الرئيسية إستشارة قانونية جريمة غسيل الأموال

جريمة غسيل الأموال

30 سبتمبر 2018 - 18:42
مشاركة

المعلومة القانونية – نورا الزرايدي

باحثة في العلوم القانونية بكلية الحقوق أكادير

تعد عمليات غسيل الأموال من أهم الأنشطة الاقتصادية الاجرامية التي تحقق أرباح عالمية، بدأت هذه الظاهرة تنتشر بشكل كبير منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي مما أدى الى افتقار البيانات الاقتصادية العالمية لمصداقيتها لكون الأرصدة المالية المتراكمة و الناتجة عن غسيل الأموال تعد أكبر من التدفقات المالية لأي دولة مما يزيد من الاختلالات الاقتصادية.

و قد ساعد على انتشار هذه الجريمة سهولة انتقال رؤوس الأموال عبر مختلف الدول في ظل تحرير التجارة الدولية مما أدى الى تزايد تداول أموال المنظمات الاجرامية على المستوى المحلي والدولي و ذلك بهدف إخفاء الشرعية على الأموال التي تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة لتبدو كما أنها أموال نظيفة دون الخضوع لأي عقاب أو متابعة قضائية , كما أن التطور الكبير الذي عرفته عمليات غسل الأموال من خلال أساليبها و انتشارها يعد دليلا يوضح تمكن المنظمات الاجرامية من تكييف اليات عملها وفق التحولات الاقتصادية و الاجتماعية التي عرفتها فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

بالإضافة الى أن هذه المنظمات تستغل النواقص و الثغرات التي تصاحب عمليات تحرير التجارة و حركة رؤوس الأموال .و تتم عملية غسيل الأموال عبر ثلاث مراحل الإيداع , التمويه و الاندماج . نالت هذه الجريمة اهتمام معظم فقهاء القانون لما لها من أهمية اجتماعية و اقتصادية. و تعد هذه الجريمة من المحظورات القانونية حيث يوجد اجماع دولي على تحريم هذه الظاهرة و ضرورة مكافحتها بشتى الوسائل.

ما هي أهم الأساليب التي يتبعها غاسلو الأموال في عملياتهم ؟ و ما هي المخاطر الاقتصادية و الاجتماعية لجرائم غسل الأموال ؟

المبحث الأول: الأساليب التي يتبعها غاسلو الأموال في عملياتهم

يعتمد القائمون على غسل المال الى استخدام أساليب تقليدية و أساليب حديثة للتمويه و التضليل . من أهم الأسباب التي جعلتهم يختارون هذا التقسيم سببين أساسيين” يتمثل الأول في محاولة تجاوز التقسيم الى مراحل (إيداع , تمويه , ادماج ) نظرا لما يثيره هذا التقسيم من انتقادات , فضلا عن أن نفس الأسلوب يتكرر في أكثر من مرحلة (كايداع الأموال في البنوك و خلط المال القدر بالأموال الشرعية …) . أما ثانيهما فيتعلق بكون هذا النوع من التقسيم سوف يساعدنا على تتبع التطور الذي طرأ على هذه الأساليب من حيث تطورها أو استحداث أساليب جديدة و مبتكرة تماما , فالوسائل و الأساليب المتبعة من طرف القائمين على غسل الأموال لا تقتصر على أنماط تقليدية بعينها بقدر ما تخضع للتطور و التحديث حسب ظروف كل مجتمع .”1

___________________
1 بديعة لشهب , أهم الأساليب المتبعة في عمليات غسل الأموال ,فكر مجلة العلوم الاقتصادية و القانونية والسياسية , الرباط, العدد6 , 2015, الصفحة 76.

المطلب الأول الأساليب التقليدية

يقصد بها الأساليب الشائعة أو المألوفة في عمليات غسل الأموال و هذا لا يعني جمودها و عدم قابليتها للتطور حيث يمكن تطويرها وفقا لظروف الزمان و المكان اللذان تتم فيهما عمليات الغسل . و من اهم هذه الأساليب نذكر:

1- تهريب النقد تعتبر هذه الطريقة من أكثر الأساليب التقليدية شيوعا لكون معظم إيرادات الجرائم الأصلية نقود و يكون من الضروري التعامل مع هذه النقود من خلال إعادة تحريكها و بالخصوص عندما تتجاوز العائدات مبالغ معينة يصعب اظهارها . فقد أكد عدد من خبراء مجموعة التدخل المالي الدولي أنه يوجد تصاعد لحجم الأموال المهربة عبر الحدود و تتم عملية التهريب بدس النقود وسط شاحنات السلع المصدرة الى الخارج او بالنقل المادي للنقود , حيث يقومون بانشاء شركات خاصة لشحن السلع و يخفون الأموال المراد تهريبها داخل المنتوج .

و تتم عمليات التهريب بمختلف وسائل النقل من شاحنات و طائرات . و يتمثل الهدف الرئيسي من تهريب النقد في اخراج الأرباح ذات الأصل الاجرامي من مكان انتاجها و إدخالها في مناطق جغرافية يصعب تتبعها فيه.

2- ايداع أو ادخال السيولة النقدية في النظام المصرفي تعد البنوك الية فاعلة و هامة للتخلص من عائدات الأنشطة الاجرامية و تصريفها . و ان القائمين على غسل الأموال يكونون على علم ووعي بالمخاطر التي قد تنجم عن وضع تلك الكميات الكبيرة من الأموال في الحسابات البنكية و إعادة تحويلها و خصوصا أن بعض الدول اتخدت العديد من الإجراءات من أهمها ابلاغ السلطات المعنية عن العمليات التي تفوق مبلغا معينا لهذا يتخد غاسلو الأموال إجراءات احتياطية منها تجزأة المبالغ الكبيرة الموجودة تحث أيديهم الى مبالغ أقل من المبلغ المحدد لتفادي الوصول للمبلغ الذي يخضع لقانون مراقبة النقد الالزامي .

3- ضمانات القروض يسمى كذلك القرض الوهمي أو القرض الممول ذاتيا و يقصد بها أن يقوم غاسلو الأموال بتحويل عائدات الأنشطة الاجرامية في اتجاه دولة أخرى و يضع هذه العائدات كضمان لقرض بنكي و يتم تحويل هذا القرض فيما بعد الى البلد الأصلي الذي خرجت منه العائدات أول مرة ويتم ذلك باستغلال النظم القانونية المالية المتساهلة خاصة بالمراكز المالية الحرة . استعمل هذا الأسلوب منذ الثلاثينيات من القرن الماضي , بالإضافة الى أن هذه الطريقة لا تعطي للمال المغسول مظهر القرض الحقيقي فحسب بل تخول لأصحابه امتيازات ضريبية.

4- انشاء شركات أو مؤسسات الواجهة نعني بها شركات عبارة عن كيانات لها أنشطة قانونية حقيقية أو غير حقيقية مثل شركات النقل و السياحة و مؤسسات الإقراض و الائتمان , أما الشركات الوهمية فهي شركات صورية لا وجود لها في الواقع الا بالاسم , و غالبا تظهر في وثائق الشحن و أوامر تحويل الأموال باعتبارها الجهة المرسل اليها بغية إخفاء هوية المتسلمين النهائيين للأموال القدرة. كما تقوم شركات الواجهة باستقبال الودائع النقدية ذات الأصل الاجرامي حيث تقوم بخلط عائداتها و ترسلها الى الخارج أو تقوم بادماج المال المراد غسله في الأبناك .

المطلب الثاني: الأساليب الحديثة

ترتبط بتطور أساليب التجارة الدولية و تحريرها بالإضافة الى التحرير النسبي لحركة رؤوس الأموال و التطور الذي عرفته المؤسسات المالية و من أهم هذه الأساليب نذكر:

1- استغلال خدمات شركات التأمين , تعتبر المؤسسات الغير المصرفية من بين الأليات المالية الشرعية بالنسبة لغاسلي الأموال حيث كما توجد تحولات مهمة لأنشطة غسل الأموال من القطاع المصرفي التقليدي الى قطاع غير مصرفي خاصة في مجال التأمين . و من بين الأمور التي تقوم بتشجيع هذا التوجه كونه يمثل نسبة يعتد بها من وثائق التأمين تباع عن طريق الوسطاء.

وتكون شركات التأمين ملزمة بالابلاغ عن الأنشطة المشبوهة مما يثير قلق الجهات المعنية بمكافحة عمليات غسيل الأموال . و من بين الطرق المتبعة لغسل الأموال في مجال التأمين قيام غاسلي الأموال بالتأمين على أنشطة معينة و يدفعون أقساط هذه التأمينات من عائداتهم الاجرامية .

2- تمرير عمليات غسل الأموال في البورصات و الأسواق العالمية ,يعد قطاع القيم المنقولة ملائما لتمرير عمليات غسل الأموال بغرض التمويه و يرجع ذلك لعدة أسباب من أهمها الطبيعة الدولية للأسواق المالية. في بعض الدول تدار مجموعة من حسابات القيم المنقولة من طرف شركة البورصة نفسها بصفتها شركة محاسبة مما يساعد على التغطية على شخصيات المستفدين الحقيقين .

3- الفوترة المزيفة أو المضخمة , يقصد بها قيام الشخص المشتري لسلعة معينة بدفع مبلغ يتجاوز القيمة الحقيقية لهذه السلعة و يعد الفرق بين القيمة الحقيقة للسلع و القيمة المعلنة لها هو مجموع الأموال التي تم غسلها .

ومن جهة أخرى يستعمل غاسلو الأموال الفوترة المزورة بشكل كلي عوض الفوترة المضخمة, كالقيام بتمرير فواتير مزيفة مع الفواتير الحقيقية لتجارة شركة واجهة مثلا و يكون مجموع قيم الفواتير المزورة هو مجموع المال المغسول .

المبحث الثاني: المخاطر الاقتصادية و الاجتماعية لظاهرة غسل الأموال

تنتج عن ظاهرة غسل الأموال عدة مخاطر اقتصادية و اجتماعية لكونها جريمة من الجرائم الاقتصادية .

المطلب الأول: المخاطر الاقتصادية

تتجلى في استنزاف الاقتصاد الوطني حيث أن نقل الأموال الى خارج البلاد بقصد تمويه مصدرها الأصلي يؤدي الى حرمان البلد من الأموال الموجودة فيها و التي نتعش الاقتصاد الوطني مما يؤدي الى عدم استثمارها في مشاريع اقتصادية الشيء الذي يؤثر سلبا على اقتصاد البلاد.

و من أهم المخاطر الاقتصادية نجد , الركود الاقتصادي “فكما هو معلوم أن تهريب الأموال الى الخارج لغسلها و أيضا استخدام الأموال المغسلة في تنفيذ صفقات استثمارية غير منتجة من خلال تجميدها بشراء مقتنيات مشهورة بمبالغ طائلة , الأمر الذي ينعكس سلبا على القدرات المالية المتاحة لتنفيذ مشاريع وطنية ذات بعد تنموي.”2

بالإضافة الى تأثير غسيل الأموال على قيمة العملة الذي يعد من أهم أساليب غسل الأموال , حيث يتم تهريب النقود الغير المشروعة الى الخارج و هذا ما يؤدي الى تدني قيمة العملة الوطنية و زيادة الطلب على العملات الأجنبية , و عند عودة النقود المهربة الى الداخل ينجم تدهور للقوة الشرائية. كما أن جريمة غسل الأموال جريمة اقتصادية و تنفيدها يؤدي الى تولد جرائم اقتصادية أخرى كالتهريب الضريبي . لكون البطالة الناتجة عن غسل الأموال و تراجع السيولة النقدية عند الأفراد تساهم بشكل كبير في زيادة معدلات الجرائم الاقتصادية لهذا يعتبر الاستقرار الاقتصادي للدولة عنصرا أساسيا في تحقيق التنمية الاقتصادية و الاجتماعية .
_______________
2) زكرياء بلزعر , مخاطر الجرائم الاقتصادية على الاقتصاد الوطني (جريمة غسل الأموال نمودجا.), مجلة العلوم القانونية , العدد الثاني , 2017, الصفحة 111.

المطلب الثاني: المخاطر الاجتماعية 

تتجلى في ازدياد فرص انتشار الفساد و الرشوة في المجتمعات التي تنتشر فيها عمليات غسل الأموال و يتراجع فيها الحس الوطني و يرتفع لواء المصالح الخاصة و الأنانية على المصلحة العامة للوطن و يتمثل ذلك في سلوكيات غاسلي الأموال الذين لا يعرفون الا معادلة الربح و الخسارة .

لهذا يعتبر انتشار الفساد من أهم عوامل بروز ظاهرة غسل الأموال و ذلك لاعتبارين أساسيين و هما كون الفساد مصدرا مهما من مصادر الأموال الغير المشروعة , حيث يقدر صندوق النقد الدولي حجم الأموال الناجمة عن الفساد التي يتم تحويلها الى المراكز المالية الحرة بنصف مجموع الدين الخارجي لخمسة عشر دولة الأكثر دينا في العالم.

ثم أن الفساد باعتباره عامل مساعد لغسل الأموال على اعتبار أن القائمين على تلك العمليات يستفدون بشكل كبير من فساد بعض المسؤولين في مختلف المواقع كما تعتبر المصارف و ادارتها و العاملين بها خط الدفاع الأول أمام عمليات غسل الأموال لذى يسعى القائمون على هذه العمليات لاستغلال موظفي المصارف لتمرير عملياتهم المشبوهة.

بالإضافة الى ارتفاع معدل البطالة ,حيث اذا كان هروب الأموال الى الخارج يؤدي الى حرمان الدولة من استثمارها فانه يؤدي حتما الى فقدان مواطنيها لفرص عمل مما يترتب عنه ارتفاع معدل البطالة , و ذلك نتيجة عزوف المستثمرين عن إقامة مجموعة من المشاريع. 3
___________________
3) عبد الله عزت بركات , ظاهرة غسل الأموال و اثرها الاقتصادية و الاجتماعية على المستوى العالمي , مجلة اقتصاديات شمال افريقيا , العدد 4 , ص223, نقلا عن زكرياء بلزعر , مخاطر الجرائم الاقتصادية على الاقتصاد الوطني جريمة غسل الأموال نموذجا , مجلة العلوم القانونية , العدد2 , 2017, ص113.

في الأخير , ان منظمات غسل الأموال متقدمة كثيرا على سلطات تنفيد القوانين و لديها عدة طرق مرنة لتحديث وسائلها و أساليبها متى اكتشفت أنها صارت تقليدية كما يغيرون البلدان التي تصبح مقيدة بضوابط و إجراءات مشددة من قبل الجهات المعنية بمكافحة هذه الأنشطة الخطيرة .

و مما لاشك فيه أن لجرائم غسل الأموال أثار سلبية و اضرار على أفراد المجتمع فهذه الجرائم تزرع الحقد بين الناس و قد تحصل اصطدامات بين الأفراد و الدولة و يتم انتهاك الموارد الاقتصادية و اختلاس أموال المجتمع .
و لهذا يجب على الدول سن قوانين أكثر ردعية و خلق أليات رقابية سواء في شقها الداخلي كالزام المؤسسات البنكية الى ضبط نشاطها من أجل رصد حركة النقد و السندات أو في شقها الخارجي و المتمثلة في مدى احترامها لهذه التدابير ذات مصداقية عالية لمواجهة هذا النوع من الجرائم الاقتصادية الخطيرة.

و السؤال الذي يطرح نفسه الأن هو:

هل استطاع المشرع المغربي سن قوانين صارمة للحد من انتشار هذه الظاهرة ؟

المراجع المعتمدة:

1) بديعة لشهب , ظاهرة غسل الأموال و اثارها على الاقتصاد العالمي و الاقتصادات العربية , الطبعة الأولى 2010

2) مجلة العلوم القانونية , مجلة علمية محكمة تهتم بالدراسات و الأبحاث القانونية و القضائية و السياسية .
فكر مجلة العلوم الاقتصادية و القانونية و السياسية.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً