الرئيسية » آراء و أقلام » الفرق بين العدول والموثقين والكتاب العموميين

الفرق بين العدول والموثقين والكتاب العموميين

إذا كانت كل من مهن التوثيق العدلي، والتوثيق العصري، والكتابة العمومية، تشترك في كونها مهن تزاول مهام تحرير العقود والإلتزامات، لكنهم يختلفون في الكثير من الأمور، التي من أبرزها، الطبيعة القانونية، ومسؤوليتهم المهنية والقانونية، ومميزات أخرى، سنعمل على توضيحها، من خلال هاته الدراسة.

إن أهم ما يميز العقود والمعاملات التي يبرمها الموثقون والعدول، عن غيرهم من الكتاب العموميين، هو الطابع الرسمي الذي تتميز بها العقود التي يتولون توثيقها، وتعرف العقود الرسمية، بكونها تلك المحررات الصادرة من جهة رسمية، ذات حجة قاطعة، لا يمكن الطعن فيها بالزور كقاعدة عامة.

هذا بخلاف العقود غير الرسمية، التي يتولى تحريرها الكتاب العموميون، التي وإن كانت لها قوة ثبوتية في المعاملات، إلا أن حجتها تبقى نسبية، بحيث يمكن الطعن فيها بالزور مثلا، وهي عقود عرفية، يمكن لأي كان أن يتولى تحريرها بشكل شخصي.

ومن جهة أخرى، تختلف كل من مهن التوثيق العصري والعدلي عن الكتاب العموميين، في التكوين القانوني الذين يتلقونه، وكذى المسؤولية المهنية التي يخضعون لها، حيث أن كلا من الموثقيين والعدول لهم تكوين قانوني عالي، يؤهلهم لمزاولة مهمة توثيق المعاملات بحرفية تامة وإنضباط، فالموثقون ملزمون قانونيا، في القيام بجميع الإجراءات القانونية، بعد إبرام العقود والإلتزامات القانونية، وذلك من خلال تسجيلها في سجلات خاصة، مع ضرورة الحفاظ على جميع السندات والعقود التي يبرمونها في أرشيف خاص، لأجل لا يقل إلزاما عن مائة (100) سنة، وكذا القانون المنظم لهاته المهنة يفرض عليهم، إتمام كل الإجراءات المنظمة قانونيا بعد إبرام العقود، وذلك حماية للمتعاملين، وحماية للحقوق المكتسبة، كضمانة مهمة للمستهلك، مثلا: بعد إبرام عقد بيع من لدن موثق إلى جانب ضرورة المحافظة عليه، إذا ورد على أصل تجاري أو جزء منه، وجب عليه تسجيله في السجل التجاري، أما إذا إنصب ذلك التعامل حول حق أو شيء عقاري، كان عليه -تحت مسؤوليته التقصيرية والعقدية أحياناً أخرى- تسجيله في السجل العقاري، لدى الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، مع ضرورة تسجيل الحقوق لدى دار الضريبة، متى كان القانون يستلزم ذلك صراحة، وهذا تحت تحملهم لمسؤولية تأديبية، مدنية، بل حتى جنائية أحياناً، متى توفرت شروط قيام الفعل الضار قانونا، مثلا إمكانية متابعتهم بتهم النصب والإحتيال، إذا ثبت الجريمة في حقهم، هذا إلى جانب الفائدة العامة التي يقدمونها للمجتمع، سواء من خلال مسك محاسبة منتظمة، أو سجل تجاري، بالإضافة إلى أنهم يقومون بمهام لفائدة الدولة، من قبيل تحصيل الجبايات والديون العمومية لفائدة الخزينة العامة، هذا على العكس  عن مهنة الكتاب العموميين، أو حتى مهنة العدول عامة، الذين هم غير ملزمون بهاته المقتضيات.

في حين يلاحظ أن الكتاب العموميين غير مسؤولين إلا فيما قد يقترفونه من جرائم، يعاقب عليها القانون الجنائي بصفة عامة، أما من حيث المسؤولية المدنية، التي يمكن أن يخضعون لها، فيصعب تحديدها بشكل دقيق، مادامت هاته المهنة غير منظمة في إطار قانون خاص، ما يستعصي معه تصور قيام مسؤولية مدنية في حقهم، كإلتزام خاص، يتجلى في التعويض، متى إرتكبوا خطأ مهني، ترتب عنه ضرر ثابت لأحد الأطراف المتعاقدة، مثلا كجريمة إفشاء السر المهني، أو الخطأ اللغوي، أو المطبعي، بل حتى إن أمكن القول بأنهم يخضعون لأحكام المسؤولية التقصيرية والعقدية كإطار عام، فإنه من شبه المستحيل محاسبتهم، وفقا لأحكام تخول لهم حرية مطلقة في التعاقد.

لكن القانون المغربي إستبعد من دائرة التعامل مجموعة من العقود التي يبرمها الكتاب العموميين، بشكل صريح، خاصة ما يتعلق منه بالمجال العقاري.

أما مهنيي العدول، فهم يتحملون مسؤولية تأديبية مدنية، وجنائية، عن مزاولتهم لمهامهم المنظمة قانونيا، من أبرزها إلتزامهم كغيرهم من الموثقين، بمسك محاسبة منتظمة وسجل، والحفاظ على العقود التي يبرمونها، وكذى توثيق بعض العقود لدى المحاكم، إلا أن ما يميزهم عن الموثقين هو في صلاحياتهم، التي ينيطها لهم القانون المنظم للمهنة، وعي إختصاصات إبرام جل العقود مثلا كعقود الزواج، وقسمة التركة، البيع، الهبة، بإستثناء تلك العقود الواردة على العقارات والحقوق العينية العقارية، وذلك على العكس من مهنيي التوثيق، الذين يخول لهم الصلاحية في إبرام ما شائوا من العقود، في حين حرمهم القانون صراحة من إبرام بعد العقود، كعقد الزواج، والإرث.

أيضا هنالك مميزات أخرى، تميز مهنتي العدول والموثقين عن بعضها البعض، وخاصة في مبدأ المساواة بين الذكر والأنثى في الولوج للمهنة، فبالنسبة لمهنة التوثيق فهي تعترف بهاته المساواة، على العكس بالنسبة لمهنة العدول، حيث يلاحظ بأن القانون المنظم لخطة العدالة، يحرم الإناث من الولوج للمهنة، وذلك لإعتبارات تجد أساسها من الدين الإسلامي، أبرزها هو إشتراط الفقه المالكي لصحة عقد الزواج، أن يتم بشهادة عدلين، مع ضرورة الإشارة لوجود مقترحات لفتح المجال أمام الإناث للولوج لمهنة العدول، نظرا لتعالي أصوات المدافعين حول المساواة بين الجنسين، في ظل مقاربة النوع.

في إطار هذا التمييز يلاحظ بأن كل من مهنتي العدول، والموثقين خاصة، تحتل مرتبة متميزة في توثيق المعاملات، وذلك نظرا لتكوينهم الأكاديمي في هذا المجال، ذلك أنهم خريجي نفس كليات الحقوق، وأيضا لمسؤوليتهم المهنية الجسيمة التي يتحملونها، في إطار تأديتهم لوظيفتهم الإجتماعية.

مع الإشارة في هذا الإطار إلى وجود مطالب مهنية بالتقليص من الفرق بين مهنتي التوثيق العدلي والعصري، سواء من جهة الموثقين الذين يطالبون بأحقيتهم في إبرام عقود الزواج والتركة، نظرا لتكوينهم المتعمق في هذا المجال، أما العدول فيطالبون بالحق في إبرام العقود والتصرفات الواردة على العقارات، على إعتبار أهليتهم القانونية في تحمل مثل هاته المسؤولية، أما مهنة الكتاب العموميين، فإنهم يتحتملون مركز متأخر ضمن الضمانات القانونية التي تمنحها للتعامل، وذلك بالأساس بسبب غياب قانون منظم لهاته المهنة، وإن كانت هنالك إرادة لدن مجموعة من الجمعيات المهنية، التي تطالب بصياغة قانون ينظم هاته المهنة، ليؤطرها ويعترف بها، أخدا بعين الإعتبار الدور التكميلي الذي يمكن أن تلعبه، على مستوى توثيق التعامل العرفي، في ظل هشاشة الوضع الإقتصادي، وكذى نظرا لأن مجموعة من مهنيي هاته الوظيفة، هم حاملون لشواهد جامعية في العلوم القانونية، هنالك من هو بدرجة الدوكتوراه، الماستر والإجازة، يمارسون هاته المهنة بإستمرار، ولا ينقسهم إلا دعم لتكوينهم العملي في مجال التوثيق، وتأطيرهم القانوني للإطلاع بصلاحيات أخرى، لكن ذلك يواجه بالرفض، وخاصة من لدن هيآة التوثيق والعدول، بدعوى أن هاته المهنة غير معترف بها على المستوى الدولي، ومن شأن الإعتراف بها أن يضر بمصلحة إستقرار المعاملات في المغرب، كدعامة لمناخ الأعمال.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*