام”، وسنخصص المطلب الثاني للضوابط الدستورية لحماية المال.

المطلب الأول: حماية المال العام

بداية لا يمكن اعتبار المال عاما، إلا إذا كان مملوكا للدولة أو لأحد أشخاص القانون العام ومخصصا للمنفعة العامة. ووفقا لذلك، تمتلك جميع الدول مجموعة من الأملاك والأموال، تستعملها لتلبية حاجاتها ومتطلبات أفرادها، فرقي أية دولة يعتمد بصفة خاصة على التحكم العقلاني، أو العلمي بوضع هذه الأموال تحت تصرف الجمهور بصفة مباشرة، أو تستعين في ذلك بالمرافق العامة. لذلك يجب أن تخضع هذه الأموال إلى الحماية القانونية، لأنها تستعمل في تحسين كل من الكيان الاجتماعي والاقتصادي والإداري وتطوره. فالدولة الحديثة لم تعد وظيفتها مقصورة على حفظ النظام العام، بل تعدت إلى المساهمة في النشاط الاقتصادي ومشاركة الأفراد في ممارسة هذا النشاط بأوجه عدة، لهذا يحتاج الفرد إلى أموال لكي يحقق الصالح العام ويحقق المنفعة العامة، فاستعمال الدولة للأموال العامة يقود حتما إلى ضرورة المحافظة عليها، وحسن استغلالها صونا لها من التبديد والسرقة والاختلاس[3].

فالأموال العامة أموال مخصصة للمنفعة العامة، وتخصيصها لهذا الغرض يقتضي تنظيمها بأحكام خاصة تكفل حمايتها من كل اعتداء قانوني ومادي، يمكن أن يعطل تحقيق الغرض منها. ومثلما يحمي القانون الأموال الخاصة العائدة للأفراد، فإنه يولي حماية خاصة على الأموال العامة التي تعود ملكيتها للدولة، إذ إن هذه الأموال مهمة جدا للدولة فمن خلالها تمارس الدولة أنشطتها المختلفة في تحقيق المنفعة العامة للأفراد والمجتمع، بل إن أهمية المال العام تفوق أهمية المال الخاص، لأن الأول ملك أبناء المجتمع كلهم، وهو وسيلة لتأمين الخدمات العامة لهم وأساس اقتصاد الدولة[4].

وفي نفس الإطار، يتساءل “فرونسي سوندا” Francis Candat ما إذا كان المال العام وسيلة ضرورية لتنفيذ السياسات العمومية وأنه الحل الوحيد؟ ، ويجيب في نفس السياق، بالتأكيد لا ، لأنه لا يجب اتخاذ خيارات “سياسية” فقط حول استخدامها، نظرا لوجود وسائل أخرى، والتي من خلالها يمكن تغيير البيئة الاجتماعية، عبر: الاستماع، والاتصال، والشفافية، ومستوى الديمقراطية التشاركية[5].

وعلى خلاف هذا الاتجاه يرى أغلب الباحثين في علم المالية أن المال العام وسيلة هامة لتحقيق السياسات العمومية، وتنفيذ البرامج التنموية، بالموازاة مع تطبيق مبادئ الحكامة الجيدة وتنزيل الديمقراطية التشاركية أيضا.

وتأسيسا على ذلك، يعتبر المال العام ضرورة سياسية واقتصادية واجتماعية، يلزم الحفاظ عليه وتمكينه من قواعد قانونية مضبوطة لحمايته من التقتير والتبذير، خاصة في ظل تفشي ظاهرة الفساد المالي بالجسم الإداري، واستشرائه. وتبعا لذلك، ما هي الضوابط الدستوري التي خولها المشرع لحماية المال العام؟ وهذا ما سنجيب عليه في المطلب الموالي.

المطلب الثاني: الضوابط الدستورية لحماية المال العام

لقد حرص المشرع المغربي على تمكين الشق المالي العمومي من أولوية كبيرة منذ السنوات الأولى للاستقلال، وقد نص أول دستور للمملكة سنة 1962 في فصوله 53 و54 على مبادئ وقواعد لتدبير المال العمومي. وإثر ذلك توالت الإصلاحات المتعلقة بتدبير المال العام، عبر الإصلاحات الدستورية للسنوات 1970-1972-1992-1996-2011  وكذا إصلاح القوانين التنظيمية للمالية العامة، بغية الحفاظ على المال العام وحمايته من التبذير والتقتير.

وفي ظل ذلك، يتوج دستور2011 المال العام بتمكينه من قواعد عامة تضمن أمنه القانوني، حيث يعتبر القانون الأسمى في البلاد، الأمر الذي يستلزم معه ضرورة احترامه والتقيد به مع بطلان ما يخالفه، بالنظر للأهمية التشريعية البالغة الذي يكتسيه، في مقابل الحفاظ على أمن وأمان الدولة، وتكريس ميكانيزمات الديمقراطية ودولة الحق والقانون.

وتبعا لذلك، سنعمل على استقراء مقتضيات الدستور المغربي، بغية اختزال أهم مضامينه التي تهم حماية المال العام، والتي جاءت على النحو التالي:

فالفصل 67 من الدستور ينص على تشكيل لجان نيابية لتقصي الحقائق بغية جمع معلومات متعلقة بوقائع معينة، أو بتدبير المصالح أو المؤسسات والمقاولات العمومية، وإطلاع المجلس الذي شكلها على نتائج أعمالها…، كما أن الفصل 68 منه ينص على عقد البرلمان جلسات مشتركة بمجلسيه، وعلى وجه الخصوص، في الحالات التالية:

  • ….
  • عرض مشروع قانون المالية السنوي؛

وبالنسبة للفصول 75 و 76 و77 فإنها تنص على مسطرة صدور قانون المالية، وضرورة عرض الحكومة قانون التصفية سنويا على البرلمان، وحرص البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة.

أما على المستوى المحلي فإن الفصل 146يؤكد على أنه يحدد بقانون تنظيمي بصفة خاصة: … النظام المالي للجهات والجماعات الترابية الأخرى؛…

وقد اعتبر الفصل 147 أن المجلس الأعلى للحسابات هيئة عليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، حيث يعمل على ضمان تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة، بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية. ويتولى ممارسة المراقبة العليا على تنفيذ قوانين المالية. ويتحقق من سلامة العمليات، المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة. تُناط بالمجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص النفقات المتعلقة بالعمليات الانتخابية.

وعلى المستوى المحلي أيضا أكد الفصل 149 على أن المجالس الجهوية للحسابات تتولى مراقبة حسابات الجهات والجماعات الترابية الأخرى وهيئاتها، وكيفية قيامها بتدبير شؤونها. وتعاقب عند الاقتضاء، عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة.

وبغية التأسيس لثوابت الأمن القانوني لحماية المال العام، أكد المشرع في الوثيقة الدستورية من خلال الفصل 151على ضرورة تقديم المرافق العمومية للحساب عن تدبيرها للأموال العمومية، طبقا للقوانين الجاري بها العمل،كما تخضع في هذا الشأن للمراقبة والتقييم.

بالإضافة إلى حرص المشرع في الفصل 158 على أن يقدم المنتخب أو من يمارس مسؤولية عمومية على تقديم تصريحا كتابيا بالممتلكات والأصول التي  في حيازته، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، بمجرد تسلمه لمهامه، وخلال ممارستها وعند انتهائها.

وفي الأخير حدد الفصل 167 مهام الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، المحدثة بموجب الفصل 36 ،على الخصوص، المتعلقة بالمبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد، وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال، والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وثقافة المرفق العام، وقيم المواطنة المسؤولة.

وتبعا لذلك، يتبين لنا مدى حرص المشرع على ضمان أمن قانوني بالوثيقة الدستورية لحماية المال العام من أنواع الفساد والتبذير، وذلك من خلال تكوين لجان تقصي الحقائق، والرقابة العليا على المال العام، والقوانين المؤطرة للمالية العامة والمحلية، وأيضا ضرورة إعلان المنتخبين والمسؤولين السياسيين عن ممتلكاتهم وأصولهم، بالإضافة إلى التنصيص على ضرورة  تفعيل دور الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.

وبالتالي، نتساءل حول الآثار المترتبة عن التنصيص على ضمانات حماية المال العام بالوثيقة الدستورية، وآفاقها الاستشرافية؟ وسنحاول الإجابة على هذا التساؤل من خلال المبحث الموالي.

المبحث الثاني: الآثار المترتبة عن الحماية الدستورية للمال العام

كما تمت الإشارة إليه بالمبحث السابق، فإن للمال العام مكانة متميزة بالتشريع الدستوري، لما له من دور تأثيري لإستقرار النشاط الاقتصادي للدولة، والقضاء على الفساد المالي والإداري، وتكريس شفافية التدبير، والرفع من مردودية طرق إعداد السياسات العمومية وطرق تدبير المال العام بالمغرب.

لهذا أكدت الوثيقة الدستورية على مبادئ الحكامة الجيدة كمقاربة عصرية في الرفع من كفاءة ومردودية التدبير الإداري. إذ في ظل هذا النسق، يعتبر التطرق لماهية الحكامة الجيدة من أهم المفاهيم التي جاء بها الدستور المغربي 2011، كتعبير عن التوجه العام بغية إحداث وتفعيل التغييرات والإصلاح التدبيرية.

ولتفعيل الحكامة الجيدة لحماية المال العام، أصدر المشرع المالي القانون التنظيمي للمالية رقم 130.13، بهدف جعل تمكين المال العام من الحماية القانونية المفترضة، وتدبيره تدبيرا رشيدا، عبر مجموعة من المساطر والتدابير التي يلزم احترامها.

وإثر ذلك نتساءل حول الميكانيزمات الدستورية لحماية المال العام، وأهمية القانون التنظيمي رقم 130.13 لضمان الأمن القانوني للمال العام، وللإجابة على هذه التساؤلات سنخصص المطلب الأول للميكانيزمات الدستورية لحماية المال العام، كما سنخصص المطلب الثاني لدراسة أهمية القانون التنظيمي رقم 130.13 في ضمان حماية قانونية للمال العام.

المطلب الأول: الميكانيزمات الدستوية لحماية المال العام

عرف تدبير المال العام العديد من الانزلاقات والتحديات لسنوات عديدة، حيث كانت سببا في جعل التدبير المالي عموما بالمغرب، لا يرقى إلى مستوى تدبير المال العام بالدول المتقدمة. ويعود الأمر لتلاحم وتفاعل العديد من الأسباب، ابتداءًا بالتأطير القانوني، الذي عرف بعض الإخفاقات والانزلاقات، والتي طالما كانت سببا في استغلالها من قبل بعض المفسدين لصالحهم الخاص، بالإضافة إلى طول المسطرة التي فرضها القانون نفسه، والتي تعمل على عرقلة سير تنفيذ النفقات، الأمر الذي يعيق فصول التنمية الشاملة. مرورا بفرض ضوابط الرقابة وصولا لترسيخ ثوابت الحكامة الجيدة.

وتبعا لذلك، يرتبط نظام الرقابة على المال العام بالمغرب، ارتباطا وثيقا بموضوع المسؤولية وحسن التصرف والأداء ومبدأ المساءلة، على كل من يتولى التصرف في الأموال العمومية، وهو مبدأ دستوري وضعت له آليات وهياكل ومؤسسات تشكل منظومة شاملة ومتكاملة. ويندرج هذا التوجه في إطار تكريس المبادئ الدولية العامة في مجال الرقابة، لاسيما أن الأهداف الخصوصية للرقابة على تدبير المال العام، تعني الاستعمال الأنسب والأنجع لموارد المجموعة الوطنية، والبحث عن التحقق الحزم في التصرف المالي، والمعادلة بين العمل الإداري وإعلام السلطات العمومية والرأي العام، من خلال نشر تقارير تتميز بالموضوعية، تعد كلها ضرورية لتحقيق استقرار الدول وتقدمها، وذلك في كنف احترام المبادئ العامة للتصرف الرشيد[6]. وبهذا الخصوص يعتبر “أحمد السيد النجار”[7] أن الرقابة المالية متعلقة بوجود نظام ديمقراطي حقيقي وبالفصل بين السلطات والتوازن بينها[8].

وبالتالي، فإن الارتقاء بمهام الرقابة على المال العام إلى مستوى الحكامة المالية الجيدة، وتطبيق مقتضيات الدستور بخصوص المساءلة والمسؤولية والمحاسبة وترسيخ الترشيد والجودة والفعالية في التدبير المالي. وفي نفس السياق، ذهب البروفيسور ميشيل بوفيي إلى أن “…إتقان التدبير المالي يتخذ شكل مشروع حقيقي، يتحدُ مع تحديث القطاع العمومي وعلى نطاق أوسع من الدولة…”[9]، الأمر الذي يفسر ضرورة الإلتزام السياسي، بضوابط تدبير الحكامة المالية الجيدة، المنصوص عليها بالدستور بغية الحفاظ على المال العام.

كما اعتبر الفقيه جاك شوفالييه “…أن الحكامة الجيدة تشهد إعادة تأسيس حقيقية للدولة، حيث يتم تعديل وظائفها وقيمها بعمق. وهي مقاربة أكثر براغماتية، مما يتضح انعكاس مبادئ التنظيم والعمل على هذه الدولة…”[10]. وقد كرس الدستور المقاربة الحكماتية عبر دسترة عدد من الهيئات بما في ذلك المجل الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط ومجلس الجالية المقيمة بالخارج، والهيئة المكلفة بالمناصفة ومحاربة جميع أشكال التمييز، والهيئة المغربية للوقاية من الرشوة والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، إذ تهدف مجمل هذه الهيئات إلى حماية المال العام من النهب وسوء الاستغلال.

 وبالتالي، فإن الحكامة التدبيرية للمال العام ينتج عنها شفافية العمليات المالية، وحماية المال العام من التقتير والتبذير، وضمان الاستعمال الأفضل له، مما يكون له بالغ الأثر في تحقيق السياسات العمومية، والبرامج والمخططات الإستراتيجية بحسب انتظارات وآمال المواطنين.

المطلب الثاني: القانون التنظيمي 130.13 آلية لحماية المال العام

رغم أن القوانين التنظيمية تشكل بحسب عدد من الدارسين امتدادا للدستور في جانبه المادي، بمعنى أن مضمونها يجب أن يكون متسقا ومنسجما انسجاما كليا مع مواد الدستور وروحه، فإن هذا الاتساق المعبر عنه بنظرية الملاءمة الدستورية، لا يلغي فرة أن القوانين التنظيمية هي في جوهرها تعبر عن الطابع الديناميكي للدستور، بما يجعلها قوانين تأويلية بامتياز. فالقوانين التنظيمية هي أحد السبل الناجعة للإنتقال من النص الدستوري الجامد إلى النص الدستوري الحي، باعتبارها جنس قانوني منبثق من الدستور ومنفتح على مجموع الرؤى والمواقف والمتغيرات الطارئة في الفضاء السياسي، بمعنى أنها منفتحة على تأويلات متنافسة وقراءات مفتوحة هدفها إعادة صياغة الجانب الصامت من الدستور وفق إرادة المؤول وسلطة المفسر، هذه التعددية في التأويل لا يحسمها في الأخير إلا حكم مستقل للقضاء الدستوري، الذي يعطي الشرعية لتأويل على آخر[11].

ومنذ إنشائه، عرف القانون التنظيمي للمالية ثلاث تعديلات، ويعتبر التعديل الأخير من أهم التعديلات التي عرفها هذا الدستور المالي للمملكة، على اعتبار أن الظرفية التي جاء فيها، تتطلب من السلطات المالية ضبطا أكثر لمنظومة تدبير المال العام، والتي اتسمت بأزمة مالية عالمية خانقة، كانت لها انعكاسات واضحة على المالية اليومية، بالإضافة إلى الضغوط الناتجة عن الربيع العربي، والذي طالب مناضلوه مكافحة الفساد والحد من الاختلاسات المالية، وتوجيه المال العام لخدمة المصلحة العامة، كما أن القانون التنظيمي لم يعرف أي تعديل منذ 15 سنة، وهذه مدة كافية لإعادة النظر في أسلوب تدبير الميزانية ومنظومة المال العام[12].

وتبعا لذلك، تكمن أهمية إصلاح الدستور المالي على وجه الخصوص في تأطير العمليات الموازناتية والمالية وضبطها في جميع أبعادها التقنية والتنظيمية، مما ينعكس على تنزيل السياسات العمومية والاستراتيجيات القطاعية، ومستوى النجاعة في أداء الخدمات للمواطنين، وأيضا على تحسين استدامة المالية العمومية، ومقروئية الميزانياتية، و تعزيز شفافية المالية العمومية.

خاتمة

لقد عمل دستور المملكة على منح المال العام إطارا قانونيا أساسيا بوضعه أهم المرتكزات والمبادئ التشريعية، وأبرز آليات ومؤسسات الحكامة والتي عبرها يتم ترجمة المساطر الأمن القانوني المفترض للمال العام، الأمر الذي ينعكس على التوازن المالي والتطورات الماكرواقتصادية، ودينامية التنمية الشاملة.

وضمن هذا السياق تعتبر الوثيقة الدستورية بمثابة استجابة لآمال وطموحات الساكنة، المنادية بالكرامة والعيش الكريم، على اعتبار أن المال العام الآلية الرئيسية في تحقيق مطالبهم عبر توزيع الثروات بغية تحقيق العدالة الاجتماعية، وأنهم المساهمون الأصليون في هذا المال، وبالتالي تبقى على الدولة مسؤولية حمايته من التقتير والتبذير عن طريق الضوابط التشريعية والأمن القانوني.

المراجع

المراجع باللغة العربية

الكتب

  • سيدا شيخ زرار، “صور الرقابة على المال العام ونظم حمايته ، في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي دراسة مقارنة”، الطبعة الأولى، 2016، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة.
  • ياسر محمد سعيد قدو، “الحماية الجنائية للمال العام وأسباب الفساد وسبل المكافحة والعلاج دراسة تطبيقية”، المركز العربي للنشر والتوزيع-مصر، الطبعة الأولى، 1439-2018.

مقالات

  • فائزة الكافي، “دائرة المحاسبات ودورها في مجال الرقابة على المالية العامة”، المجلة التونسية للإدارة العمومية، عدد: 37، 2004، ص: 7-35.
  • بحوث ومناقشات الندوة التي أقامتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد، “الرقابة المالية في الأقطاب العربية”، مركز دراسات الوحدة العربية، ط.1، 2009.
  • لزعر عبد المنعم، “القوانين التنظيمية بالمغرب: وظائف حصرية ومسطرة معقلنة”، المجلة المغربية للسياسات العمومية، العدد 16- صيف 2015، ص: 25-38.
  • عبد النبي أضريف، “تأملات في القانون التنظيمي للمالية 130.13″، دفاتر الحكامة، العدد 2، دجنبر 2015، ص: 12 -20.

وثائق رسمية

  • ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادرة بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليوز 2011)، ص: 3600.

المراجع باللغة الأجنبية

Les Ouvrages

  • Bouvier (M), « Les Finances Locales », Librairies Général De Droit Et De Jurisprudence, Paris, 11e Edition 2006.

Les Articles

  • Chevallier (J), « La Gouvernance, Un Nouveau Paradigme Etatique ? », Revue Française D’administration Publique, N°105-106, 2003, P.203-213.
  • Francis Candat, « L’argent Public », Revue Empan, 2011/2012, N°82, Toulouse, P.83-85.

[1] سيدا شيخ زرار، “صور الرقابة على المال العام ونظم حمايته ، في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي دراسة مقارنة”، الطبعة الأولى، 2016، المركز القومي للإصدارات القانونية، القاهرة، ص:152.

[2] ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (29 يوليوز 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر الصادرة بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليوز 2011)، ص: 3600.

[3] ياسر محمد سعيد قدو، “الحماية الجنائية للمال العام وأسباب الفساد وسبل المكافحة والعلاج دراسة تطبيقية”، المركز العربي للنشر والتوزيع-مصر، الطبعة الأولى، 1439-2018، ص:11.

[4]  نفسه، ص:38.

[5] Francis Candat, « L’argent Public », Revue Empan, 2011/2012, N°82, Toulouse, P.85.

[6]  فائزة الكافي، “دائرة المحاسبات ودورها في مجال الرقابة على المالية العامة”، المجلة التونسية للإدارة العمومية، عدد: 37، 2004، ص: 7.

[7]  خبير اقتصادي ورئيس تحرير التقرير السنوي الاتجاهات الاستراتيجية في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام-مصر.

[8]  بحوث ومناقشات الندوة التي أقامتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد، “الرقابة المالية في الأقطاب العربية”، مركز دراسات الوحدة العربية، ط.1، 2009، ص:75.

[9] Bouvier (M), « Les Finances Locales », Librairies Général De Droit Et De Jurisprudence, Paris, 11e Edition 2006, P.22.

[10] Chevallier (J), « La Gouvernance, Un Nouveau Paradigme Etatique ? », Revue Française D’administration Publique, N°105-106, 2003, P.213.

[11]  لزعر عبد المنعم، “القوانين التنظيمية بالمغرب: وظائف حصرية ومسطرة معقلنة”، المجلة المغربية للسياسات العمومية، العدد 16- صيف 2015، ص:28.

[12] عبد النبي أضريف، “تأملات في القانون التنظيمي للمالية 130.13″، دفاتر الحكامة، العدد 2، دجنبر 2015، ص: 12.

ما هو رأيك؟

شارك معنا

تعليقات الزوار ( 1 )

اترك تعليقاً