الرئيسية » خزانتنا » ممارسة دعوى ثبوت الزوجية، والإشكالات العملية المتعلقة بها

ممارسة دعوى ثبوت الزوجية، والإشكالات العملية المتعلقة بها

بحث لنيل  شهادة الإجازة من إنجاز : فؤاد فطوش، تحت إشراف الدكتور: عبد الهادي مساسي، كلية العلوم القانونية والإجتماعية سطات.
I-مقدمة:
تعتبر مؤسسة الزواج، واحدة من أقدم وأسمى المؤسسات التي عرفتها البشرية، فهي أول خطوة لتكوين الأسرة. كما أن الزواج سنة الله في خلقه، غايته العفاف والإحصان وتكثير سواد الأمة.
قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: } ياَ أيَهَُّا الناَّس اتقَّوا رَبكَّم الذَِّي خَلقَكَم مِن نَفس وَاحِدَة وَخَلقََ مِنهَا زَوجَهَا وَبثََّ مِن همَا رِجَالاً كَثيِرًا وَنسَِاءً { ، كما قال عز من قائل: } وَمِن آياَتهِِ أنَ خَلَقَ لكَم مِن أنَفسِكم أزَوَاجًا لِتسَكنوا إِليَهَا وَجَعَلَ بيَنكَم مَوَدَّة ً وَرَحمَةً إنَِّ فيِ ذلَِكَ لََياَت لِقَوم يتَفَكََّرونَ { .
وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الدنيا كلها متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة” .
والزواج ميثاق تراضي وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوجين .
وقد تعارف الناس على إطلاق مصطلح الزواج، على اقتران الرجل بالمرأة دواما واستمرار، فلم يعد يتبادر إلى الذهن عند سماعه إلا هذا المعنى.
ويبقى من أجمل ما عثرنا عليه في تعريف هذه المؤسسة ما جاء على لسان أستاذنا محمد الكشبور من أن الزواج هو التعبير عن العلاقة الإنسانية الخاصة التي تنشأ الأسرة بإنعقادها، وهو تعبير رائع يكشف عن العلاقة بين ذاتين لا تفنى إحداهما في الأخرى ولا تنفصل عنها في نفس الوقت، وإنما ترتبطان برباط لا شبيه له، يتداخل معه الإحساس بالذات مع الإحساس بالغير .
ولقد كانت هذه المؤسسة محط اهتمام الفقهاء، فأفردوا لها عددا من المؤلفات، التي تناولت هذا الموضوع بإسهاب كبير، لما له من أهمية.
والإشهاد على الزواج محل خلاف في الفقه الإسلامي، فبينما يعتبره الجمهور شرطا في النكاح يذهب البعض الَخر إلى عدم لزوم الإشهاد فيه. وقد ذهب الإمام مالك إلى أن الإشهاد ليس شرطا لإنشاء العقد بل الشرط هو الإعلان “فلا تكفي الشهادة عن الإعلان فلو تواصى الشاهدان بالكتمان لا يوجد العقد، وروي عنه أن الإعلان وحده كاف لإنشاء العقد ،من غير حاجة مطلقا إلى تعيين الشهادة.
فحسب متأخروا فقهاء المالكية، أن الإشهاد شرط في الدخول، وذلك بعد أن كان الاعتبار بالشهرة، التي هي خاصية الزواج في نظر الأقدمين، ولئن كان الفقه قد اهتم بهذه المؤسسة الاهتمام المشار إليه أعلاه، فإن المشرع المغربي لم يكن بدوره بمنأى عن هذا الاهتمام، وسعى إلى تأطير هذه المؤسسة ،بدءا من مدونة الأحوال الشخصية، وانتهاءا بمدونة الأسرة، حيث في ظل تصاعد أزمة الثقة، المتجلية أساسا في تراجع الوازع الديني وأخلاقي، ومحاولة ضعاف النفوس التهرب من مسؤولياتهم اقتضت فرض شكلية توثيق عقد الزواج ،وذلك كله حماية للمرأة بالأساس ومن استخفاف البعض، ما قد يعصف بها في مستقبلها، وعرضها وشرفها.وترسيخا لمبدإ توثيق عقود الزواج، نصت المادة 16 من مدونة الأسرة، في فقرتها الأولى على أنه: “تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج” وفي الفقرة الثانية من نفس المادة استثناء من القاعدة من خلال نصه على أنه “إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية وسائروسائل الإثبات وكذا الخبرة.”
ولقد آثار انتباهنا ما لاحظناه من خلال اطلاعنا على بعض الأحكام القضائية من اختلاف واضح في تعامل المحاكم المغربية، مع العناصر التي تنص عليها المادة 16، وهي تبث في دعوى ثبوت الزوجية سواء من حيث تفسير ظروف القاهرة. أو في وسائل الإثبات المعتمدة وكيفية التعامل معها وكذا مع دور تواجد الأبناء من عدمه في مسار دعوى ثبوت الزوجية، وكذا رفع الدعوى في حياة الزوجين أو بعد مماتهما أو وفاة أحدهما.
ماهي الإجراءات المسطرية التي يجب إتباعها في الدعوى؟
 ولمن أجاز المشرع رفع دعوى ثبوت الزوجية؟
 فهل كان المشرع المغربي موفقا في صياغته للمادة 16 المنظمة للموضوع، مقارنة ما كان عليه الحال في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، ولاسيما بخصوص وسائل الإثبات؟
وكيف السبيل إلى التفريق بين دعوى ثبوت الزوجية، والحالات الأخرى المشابهة؟
 وكيف تعامل القضاء مع موضوع السبب القاهر؟

II-الإجراءات الشكلية لدعوى ثبوت الزوجية.
الدعوى قرينة الحق، إلا أنه وإذا كان يتصور وجود حق بدون دعوى، فإنه لا يمكن اقتضاء حق متنازع عليه إلا بدعوى، التي يتجلى منها عنصر الجزاء الواجب لمخالفة القاعدة القانونية، فدعوى إذن وطبقا لما سبق ذكره وسيلة قانونية، قدرها القانون للمطالبة بحق من حقوق أمام القضاء وذلك حتى لا يقوم الأفراد باقتضاء حقوقهم بأنفسهم، لما ينتج عن ذلك لا محالة من الفوضى وانعدام الأمن.
1-الشروط الشكلية الموحدة لممارسة الدعاوى.
ينص الفصل الأول من ق.م.م على أنه: “لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة والأهلية والمصلحة، لإثبات حقوقه، تثير المحكمة تلقائيا انعدام الصفة أو المصلحة أو الأهلية أو الإذن بالتقاضي إن كان ضروريا وتنذر الطرف بتصحيح المسطرة داخل أجل تحدده…”.
من خلال هذا الفصل، يتضح أن الشروط الشكلية المتطلبة بداية في جميع الدعاوى ممثلة في الصفة )أولا( والأهلية )ثانيا( والمصلحة )ثالثا.(
أولا: الصفة
يقصد بالصفة علاقة الشخص المدعي بالشيء المدعى به، والتي تعطيه الصلاحية في الادعاء بالمطالبة به أمام القضاء ويعني ذلك أن يكون رافع الدعوى هو نفسه من اعتدي على حقه أو مركزه القانوني ورفعها في مواجهة نفس الشخص الذي اعتدى على هذا الحق ،أو المركز القانوني، فإن تحققت الصفة في الدعوى يقتضي ما يلي:
 أن يكون رافع الدعوى )المدعي( هو صاحب الحق أو المركز القانوني المراد حمايته فلا يجوز رفع الدعوى من شخص غيره مهما كانت صلته به.
 أن يكون المرفوع في مواجهته الدعوى )المدعي عليه( هو من اعتدى على الحق أو المركز القانوني المراد حمايته.
وكما تشترط الصفة في المدعي، تشترط كذلك في المدعى عليه، ويعبر عن ذلك بالقول “أن ترفع الدعوى من ذي الصفة على ذي الصفة.”
وترفع الدعوى بالنسبة للشخص الاعتباري باسم من يمثله قانونا. وهناك فرق بين الصفة والتمثيل القانوني، فقد يتوافر التمثيل القانوني دون توافر الصفة، فقد يوكل شخص محاميا في رفع دعوى بشأن حق ليس له، فتنتفي الصفة بالنسبة للموكل وإن صح التمثيل القانوني، فصاحب الصفة الإجرائية هو الممثل القانوني لصاحب الصفة في الدعوى لذلك ترفع الدعوى منه أو ضده باعتباره نائبا عن صاحب الصفة الأصلية، وكذلك الوالي أو الوصي أو القيم )المقدم( بالنسبة للقاصر أو المحجور عليهن ومدير الشركة بالنسبة للشركة، ومن يمثل الدولة، والمحامي.
فكل هؤلاء ممثل قانوني لصاحب الصفة، وليس هو صاحب الصفة ذاته، إلا إذا اتحدت الصفتان، كأن يرفع محام قضية خاصة به شخصيا.وقد طرح الفقهاء مشكل استقلالية شرط الصفة عن شرط المصلحة فانقسموا إلى اتجاهين يرى اتجاه أول أن لا فرق بين الصفة والمصلحة وأن وجود الشرط الأول يغني عن وجود الشرط الثاني بينما يرى الاتجاه الثاني أن كلا الشرطين مستقل عن الَخر ومن اللازم أن يتوفرا معا في ذات الوقت لقبول الدعوى أو الطعن وهو الموقف الأسلم فلا يعقل مثلا قبول دعوى الطلاق للضرر المرفوعة من دائني الزوجة مثلا الذي يأملون في الحصول على غرامات لفائدتها تمكنهم من استخلاص مالهم من ديون بذمتها فلئن كانت المصلحة موجودة إلا أن الصفة غير موجودة في جانب الدائنين ويبقى قبول دعوى الطلاق موقوفا على طلب الزوج دون سواه لأن الصفة لا تتوفر إلا فيه.
فالصفة تثبت لرافع الدعوى في هذه الحالات الاستثنائية بنص القانون كما هو الأمر بالنسبة للنيابة العامة في رفع بعض الدعاوى و التدخل فيها و الطعن في أحكامها.
كما لا يسري أيضا على الأحوال التي يجيز فيها القانون رفع الدعوى أو الطعن أو التظلم من غير صاحب الحق في رفع حماية لمصلحة شخصية يقررها القانون. ومن أمثلة هذه الاستثناءات:
أ-الدعوى غير المباشرة: وهي الدعوى التي يرفعا الدائن،للمطالبة بحقوق مدينه،دون أنينيبه في ذلك.فقد فرض المشرع هذه النيابة على المدين مراعاة لمصلحة الدائن ضد مدينه الذي يتقاعس قصدا أو عن المطالبة بحقوقه.
ب-دعاوى النيابة العامة:أجاز القانون لنيابة العامة، رفع بعض الدعاوى أو التدخل فيها،حماية للمصلحة العامة.وكحقها في التدخل أيضا في الدعاوى الخاصة بعديمي الأهلية وناقصيها،و الغائبين و المفقودين.والدعاوى المتعلقة بالنظام والَداب العامة،وحقها في الطعن في الأحكام الصادرة في الدعاوى التي يوجب القانون أيجيز التدخل فيها.
وفي الدعاوى ثبوت الزوجية، تثبت الصفة لكل من الزوجين، وإذا كان الأمر لا يثير غموض في الحالة التي يكونان فيها على قيد الحياة.
ثانيا: الأهلية
لما كان التقاضي يدخل ضمن التصرفات التي تدور بين النفع والضرر، أي أنه يحتمل ربح وخسارة المتقاضي، فقد كان لازما أن يتوفر على كل من أراد رفع دعوى أمام القضاء على الأهلية الكاملة، وهذه الأخيرة تنقسم كما هو معلوم، إلى أهلية وجوب وأهلية الأداء ،ويقصد بالأولى “صلاحية الشخص لممارسة التصرفات والحقوق والتحمل بالالتزامات له وعليه.”
ويراد بالثانية “صلاحية الشخص لممارسة التصرفات والحقوق والتحمل بالالتزامات على وجه يعتد به قانونا” وهذه الأخيرة هي التي تعنينا، وذلك كما جاء في الفصل 1 من قانون المسطرة المدنية وتتدرج أهلية الأداء ، كما هو معلوم بتدرج الإدراك أو التمييز ،وتدور معه وجودا وعدما ونقصانا، فكلما كان الإدراك أو التمييز كاملا كانت الأهلية كاملة،ومتى كان ناقصا كانت ناقصة وكلما كان مفقودا أو منعدما كانت الأهلية منعدمة أو مفقودة .
وقد حددت مدونة الأسرة في المادة 209 من الرشد، بثمان عشرة سنة شمسية كاملة ،فمن بلغ هذا السن، كان له أن يباشر كل التصرفات بدون قيد أو شرط، ما لم يكن محجورا عليه لسفه أو الجنون.
وكما يستفاد من نص المادة 218 من مدونة الأسرة يسمح للقاصر بتقاضي شخصيا ودونما حاجة لنائبه القانوني، كما في حالة مطالبته لأبيه بالنفقة في حالة امتناع هذا الأخير عن الإنفاق، حيث يمكنه أن يطالب أمام القضاء بالنفقة مباشرة وبدون نيابة الغير عنه.
إلا أن الملاحظ أن الاستثناء من القاعدة أعلاه، فإن المشرع أعطى للقاصرين، حال إبرام عقد الزواج، الأهلية المدنية في ممارسة حق التقاضي في كل ما يتعلق بآثار عقد الزواج، من حقوق والتزامات، وفق الفقرة الأولى من المادة 22 من مدونة الأسرة. فهل يمكن تمديد هذا المقتضى إلى دعاوى ثبوت الزوجية؟.
ثالثا: المصلحة
يعتبر شرط المصلحة، ركنا أساسيا لقيام الدعوى، حيث لا تقبل هذه الأخيرة من المدعي إلا إذا كانت له مصلحة فيها، إذ لا دعوى بدون مصلحة ويقصد بالمصلحة أن يكون الحق الذي يطالب به المدعي الاعتراف له به أو بحمايته قضائيا، عرضة تهديد جدي أو على الأقل أن يجني فائدة من الطلب الذي يعرضه على المحكمة حينئذ يجوز له أن يرفع الدعوى حماية لحقه من الضياع، ولتوافر دعواه على عنصر المصلحة.
ويجب أن تتوافر فيها أوصاف معينة فيجب أن تكون
 مصلحة قانونية
 شخصية ومباشرة
 قائمة وحالة
• المصلحة القانونية: يجب أن تكون المصلحة قانونية أي تستند حق ،وتتحقق المصلحة القانونية إذا كانت الدعوى تستند إلى الحق أو مركزه يحميه القانون، فمن
اعتدي على حقه أو مركزه الذي يحميه القانون، تنشأ له مصلحة مشروعة في رد هذاالاعتداء.
• المصلحة شخصية ومباشرة: يشترط أن تكون المصلحة شخصية ومباشرة، بمعنى أن يكون رافع الدعوى هو صاحب الحق المراد حمايته أو من يقوم مقامه كالوكيل بالنسبة للموكل وكالوصي أو الوالي بالنسبة للقاصر. وقد يعتقد أن المصلحة المباشرة يجب أن تكون دائما فردية، لكن الحقيقة غير ذلك، فيمكن أن تكون جماعية ،كما هو الحال لمصلحة النقابات والجمعيات.
• المصلحة قائمة والحالة: يقصد بذلك أن يكون الاعتداء، الذي يدعي حدوثه على حق أو المركز القانوني، قد حدث بالفعل، أي تسبب له في ضرر قائم وحال نتيجة هذا الاعتداء – تمثل في حرمانه من منافع حقه ومزاياه، في هذه الحالة تنشأ له مصلحة قائمة في دفع هذا الاعتداء وإزالة هذا الضرر. والمصلحة في دعاوى ثبوت الزوجية ،تكون إما في ثبوت النسب ومن تم نفقة الإبن والزوجة، وإما الحق في التوارث، أو غيرها مما يترتب عن العلاقة الزوجية.
2-الإجراءات الموضوعية لدعوى ثبوت الزوجية
لقد سبق لنا أن أوردنا بشكل موجز الشروط الشكلية، التي تتحدد فيها جميع الدعاوى بشكل عام، وعليه سنحاول في هذه الفقرة شرح الخطوات التي يجب على رافع هذا النوع من الدعاوى إتباعها ومراحل التي تقطعها القضية في المحاكم، وستكون بداية بتحليل من نص المادة 16 من مدونة الأسرة، التي نصت على أنه: “تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات عقد الزواج.”
إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة، تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في الدعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت في حياة الزوجية.
يعمل بسماع دعوى ثبوت الزوجية في الفترة الانتقالية لا تتعدى خمس سنوات، ابتداءمن تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ” .
بتحليل هذا النص يمكن أن نستخلص النقط التالية:
 سماع الزوجية يتم بواسطة دعوى أمام المحكمة
 على المدعي أن يثبت السبب القاهر الذي حال دون توثيق زواجه
 للمدعي الحرية في أن يثبت دعواه بسائر وسائل الإثبات.
 تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وجود الأطفال من عدمهم، وكذا الحمل، ورفع الدعوى في حياة الزوجين.
وعليه، فإنه بداية يتقدم كلا الزوجين أو أحدهما إلى قسم قضاء الأسرة بالمحكمة المخول الوحيد من طرف المشرع للبت في قضايا الأسرة. بمقال مكتوب مؤداة عنه الرسوم القضائية وبالنظر إلى أن المساطر الشفوية قد حددت على سبيل الحصر، وذلك في الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية، فإنه لابد من تنصيب محام عملا بالمادتين 31 و32 من قانون المحاماة وفي حالة عدم استطاعة الطرف المدعي، من الناحية المادية تنصيب محام ،فإنه لاشيء يمنعه من طلب المساعدة القضائية.
يجب تقديم الدعوى أمام المحكمة، التي يوجد بدائرة نفوذها المكان الذي تم فيه الزواج، إذا كان هو الموطن أو محل سكنى المرأة المراد ثبوت الزوجية لفائدتها، أو بدائرة نفوذ المحكمة التي عاش فيها الطرفان عيشة الأزواج، أو لازالا يعيشان فيها، وذلك لكون هذه المحكمة هي المؤهلة أكثر من غيرها للبحث والتحري في الطلب، لإمكانية إيجاد شهود لهم معرفة بالموضوع .
إلا أننا نرى أنه لا مانع يمنع من إقامة الدعوى أمام محكمة غير هذا لمحكمة لكون المشرع لم يقيد إقامة هذه الدعوى بمحل دون آخر.
ويجب أن يشتمل المقال على هوية الكاملة والمضبوطة لكافة أطرافه، من أسماءعائلية والشخصية، وصفة ومهنة، والموطن ومحل إقامة المدعي ومدعى عليه، وعند الاقتضاء أسماء وصفة وموطن وكيل المدعي، والموطن المختار لهذا الأخير إذا لم يكن له موطن بدائرة نفوذ المحكمة.
ويجب أن يكون الطلب مرفقا بعدد من النسخ مساو لعدد الأطراف بما فيهم النيابة العامة عند الضرورة.
ويجب أن يتضمن المقال تحديد للوقائع والطلبات، وتتمثل الوقائع في بيان تاريخ الزواج ومكانه، مع الإشارة بإيجاز إلى واقعة حفل الزفاف والمأذبة التي أقيمت بمناسبته، وإلى مقدار الصداق مع بيان المؤجل منه والمعجل، والولي مع ذكر أسماء بعض الشهود الذين حضروا الإيجاب والقبول، ومدة اتصال الرابطة الزوجية، أو تاريخ انقطاعها ،وإن كان القضاء يتغاضى عن المقالات التي لا تبين تلك البيانات بدقة، حيث يتم التطرق إليها بجلسة البحث، وتدارك كل إغفال بشأنها تيسيرا على المتقاضين.
كما يتعين ذكر ما يكون نتج عن هذه العلاقة من أبناء، وتاريخ ومكان ولادتهم، أو حمل، وتاريخ وفاة أحد الزوجين عند الاقتضاء، وبيان المصلحة من طلب ثبوت الزوجية ،هل الغاية منها إثبات نسب الأبناء، أم طلب النفقة وتوابعها، أم غايات أخرى كاستحقاق الإرث مثلا؟. ويجب كذلك تبيان الأسباب القاهرة التي حالت دون توثيق العقد في وقته ،بشكل مفصل حتى تتمكن المحكمة من تمحيصها، من أجل تكوين قناعتها حول طبيعتها الاستثنائية، حسب مفهوم الوارد في مدونة الأسرة. ويتعين إرفاق الطلب بالمستندات التي ينوي المدعي استعمالها عند الاقتضاء كالإدلاء بكناش الحالة المدنية عند التوفر عليه، أو بشهادة إدارية مسلمة من السلطة المحلية مع النص على عدد الأبناء إن وجدوا، وأسمائهم وتواريخ ولادتهم وقائمة الشهود الذين ينوي الطرف المدعي الاستماع إليهم، من طرف المحكمة أو غير ذلك من الوثائق التي يمكن للمحكمة استخراج حكم منها. يجب تأشير على الطلب بصندوق المحكمة، بعد أداء الرسوم عليه من طرف الزوج إن قدم من طرفه، ما لم يستفد من المساعدة القضائية، أما الزوجة فمعفاة من أداء هذه الرسوم.ثم ويمكن للمحكمة أن تقوم بأي إجاء تراه ضروري قصد إثبات واقعة الزوجية،كإجراء بحث بواسطة النيابةالعامة أو بواسطة السلطة المحلية لمحل سكنى طالبي ثبوت الزوجية.كما يمكن لها أن تقوم بإجراء خبرة طبية لإثبات علاقة البنوة.
وجرى العمل القضائي بالمحكمة الإبتدائية بالسطات بعد تقديم دعوى ثبوت العلاقة الزوجية، وتسجيلها في السجل العام حسب الرقم التسلسلي لتلقيها ،بإحالتها على رئيس المحكمة الذي يصدر أمرا ولائيا بتعيين القاضي المقرر،والذي وبمجرد إحالة الملف عليه يقوم باستدعاء الأطراف لحضور أول جلسة،كما يقوم بإشعارهم بتتميم البيانات الناقصة عند الاقتضاء،إنذارهم بتصحيح المسطرة، في حالة وجود إخلال شكلي يتعلق بصفة أو المصلحة
أو الأهلية
وهنا يبرز اتجاهان ،اتجاه يده بالى أن القاضي المقرر بقوم بإستدعاء جميع الأطراف وإعلامهم بالجلسة العلنية التي تنعقد بحضور الهيئة الثلاثية،وهي التي تباشر بعد ذلك جميع الإجراءات تحقيق الدعوى وإثباتها من استماع للأطراف وسماع للشهود إن اقتضى الأمر لذلك،ثم تقوم بحجز القضية للمداولة وتصدر الحكم فيها.
ويذهب الاتجاه الثاني الى منح صلاحيات أوسع للقاضي المقرر،ربحا للوقت وتوفيرا للمجهود وتسهيلا في الإجراءات التقاضي،وتطبيقا للفصل 45من قانون المسطرة المدنية،الذي يلزم القاضي المقرر بأن يعمل على تجهيز القضايا المحالة عليه،إذ بعد استدعاء الأطراف للجلسة العلنية تقوم هيئة المحكمة بإرجاع الملف للقاضي المقرر وهو الذي يتولى تجهزه ويباشر جميع إجراءات الدعوى،وبعد أن تصبح القضية جاهزة،يقوم بإصدار أمر بتخلي ،ويدرج القضية في الجلسة العلنية،وتتولى هيئة المحكمة حجز القضية للمداولة إصدار الحكم فيها.ويبقى أهم إجراء يباشره القاضي المقرر،هو القيام ببحث في الموضوع يستمع فيه الى الأطراف و الشهود،ومن ثم أهمية ذكر عناوين هؤلاء حتى تقوم المحكمة باستدعائهم،وان كان قد جرى العمل في الغالب على قيام الأطراف باصطحاب
الشهود بأنفسهم،بعد تحديد تاريخ جلسة البحث وذلك حرصا منهم على حضورهم لها.
.سنحاول التطرق في هذه الفقرة الى دور كتابة الضبط في اثارة دعوى ثبوث الزوجية. لا شك أن هيئة كتابة الضبط هي جهاز اداري داخل منظومة العدالة بحيث يعمل على مساعدة القضاء في انجاز وتنفيذ الاحكام القضائية ، ولما كان الامر كذلك فان كتابة الضبط لها دور هام داخل هذه المنظومة يتجلى اساسا في ان القضايا تولد وتعيش حياتها وتموت بين يدي كاتب الضبط ، فتولد عندما يتم تقييد الدعوى امام كاتب الضبط ، وتعيش عند رواج الدعوى امام المحكمة المختصة والمشكلة تشكيلا قانونيا ، وتموت بحكم اصبح حائزا للشيء المقضي به والمنفذ طبقا للقانون. وان دعوى ثبوت الزوجية لا تختلف كثيرا عن مسار كل الدعاوى التي تمر بين يدي كاتب الضبط ، فبعد ان يتم اداء الصوائر القضائية المتعلقة بالدعوى يتم تسجيلها في السجل العام لتسجيل قضايا الاسرة المختلفة وتحال على الرئيس ليعين القاضي المقرر وأول جلسة التي ستدرج فيها القضية ، ثم بعد رواج القضية بجلسة الموضوع يتم احالتها للبحث ثم للموضوع ، فالمداولة ثم الحكم. وأثناء هذه المساطر يلعب كاتب الضبط ادوار كثيرة تحكمها عدة مبادئ على رأسها مبدأ حسن التواصل والجودة في القيام بالعمل والمساعدة و الارشاد والتوجيه. وكلها ادوار مهمة في دعاوى ثبوت الزوجية اذ لابد من توجيه المواطنين وتحسيسهم بأهمية توثيق عقود زواجهم وإرشاد الذين لم يوثقوا عقودهم بضرورة توثيقها وأهم الوثائق التي يتطلبها القانون من اجل القيام برفع دعوى ثبوت الزوجية وتوجيههم بتزويدهم بالمطبوعات التي هي متوفرة فقط لدى كتابة الضبط. وبناء عليه فإن كتابة الضبط في مجال دعوى ثبوت الزوجية تقوم بدور حيوي على كل مستويات مسار الدعوى منذ تقييدها وحتى انتهائها بحيث يقوم كاتب الضبط بآخر خطوة التي تتمثل في القيام بوضع ملخصات الزواج وإرسالها إلى ضابط الحالة المدنية لمكان ازدياد الزوجين. من هنا وقصد تحليل دور كتابة الضبط في دعوى ثبوت الزوجية لابد لنا ان نتبع الخطوات التالية: دعوى ثبوت الزوجية وإجراءاتها لم يتضمن قانون المسطرة المدنية ولا مدونة الاسرة أي تعريف للدعوى، ونعتقد ان المشرع المغربي قد احسن فعلا حينما لم يتعرض لتعريف الدعوى، وذلك لصعوبة التفرقة بينها وبين بعض المصطلحات المرادفة لها كالقضية والخصومة والتقاضي … لكن الفقه وهو متخصص في اعطاء التعاريف وتدقيق المفاهيم القانونية اقدم على تعريف الدعوى بأنها ” وسيلة قانونية
لحماية الحق، مؤداها تخويل صاحب الحق مكنة الالتجاء للقضاء للحصول على حقه أو لضمان حمايته. – المحكمة تعتمد في سماع دعوى ثبوت الزوجية انطلاقا من المادة 16 سائر وسائل الاثبات اهمها الخبرة ووجود اطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية ، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين. وهذه الوسائل يبقى للمحكمة الحق في اعتماد اي منها أو وسائل اخرى تضاف إليها من بينها شهادة الشهود ، وشهود من عائلة الزوجين التي يؤخذ بشهادتهم على وجه الاستئناس. – اهمية دعوى ثبوت الزوجية في المجتمع تتجلى أهمية دعوى ثبوت في كون أن هذه المكنة القانونية تمكن الازواج المتزوجين جريا على عادات الاسر المغربية من الحصول على عقد من خلاله يتم اثبات مختلف الاثار المتعلقة بالزوجية:
– بالنسبة للزوجين: فعقد الزواج يتيح افراز مختلف حقوق وواجبات الزوجية ويفرض القانون احترامها ، فيضمن للزوجين الحقوق المتبادلة فيما بينهما كإحسان كل منهما للأخر والمعاشرة بالمعروف ، وكذا يتيح لكلا منهما اللجوء للقضاء لضمان احترام حقوق وواجبات الزوجية من نفقة …
– بالنسبة للأبناء: تتيح هذه الدعوى المؤدية لإنشاء عقد الزواج في حماية حقوق الاطفال في النسب والحضانة والنفقة والتعليم وولوج المرافق العمومية والى الحياة والعيش السليم داخل المجتمع
– بالنسبة للأقارب: لدعوى ثبوت الزوجية المؤدية لعقد الزواج اهمية كبرى في تحديد العلاقات والروابط الاسرية من مصاهرة وقرابة ولها ايضا دور في تحديد الارث ومستحقوه.
1- خصائص دعوى ثبوت الزوجية دعوى ثبوت الزوجية بما أنها وسيلة للحصول على وثيقة عقد الزواج فإنها تختص بعدة خصائص:
خاصية الأولى:دعوى ثبوت الزوجية الوسيلة المقبولة للحصول على عقد الزواج وهذه الخاصية نصت عليها المادة 16 من المدونة والتي اكدت ان وثيقة الزواج هي الوسيلة المقبولة لثبوت الزوجية ، وهذه الدعوى تهدف إلى حماية حق أو مركز قانوني معين ، أي أن الشخص يتوقع من القضاء تقرير الحق الذي يدعيه ، وهو ثبوت الزوجية بين الزوجين في مواجهة النيابة العامة التي تسهر على حماية القانون وحسن تطبيقه.
خاصية الثانية:دعوى ثبوت الزوجية دعوى الزامية لمن لا يتوفر على عقد الزواج ان دعوى ثبوت الزوجية هي دعوى الزامية ، يجب اقامتها في مدة خمس سنوات من تاريخ دخول المدونة حيز التطبيق ، لكن هذه المدة مددت لمدة خمس سنوات أخرى ستنتهي في 14 فبراير 2014 لذا فإننا نشعر جميع المتزوجين الذين لا يتوفرون على عقود زواجهم لسبب ما ان يتقدموا بدعواهم لسماع الزوجية داخل هذه المدة المتبقية.
خاصية الثالثة:دعوى ثبوت الزوجية هي حق وواجب تمتاز دعوى ثبوت الزوجية عن غيرها من الدعاوى انها حق وواجب في نفس الوقت فهي حق على اعتبار ان اي زوجين لهم حق مطلق في الحصول على عقد الزواج ، وكذلك فإن دعوى ثبوت الزوجية واجب من حيث ضرورة اللجوء اليها داخل الاجال التي حددها القانون ، قصد تحقيق مبدأ المواطنة السليمة.
خاصية الرابعة:دعوى ثبوت الزوجية حق يمكن التوكيل على ابرامه وهذا ما نص
عليه المشرع في المادة 17 من مدونة الاسرة : ” يتم عقد الزواج بحضور اطرافه ، غير أنه يمكن التوكيل على ابرامه بإذن من قاضي الاسرة المكلف بالزواج وفق الشروط التالية:
1 – وجود ظروف خاصة لا يتأتى معها للموكل ان يقوم بإبرام عقد الزواج بنفسه.
2 – تحرير وكالة عقد الزواج في ورقة رسمية او عرفية ، مصادق على توقيع الموكل فيها.
3- ان يكون الوكيل راشدا ومتمتعا بكامل اهليته المدنية وفي حالة توكيله من الولي يجب ان تتوفر فيه شروط الولاية
4 – ان يعين الموكل في الوكالة اسم الزوج الاخر ومواصفاته، والمعلومات المتعلقة بهويته، وكل المعلومات التي يرى فائدة في ذكرها
5 – ان تتضمن الوكالة قدر الصداق، وعند الاقتضاء المعجل منه والمؤجل
6 – ان يؤشر القاضي المذكور على الوكالة بعد التأكد من توفرها على الشروط المطلوبة.
3-الاجراءات العامة لدعوى ثبوت الزوجية.
دور كاتب الضبط في مراحل تقييد الدعوى.
تقييد الدعوى بصندوق المحكمة يمسك كاتب الضبط نائب وكيل الحسابات داخل قسم
1- قضاء الاسرة طلب ثبوت الزوجية والذي يلتمس فيه الطالبين الحكم لهم بثبوت الزوجية وترتيب الاثار القانونية عنها ويتحقق من المرفقات المرفقة بالطلب ، ثم يطلب من مقدم الطلب اداء رسم قضائي محدد في مبلغ 160 درهما ، يسلم له وصل بعد الاداء يحمل الرقم الترتيبي والمبلغ المؤدي واسم مقدم الطلب مقتطع 216. بعدها يجب على صاحب الطلب ان يؤدي رسم المفوضين القضائيين والمحدد في الدائرة القضائية لمدينة طنجة في مبلغ درهما 88.
2 – احالة الملف على الشعبة المختصة ولا يقف دور كاتب الضبط في استخلاص الرسوم القضائية ، بل يتم احالة هذا الطلب المؤدى عنه الرسوم القضائية بصندوق المحكمة على الشعبة المختصة ، والشعبة المختصة في قسم قضاء الاسرة بمدينة طنجة هي مكتب الاحوال الشخصية المختلفة ، حيث يتم تسجيل هذا الطلب من طرف كاتب الضبط في السجل العام لتقييد طلبات ثبوت الزوجية نموذج 05 ووضعه في ملف دعوى ثبوت الزوجية نموذج رقم 8 وبعدها يتم ادخال الملف في النظام المعلوماتي من طرف كاتب
الضبط المختص في الاعلاميات.
3 – احالة الملف على رئيس المحكمة أو من ينوب عنه وتعين المقرر وأول جلسة بعد الخطوات السالفة الذكر يقوم كاتب الضبط المختص بإحالة الملف على السيد رئيس المحكمة الابتدائية قصد تعيين القاضي المقرر في الملف وتعيين اول جلسة ، وتجدر الاشارة على ان قضايا ثبوت الزوجية تمتاز بسرعة البث فيها حيث وبعد تعين القاضي المقرر يتم تعيين اقرب جلسة للبت في موضوع الطلب وغالبا يتم تعيين الجلسة الموالية ليوم تقديم الطلب
4-دور كاتب الضبط في مرحلة رواج القضية.
1- الاحالة على جلسة الموضوع بعد ان يتم تعين جلسة الموضوع التي ستنظر فيه قضية ثبوت الزوجية ، وقبل الجلسة المحددة يقوم كاتب الضبط المختص بتسجيل الملف رفقة باقي الملفات في سجل الجلسات نموذج 309 ، وأما اثناء الجلسة فان كاتب الضبط يقوم بتحرير محضر الجلسة ، ومحضر الجلسة هو اختصاص حصري لكاتب الضبط ومما لا يختلف فيه اثنان ان انجاز محضر الجلسة هو اكبر دور يقوم به كاتب الضبط بحيث يعتبر الشاهد الامين على ما يروج بالجلسة ويجب ان يتضمن المحضر معاينة حضور الاطراف وتصريحاتهم وملتمساتهم واستنتاجاتهم وكذا مذكراتهم ، وكل ما يراه كاتب الضبط او رئيس الجلسة ضروريا لتسجيله بمحضر الجلسة ، وبناء عليه فانه وفي اطار دعوى ثبوت
الزوجية غالبا ما يتم احالة الملف على جلسة البحث لأخر الجلسة وعلى كاتب
الضبط ضرورة تسجيل هذا القرار المهم الذي تقرره المحكمة

2 – الاحالة على جلسة البحث غالبا ما يتم احالة الملف على جلسة البحث بعد جلسة الموضوع الاولى تسريعا للإجراءات واقتصاد لوقت الخصوم والمحكمة ، ويتم اللجوء للبحث الشخصي بمكتب القاضي المقرر للتأكد مما جاء في مقال الطالبين حيث وفي إطار
جلسة البحث يتم انجاز محضر البحث من طرف كاتب الضبط وهذا الاخير في إطار جلسة البحث يسجل ما يدور في الجلسة التي يحضرها الطالبين وشهودهما.
3 – الاحالة على المساعدة الاجتماعية ان اقتضى الحال يمكن طبقا لمقتضيات المادة 16 من مدونة الاسرة أن يحيل القاضي المقرر الملف على الخبرة ، التي يمكن ان تتجلى في الاحالة على بحث المساعدة الاجتماعية التي تلعب دورا هاما باعتبارها وسيلة هامة ذات مصداقية من وسائل الاثبات التي نصت عليها المادة المذكورة اعلاه ، والتي يلجأ اليها القاضي لتكوين قناعته . وتجدر الاشارة إلى ان المساعدين الاجتماعيين هم كتاب الضبط متخصصون في المساعدة الاجتماعية ويقومون بدور هام في انجاز بحوث اجتماعية ذات مصداقية وذلك بعد احالة الملف عليهم بمقتضى امر تمهيدي محدد لأهم النفط التي يجب على المساعد الاجتماعي احاطة المحكمة بها علما ، وفي مجال عملهم يقومون:
1 – الاطلاع على الملف ودراسته لمعرفة الاطراف المتداخلة في الدعوى
2 – استقبال الطرفين ومحاولة اجراء بحث بين الطرفين
3 – التنقل إلى مقر سكنى الطالبين وإجراء بحث اجتماعي بينهما
4 – انجاز تقرير يتضمن مختلف المعاينات والمشاهدات ومختلف النتائج التي سيتم التوصل إليها وتصريحات الشهود والمرفقات من صور وذلك طبقا للقرار التمهيدي.
-دور كاتب الضبط في ترتيب الاثار القانونية على دعوى ثبوت الزوجية.
يترتب على دعوى ثبوت الزوجية اثار قانونية متعددة ، ومن اجل ترتيب تلك الاثار يتعين سلوك مسطرة التبليغ ثم مسطرة التنفيذ ويلعب كاتب الضبط في هاتين المسطرتين دورا هاما.
-دور كتابة الضبط في تبليغ حكم ثبوت الزوجية.
يتعين قبل الخوض في دور كاتب الضبط في مسطرة تبليغ دعوى الزوجية التعريف بالصيغة التبليغية أساسها القانوني ، ثم انواع تبليغ دعوى ثبوت الزوجية. التذييل بالصيغة التبليغية تعريف بالصيغة التبليغية الصيغة التبليغية او تبليغ الحكم القضائي هو اعلام المحكوم عليه بصدور حكم ثبوت الزوجية ضده إما لينفذه طوعا أو ليستعمل طرق الطعن فيه، فإذا لم يستعملها فإن الحكم يكتسب حجية الامر المقضي به ، وينفذ جبرا وعلى الفور بعدما يحصل المستفيد أو نائبه على نسخة تنفيذية منه فيها رقم التبليغ ، وتاريخه، عنه مؤدى طلب على بناء به توصل ومن .
– التذييل بالصيغة التبليغية في ثلاث نسخ يتقدم طالب التبليغ للسيد كاتب الضبط بطلب تبليغ حكم ثبوت الزوجية للسيد وكيل الملك وفق نموذج تضعه المحكمة رهن اشارة العموم في ثلاث نسخ ، وبعد سحب الصيغة التنفيذية في ثلاث نسخ يحيلها على مكتب التبليغ الذي يفتح لها ملف تبليغي برقم محدد وترتيبي وفق السجل العام لتقييد التبليغات نموذج 601 الذي يتضمن الرقم الترتيبي وتاريخ التبليغ وتاريخ الارجاع ، وتجدر الاشارة إلى أن تبليغ حكم ثبوت الزوجية يتم وفق طرق وكيفيات التبليغ المنصوص علها في الفصلين 37 و 38 من قانون المسطرة المدنية. وترد على الفصلين استثناء يتمثل في اشتراط التوصل الشخصي للزوجة في مسطرة ثبوت الزوجية في إطار التعدد حيث يجب على كاتب الضبط طبقا لقرار المحكمة أو الحكم بثبوت الزوجية باستدعاء أو تبليغ الحكم للزوجة الأولى وتوصلها شخصيا بذلك حتى يتسنى للمحكمة النظر في القضية أو منح الصيغة التنفيذية
للطالبين وذلك طبقا للمادة 43 من مدونة الاسرة.
– دور كاتب الضبط في الطعن على حكم ثبوت الزوجية الإجراءات المتخذة عند الطعن بالتعرض التعرض هو طريق من طرق الطعن العادية منحه المشرع للمحكوم عليه غيابيا ، غايته تمكين نفس المحكمة من فتح الملف ثانية قصد اتاحة الفرصة أمام المحكوم عليه وهما طالبا ثبوت الزوجية لإبداء دوفوعاته وشرح واثبات زوجيته. ويشترط في الحكم الذي يقبل التعرض أن يكون غيابيا وغير قابل للاستئناف. هذا وفي حالة صدور حكم ثبوت الزوجية غيابيا في حق الطالبين يكون لهما الحق في الطعن بالتعرض في أجل عشرة أيام و هي آجال كاملة تبتدئ منذ تاريخ توصله بتبليغ الحكم حسب الفصل 136 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على انه ” يجوز التعرض على الاحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية اذا لم تكن قابلة للاستئناف وذلك في اجل عشرة ايام من تاريخ التبليغ …”. هذا و يتم التصريح بالتعرض امام كاتب الضبط في سجل معد لذلك ، حيث يحرر به صك التعرض الذي يأخذ رقما ترتيبيا وكذا تاريخ التصريح بالتعرض ورقم الملف ونوعه وتاريخ الحكم ورقم القرار و كذا اسم كاتب الضبط المحرر لهذا الصك مع تسجيل التصريح بالتعرض المتضمن لتاريخ التبليغ و اسم المتعرض و توقيعه أو بصمته. وتجدر الاشارة إلى ان النيابة العامة وان كانت تأخذ صفة الخصم في دعوى ثبوت الزوجية فإنه ليس من حقها التعرض على الحكم لكون حضورها اجباريا وإلزاميا ولا يمكن تصور غيابها وذلك طبقا للمادة 3
من مدونة الاسرة والفصل 9 من قانون المسطرة المدنية.
إن مقتضيات مدونة الأسرة التي التزمت بأحكام المشرع ومقاصده السمحة تقتضيأن تحقق الأهداف المرجوة منها عند تطبيقها وفق الروح التي ابتغاها المشرع ولا يتحقق ذلك إلا بعد تيسير فهم مضامينها ومعرفة كنهها وتطبيقها بما يقتضي التعايش الاجتماعي لذلك تم خلق قسم جديد للقضايا الأسرة وتميزت مساطر هذا النوع من القضايا بالخصوصية والنوعية كل ذلك لتبسيط وتسهيل المساطر واتخاذ الحلول للمشاكل التي تعترض هذه الفئة
مما يمكن من تصريف فعال وسريع للعدالة وإيصال الحقوق لأصحابها في الوقت المناسب.

III-دور النيابة العامة في مجال سماع دعوى ثبوت الزوجية.
إن النيابة العامة هي الهيئة التي تعمـل على الدفـاع عن المصلحة العامة و التـي تسهـر على تطبيـق القانـون، و تتولى النيابة العامة رفع الدعوى المرتبطة بالمصلحة العامة أو مصلحة المجتمع في الحدود التي وضعها القانون، فالنيابة العامة هي الهيئة التي تمارس الدعوى باسم المجتمع أو للمصلحة العامة، و قد جعلها المشرع الجزائري سلطة الادعاء العامة التي تقوم بوظيفة الاتهام للحفاظ على حسن تطبيق القوانين و الدفاع عن
المجتمع و حقوقه ، و باعتبارها ممثلة للدولة في التطبيق السليم و الصارم للقانون.
1-دور النيابة العامة في دعاوى سماع الزوجية.
أشارت المادة 16 من مدونة الأسرة، كما تم تعديلها، إلى أن “رسم الزواج هو الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج و إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات و كذا الخبرة” و هكذا فباستقرائنا لهذا الفصل يتبين لنا أن الغاية من كتابة عقد الزواج هو إثبات تحققه و ليس ركنا فيه. إلا أن جانبا من الفقه أعتبر أن الإشهاد على النكاح واجب؛ و كونه عند العقد مندوب هو زائد على الواجب. فإن حصل الإشهاد على العقد فقد حصل الواجب المندوب و إن لم يحصل العقد كان واجبا عند البناء . جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم ،في رواية عن داود عن عقبة بن عامر عنه ،عليه السلام ” أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج.” و هكذا، فإن دعاوى سماع الزوجية شرعت إستثناء أو خلال مدة زمنية ابتدأت من تاريخ دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ في 5 فبراير 2004؛ فإن مدة الخمس سنوات المحددة في الفصل 16 قبل التغيير انتهت في 5 فبراير 2009 . و مدة الخمس سنوات تلك لم تكن كافية لتدارك كل الأوضاع الزوجية التي لم يتم تسويتها، فإن التعديل الأخير الصادر بتاريخ 24/07/2010 و القاضي بتمديد الفترة الانتقالية لسماع دعوى الزوجية من أجل تسوية الزيجات الغير الموثقة حفاظا على حقوق الزوجين و الأطفال، التي ستنتهي خلال الأسبوع الأول من شهر فبراير2014 . إلا أن التعامل بالمرونة و التيسير و التبسيط في المساطر و الإجراءات المتطلبة و مراعاة الظروف و الملابسات و سائر وسائل الإثبات لا يجب أن ينسينا أن دعوى سماع الزوجية تستعمل و يمكن أن تستعمل كأداة للتهرب من أهم مستجدات مدونة الأسرة: ألا هو التوثيق العصري لعقد الزواج و الذي يهدف إلى إبرام عقد الزواج بكيفية مضبوطة و سليمة و مبسطة من أجل حفظ الحقوق و توحيد الإجراءات و تحقيق الشفافية، مما من شأنه أن يحقق الاطمئنان بين الزوجين و يسهم في تنظيم مؤسسة الزواج على أسس قانونية عصرية و واضحة. و هكذا فإن التهرب من توثيق عقد الزواج وفق القواعد المرعية أصبح )في حالات أربع سندرسها أدناه( يمس بالنظام العام و بالحقوق الأساسية للفرد. لقد سمحت مدونة الأسرة للنيابة العامة بمكافحتها باعتبارها المخولة قانونا من التثبت من وقوع الجرائم و جمع الأدلة و البحث عن مرتكبيها في حين أن البت فيمعاقبة مرتكب الجريمة و ما له علاقة بها من مسائل مدنية يرجع الإختصاص فيه للمحكمة. و قد يعتقد أن دور النيابة العامة في مجال دعاوى سماع الزوجية يقتصر على الزجر أو التلويح به، لكن أن واقع المتغيرات القانونية و الأدوار الجديدة للنيابة العامة على ضوء مدونة الأسرة يعطي راهنية كبيرة لدورها و أهمية بالغة بالنسبة لجميع المهتمين سواء من قبل القضاء الواقف و الجالس و مساعدي القضاء و الجمعيات الحقوقية المدافعة عن الأسرة و المرأة و الطفل. إن دراسة موضوع دور النيابة العامة في دعاوى سماع الزوجية خصوصا هو من الأهمية النظرية الكبرى لإنعدام الأبحاث المتطرقة إلى هذا الجانب )حسب علمي(. فالنيابة العامة قبل سنة 2004 كانت تقوم في النظام القضائي المغربي، كما في غيره من الأنظمة القضائية الحديثة، بدوريين أساسيين: الأول دورها أمام القضاء الجنائي: حيث كانت و لازالت تعتبر خصما رئيسيا في القضايا الجنائية حيث تقيم الدعوى الجنائية و تبدي طلباتها و تدلي بحججها و بأدلة الإتهام فيها، و هي بذلك تملك الطعن بطريق الإستئناف أو النقض في الأحكام الصادرة فيها. و دور ثاني أمام القضاء المدني، كانت تباشره بوصفها خصما رئيسيا في الدعوى أو تباشر بصفتها طرفا منضما. إلا أن تلك الأدوار لم تصبح لها صلة وثيقة بدعاوى سماع الزوجية إلا ابتداء من دخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ و صدور الظهير بتنفيذ القانون رقم 03.72 القاضي بتغيير قانون المسطرة
المدنية:
•أولا: لكون سماع الزوجية كان يتم من خلال رسوم عدلية هي عبارة عن لفيفيات يخاطب عليها السيد قاضي التوثيق.
•ثانيا:لكون النيابة العامة لم تكن طرفا أصليا في دعاوى قضايا الأسرة.
•ثالثا: لكون تحريم عدم توثيق الزواج في بعض الحالات لم يؤسس إلا مع مدونة الأسرة و عليه سأتناول دور النيابة العامة في دعاوى سماع الزوجية من خلال مقاربتين الأولى مدنية و الثانية جنائية. المقاربة المدنية لدور النيابة العامة في سماع دعوى الزوجية لم يعرف التشريع المغربي نظام النيابة العامة كمؤسسة قائمة الذات في دعاوى سماع دعوى الزوجية إلا مع مدونة الأسرة و تعديلات قانون المسطرة المدنية.
و يتجلى دور النيابة العامة في هذه الدعاوي قبل أثناء سريانها و بعد إصدار الأحكام فيها. دور النيابة العامة قبل رفع دعاوى سماع الزوجية إن أهم الأحكام المترتبة على كون النيابة العامة أصبحت طرفا أصليا في جميع قضايا الأسرة بما فيها سماع الزوجية )المادة 3 من مدونة الأسرة( ، أنه لا يجوز للخصوم أن يجرحوا ممثل النيابة العامة لأي سبب من الأسباب، و التي أهمها تقديم استشارة لطرف في نزاع لأن الخصم لا يملك حق تجريح خصمه. و لعل هذا المقتضى المسطري القليل التطبيق قد يعتقد أنه غير ذي فعالية إلا أنه يجسد واقع أن قاضي النيابة لدى قضاء الأسرة هو قاضي يتناغم مع مقتضيات مدونة الأسرة قاضي متحرك و ليس قاضي محايد كما هو الحال بالنسبة لقاضي الحكم الملزم
بالحياد.
إن ذلك هو يفسر أيضا الدور الحيوي للنيابة العامة لقضاء الأسرة في مجال تقريب القانون و القضاء من المتقاضين من خلال الإخبار و التبصير بالمقتضيات و المساطر القضائية و الوثائق الضرورية لرفع دعوى سماع الزوجية. كما أن دور النيابة العامة في مثل هذه الدعاوى يتجسد في تقديم المساعدة القضائية الضرورية لتمكين الأطراف
المعوزين من رفع دعاويهم أمام أقسام قضاء الأسرة.
فالمساعدة القضائية لدى جميع المحاكم و كيفما كان الحال يمكن منحها للأشخاص التي تكون لديهم عدم كفاية موارد و يكونون غير قادرين على ممارسة حقوقهم أو الدفاع عنها أمام القضاء بما في ذلك حالات دعاوى ثبوت الزوجية. و هكذا يعين للمستفيد من المساعدة القضائية محام للدفاع عنه مجانا و يعفى مؤقتا من إيداع أي مبلغ برسم الصوائر و من دفع أي أداء آخر. أما المختص بمنح هذه المساعدة لدى مختلف المحاكم الابتدائية هو مكتب يرأسه السيد وكيل الملك و يقدم الطلب باسمه. و الأصل أن المعني بالأمر) أي المدعي في دعوى سماع الزوجية( هو الذي يلتمس طلب المساعدة القضائية وفق مسطرة خاصة تشرف عليها النيابة العامة إلا أنه في إطار اتخاذ التدابير الضرورية للتسهيل على المواطنين المعنيين بثبوت الزوجية و في ظل التعامل بالمرونة و التيسير و تبسيط المساطر و الإجراءات تصبو النيابة العامة في قضاء الأسرة بتفعيل الدورية عدد 16 س 2 بتاريخ 23 شتنبر 2010 من خلال تحسيس المواطنين المعوزين بإمكانية استفادتهم من المساعدة
القضائية. هذا عن دور النيابة العامة قبل رفع دعاوى سماع الزوجية.
؟ الدعاوى تلك سريان أثناء الدور ذلك عن فماذا
دعاوى سماع الزوجية ترفع كما سبقت الإشارة بواسطة مقال إلى السيد رئيس المحكمة الابتدائية بحضور النيابة العامة كطرف رئيسي أمام غرفة الأحوال الشخصية.
و بإعتبارها طرفا رئيسيا في ممارسة الدعوى، فإن القانون أعطى للنيابة العامة الحق في ممارسة الدعوى كمدعية أو مدعى عليها. فالترافع أمام غرفة الأحوال الشخصية حق من حقوقها تباشره كأحد الخصوم العاديين فهي تتقدم بما يظهر لها من طلبات و في دورها العادي تبعا لترتيب الخصوم و سماعهم و يكون لخصومها الرد عليها أو دحض ما تتقدم به من دفاع. وللنيابة العامة أن تشرح وسائل الدفاع التي يستعملها أطراف دعوى سماع الزوجية، وأن تعين بعلمها بالقانون و تجاربها على إبداء دفاع لم يتمسك به الأطراف
ليدعموا بذلك حجتهم.
وإذا تعلق وجه الدفاع بالنظام العام، فللنيابة العامة أن تتمسك به و لو لم يبده الأطراف. كما للمحكمة أن تحكم به تلقائيا و ذلك كالدفع بعدم الاختصاص النوعي أو المحلي أو بانعدام الصفة و الأهلية في رفع دعوى سماع الزوجية. و غني عن البيان أن إلزام المشرع لتدخل النيابة العامة في قضايا الأحوال الشخصية و التي من أهمها دعاوى سماع الزوجية يأتي لكون دعاوى سماع الزوجية تبلغ وجوبا إلى النيابة العامة التي تقدم فيها وجوبا مستنتجاتها في صيغ عامة ) كتطبيق القانون أو إسناد النظر أو صيغ خاصة كإنذار المدعي أو المدعين بتعزيز الطلب أو رفض الطلب أو الدفع بسبقية البت أو التماس إجراء تحقيق أو بحث بواسطة السلطة المحلية(. و للإشارة فان المفوضين القضائيين هم الهيئة المكلفة أساسا بإجراءات تبليغ الاستدعائات في مجال دعاوى سماع الزوجية إلا أن المحكمة غالبا ما تكلف النيابة العامة بالسهر على إجراءات التبليغ إذا لم يتأت للمصالح المكلفة عادة القيام بالتبليغات. كما تلعب النيابة العامة دورا مهما في مسطرة استثنائية ألا وهي مسطرة القيم في دعاوى الأحوال الشخصية باعتبارها من المساطر الخطيرة التي قدتؤدي إلى حرمان المدعى عليه من سلوك الدفاع عن حقوقه في حالة دعاوى سماع الزوجيةالنزاعية، إذ قد تعمل بعض المدعيات سواء فرادى أو بواسطة وكيل إلى رفع دعواهن ضدأشخاص و تدلين بعناوين غير موجودة أو قديمة أو بعبارة مجهول العنوان لسبق معرفتهن برجوع شهادة التسليم بعبارة غير موجود آو انتقل من العنوان . فيلتمسن اثر ذلك تعيين قيم في حق المدعى عليه. لأجله، فان النيابة العامة في إطار مسطرة القيم و البحث عن المتغيب بجميع الوسائل الممكنة تقوم بمراسلة الضابطة القضائية سواء درك أو شرطة أو سلطة محلية للبحث عن المتغيب. وفي اغلب الأحيان قد تطلب تنقيطه في الناظم الَلي للإفادة حول أخر عنوان له أو قد تطلب الاستعانة بشرطة الحدود للتأكد من مغادرة المبحوث عنه لأرض الوطن ومعرفة وجهته. إن المساعدات التي تقدمها النيابة العامة حينما يكون موطن أو محل إقامة المدعى عليه غير معروف و التي يشير إليها الفصل 39 من قانون المسطرة المدنية في إطار مسطرة القيم أصبحت الَن أكثر إلحاحا و إلزاما مع مدونة الأسرة و حملة تعميم سماع دعوى الزوجية على الغير المتوفرين على رسوم الزواج. و لا يفوتني أن اذكر كذلك انه يناط بالنيابة العامة الإشراف على شرطة جلسات المحاكم التي يناط بها اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية الوقائية داخل قاعة الجلسات و خارجها بحراسة المنافذ و الممرات و الأبواب المؤدية إليها و تنفيذ تعليمات السيد رئيس الجلسة في حالة تحويل الجلسة من علنية إلى جلسة سرية أو عند اكتظاظ الجمهور أو تنفيذ أمر السيد رئيس الهيئة في حالة طرد الأشخاص اللذين يثيرون الضوضاء و الضجيج داخل القاعة. كما تسهر النيابة العامة على إحضار المعتقلين و السجناء المطلوب مثولهم أمام غرفة الأحوال الشخصية في حالة دعاوى سماع الزوجية. إذ تعمل النيابة العامة على ترحيلهم من السجن الأبعد إلى سجن المحكمة الابتدائية العاملة به ليكونوا رهن إشارة المحكمة يوم الجلسة حيث يتم إحضارهم تحت حراسة الشرطة إلى قسم قضاء الأسرة. و في مجال سماع دعوى الزوجية التي يكون احد أطرافها من معتنقي الإسلام و الأجانب ، تقوم النيابة العامة تبعا لمنشور وزير العدل عدد46 س بتاريخ 5/12/2006 حول زواج معتنقي الإسلام و الأجانب بناءا على طلب من المحكمة إجراء بحث دقيق و شامل بواسطة الجهات المختصة ) الشرطة أو الدرك( للتحقق من انتفاء موانع الزواج قبل الزواج و التأكد من كون الطرف الأجنبي ذو سلوك حسن ولاتحوم حوله شبهات بالنسبة للأمن و النظام العامين و كذا للتأكد من نشاطه المهني ومصدر دخله و ترجع محضر البحث إلى غرفة الأحوال الشخصية لتبت في الطلب طبقاللقانون. و في مجال دعاوى سماع الزوجية التي يكون احد أطرافها قاصرا ، تلتمس النيابة العامة من غرفة الأحوال الشخصية التأكد من حقيقة الزواج من خلال الإدلاء بشواهد طبية تفيد الحمل أو حقيقة الدخول و تاريخه و تلتمس من المحكمة إشعار أبوي الطرف القاصر و الطرف الأخر و الشهود بكون أن ذلك الزواج يقع تحت طائلة القانون الجنائي بما فيه المشاركين في ذلك الزواج لأجل الردع الاجتماعي و الحد من تلك الظاهرة الخطيرة على صحة و سلامة الأطفال. أما في مجال دعاوى سماع الزوجية التعددية ، فان النيابة العامة تلتمس اعتبار الزوجة الأولى مدعى عليها و تلتمس استدعاءها حفاظا على حقوقها و تلتمس إشعارها بحقها في إثارة المتابعة تجاه الزوج المتملص من إذن المحكمة بالتعدد مع التأكيد في حالة موافقتها على أن الموافقة تمت بكامل رضاها. هذا عن أدوار النيابة العامة أثناء سريان دعاوى سماع الزوجية؛ فماذا عن تلك الأدوار بعد صدور الأحكام فيها؟ دور النيابة العامة بعد إصدار أحكام سماع دعوى الزوجية إن حضور ممثل النيابة العامة في جلسات دعاوى سماع الزوجية إلزامي باعتبار أن النيابة العامة طرف رئيسي في قضايا الأحوال الشخصية و يجب التنصيص عليه في الحكم. و النيابة العامة باعتبارها طرفا رئيسيا في دعاوى سماع الزوجية يحق لها استعمال كل طرق الطعن ماعدا الطعن بالتعرض. والمشرع عندما اقر الدور الرئيسي للنيابة العامة أعطاها الحق في الطعن في الأحكام الصادرة ضدها أو بحضورها لكونها قد تعاين خرقا سافرا للقانون و مضرا بحق من حقوق المجتمع خصوصا أن دعاوى سماع الزوجية تتعلق بالنظام العام. وإنه من المنطق باعتبارها طرفا رئيسيا في الدعوى يمارس طرق الطعن أن تقوم كتابة الضبط بإحالة الملفات عليها بما فيها من أوراق فور الحكم لدراستها من جديد و الاطلاع على أحكامها و الوثائق و المستندات التي ارتكزت عليها مما يساعد النيابة العامة ا على التماس تصحيح الأخطاء المادية الواقعة فيها من قبيل الأخطاء في أسماء الأطراف أو مراجع الحكم أو الملف أو تاريخ الحكم أو منطوق الحكم. كما أن اطلاع النيابة العامة على الملفات لا يحول دون تبليغها الأحكام بواسطة شهادة التسليم عن طريق المفوضين القضائيين من اجل القيامبإجراءات التبليغ وتمكين المدعي من النسخة التبليغية و التنفيذية و شهادة عم الطعنبالاستئناف و النقض. هذا عن المقاربة المدنية لدور النيابة العامة في دعاوى سماع دعوىالزوجية، فماذا المقاربة الجنائية لدورها؟ بغض النظر عما للنيابة العامة من دور أمام قضاء الأحوال الشخصية طبقا لما شرحناه فان للنيابة العامة دورا أخر غير مدني تستمده من وضعيته كممثلة للمصلحة العامة. و باعتبارها الطرف المدني في المتابعة الزجرية ذلك أنها تحرك الدعوى العمومية، وتتابع سيرها إلى غاية صدور حكم بات فيها. و إذا كان القانون الجنائي حدد الأفعال التي يعدها جرائم و عاقب عليها بعقوبات و التي قد تكتنف دعاوى سماع الزوجية على الأقل في بعضها. فان قانون مدونة الأسرة قد حدد بدوره بعض الأفعال التي تدخل في نطاق دعاوى سماع الزوجية و التي تشكل مخالفات للقانون و هو ما سأتناوله لأعرج على دور النيابة العامة في مجال الجرائم المرتبطة بدعاوى سماع الزوجية اعتمادا
على القانون الجنائي.
2-دور النيابة العامة في مواجهة الجرائم المرتبطة سماع دعوى الزوجية وفق مدونة الأسرة.
إن تجديد مدونة الأسرة شكل طفرة حداثية لأجل إصلاح شؤون الأسرة المغربية وهكذا تماشيا مع رغبة المشرع في الحفاظ على العلاقة الزوجية و الحد من التلاعبات و السهر على سلامة تنفيذ الإجراءات و اعتبارا لدورها في حماية المجتمع ، أناط مشرع مدونة الأسرة بالنيابة العامة صلاحية متابعة التدليس في الحصول على إذن قاضي الأسرة المكلف بالزواج في زواج من هو دون سن الأهلية و زواج الشخص المصاب بإعاقة ذهنية و زواج معتنقي الإسلام و الأجانب و كذا دون الحصول على إذن المحكمة القاضي بالتعدد و كذا التدليس في الحصول على شهادة الكفاءة بالنسبة للمغاربة في حالة القصر أو التعدد أو الإعاقة الذهنية أو التدليس في الحصول على شهادة الكفاءة بالنسبة للأجانب. و قد نصت المادة 66 من مدونة الأسرة على انه تطبق على الفاعل و المشاركين معه أحكام الفصل 366 من القانون الجنائي بطلب من المتضرر؛ والعقوبة هي الحبس مكن ستة أشهر إلى سنتين و غرامة من مائتين إلى ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط. وهكذا علق المشرع متابعة مرتكب هذه الجرائم على شرط تقديم شكاية من المتضرر أو من يقوم مقامهفي شكل بلاغ كتابي أو شفوي يحيط بواسطته النيابة العامة علما بالواقعة الجرمية و يؤكدمن خلاله ملتمساته بمتابعة الجاني و مقاضاته أمام المحكمة. وهكذا فان تدخل النيابة العامةمقيد بضرورة وجود طلب من المتضرر تماشيا مع رغبة المشرع في تلك الجرائم على الحفاظ على الروابط العائلية لان العلاقة الزوجية قائمة و مبررات الحفاظ عليها موجودة. كما أن سحب الشكاية يترتب عنه سقوط المتابعة طبقا و إن لم ينص فصل صريح به . بهذا الخصوص جاء في حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بالفداء دار السلطان بتاريخ 14/6/2002 صادر في ظل قانون المسطرة الجنائية السابق : ” إن المادة الثالثة من قانون المسطرة الجنائية تعتبر نصا عاما ينبغي الرجوع إليه في حالة الفراغ التشريعي ، تنص على أن الدعوى العمومية تسقط في حالة سحب الشكاية إذا كانت شرطا لازما للمتابعة” ، و بالتالي فان سحب الشخص المهمل لشكايته يسقط دعوى إهمال الأسرة و يثور التساؤل حول مفهوم المتضرر إن كان هو فقط الزوجة المتزوج عليها أو القاصرة المتزوج بها رغم صغر سنها أو الطرف المغربي المتزوج بالأجنبي المدلس عليه أي أن المتضرر هو ما عرفه الاجتهاد القضائي المغربي بأنه هو : ” الطرف الذي تضرر شخصيا و مباشرة من الجرم الذي نشا عنه الضرر ) الفصل 7 من ق.م.ج ( سواء كان المتضرر شخصا طبيعيا أو معنويا”. فقد أثير التساؤل حول مدى إمكانية قبول شكاية جمعيات الدفاع عن المرأة و الطفل في مواجهة مرتكبي تلك الجرائم؟ و هل يمكننا أن نقول بضرورة توفر تلك الجمعيات على صفة المنفعة العامة. جاء في نفس الحكم المذكور أنه: ” إذا كان المدعي بالحق المدني شخصا معنويا فانه يجب التأكد من القانون المنظم له لمعرفة الشخص المخول له قانونا حق التقاضي و السند الذي يعتمد عليه”. مع الإشارة أن المادة 66 المذكورة تخول المدلس عليه من الزوجين حق طلب الفسخ مع ما يترتب عن ذلك من التعويضات عن الضرر. إلا أن الملاحظ عمليا هو أن اللجوء إلى مسطرة ثبوت الزوجية أصبح أسلوبا للتحايل على قيد التعدد و تزويج القاصرات التي جعلته المدونة استثناءا بل إن انخفاض إحصائيات أذون زواج من لم يبلغ سن الزواج و أذون التعدد ليس مؤشرا دقيقا على وضعية تغير العقليات في المجتمع المغربي أمام ارتفاع نسبة إصدار الأحكام بثبوت الزوجية و التي تستعمل مطية متعارف عليها للتحايل على أحكام مدونة الأسرة في باب الزواج. و هكذا فأمام قصورالنص و حدوده يبقى انم قرابة الحد من الظاهرة هي أساسا وقائية توجب على فعالياتالمجتمع المدني تولي دورها التاريخي في التأسيس لدولة المؤسسات و سيادة القانون و حماية حقوق المرأة و الطفل.
3-دور النيابة العامة في مواجهة الجرائم المرتبطة بسماع دعوى الزوجية وفق القانون الجنائي.
تعد دعوى سماع الزوجية ملجآ العديد من المتقاضين للتهرب من أحكام القانون الجنائي إما عن حق أو غير حق ن و لعل ذلك يبرز خطورة و أهمية هذه الدعاوى على النظام العام المغربي. أسوق أولا مثال جريمة الفساد، التي هي العلاقة الجنسية بين رجل و امرأة يعاقب عليها بشرط عدم وجود العلاقة الزوجية و التي من أهم أركانها القصد غير السليم و النية السيئة في ممارسة تلك العلاقة الزوجية. جاء في حكم شهير للمحكمة الابتدائية ببني ملال : “إن الزواج الذي تم بين الرجل و المرأة .. يعتبر شرعيا و زواجا صحيحا تترتب عليه كل الحقوق و الواجبات لأنه يتوفر على جميع الأركان و الشروط طبق ما نص عليه المتحف لدى قوله ” و المهر و الصيغة و الزوجان ثم الولي جملة الأركان ” و على هدي ذلك فإذا تبين للمحكمة الجنحية أن العلاقة القائمة بين رجل و امرأة ظنينين قد تمت بينهما على نية الزواج قصد تكوين أسرة و بواسطة خطبة علانية و بموافقة من ولي امرأة و حضوره، و بمحضر أفراد العائلتين المتصاهرتين، و على مرأى و مسمع من العموم و كان الرجل و المرأة يقران بذلك الزواج و لا تختلفان فيه كما يقر والديهما معا ، فإن جنحة الفساد المنسوبة إلى ذانيك الظنينين تنتفي انتفاءا كليا و بقوة القانون و يتوجب على المحكمة أن تكشف عن براءتهما معا”. و لعل ملتمس النيابة العامة في جلسة حجز القضية للتأمل يبدو لي حكيما بعدم التماسه تأكيد المتابعة أو التماس الإدانة و اكتفائه بالتماس تطبيق القانون. و إن كان على المحكمة الجنحية إيقاف البت في الدعوى الجنحية إلى حين إدلاء المتهمين بحكم مستقل بثبوت الزوجية لكون قضاة قسم قضاء الأسرة هم الوحيدون المختصون بالبت في قضايا الأحوال الشخصية. إلا أن الحكم المستدل به يوضح إمكانية استعمال أحكام سماع الزوجية لإسقاط متابعات بالخيانة الزوجية لا سيما و أن واقعة شكاية الزوجة الأولى بزوجها المتزوج عليها بالفاتحة توجب على المشتكى بهما اللجوء إلى قضاءالأسرة لاستصدار حكم سماع الزوجية لنسف متابعة النيابة العامة بالخيانة الزوجية و يمكن تصور نفس الأمر بالنسبة لجرائم الاغتصاب و التغرير بقاصرة و السرقة مما يستدعي من
النيابة العامة الكثير من الحرص و التدقيق لتفادي التلاعب بالقانون.
من خـلال ما سبق يمكن أن نقول أن دور النيابة في المسائـل المتعلقـة بالأسـرة تكون كطرف أصلي في الدعوى عن طريـق الادعاء و الدفاع ، و يكون تدخلها في خصومة قائمة بين أطرافها لتبدي رأيها في النزاع و يكون وجوبا في بعض الحالات وأن النيابة العامة تكتفي بعد إحالة بتدخلها تلقائيا عندما ترى أن القضية تتعلق بالنظام.
القضية إليها بمجرد الإشارة على ظهر الملف بالتماس تطبيق القانون رغم أنها طرف أصلي في الدعوى و كأنها تبدي رأيها فقط فلا تقدم مذكرات مكتوبة ، رغم أن المشرع أعطى لها هذا المركز لاعتبارات تتعلق بالنظام العام و المصلحة العامة و لحماية حقوق الأفراد و حماية حرياتهم إذ لا تقوم بالدفاع عن مصالح الخصوم إذ تهدف إلى تطبيق القانون تطبيقا سليما، و تحقيق الدفاع الاجتماعي بحماية القانون و الشرعية فهي حارسة المصالح العامة و مهمتها الوصول إلى الحقيقة و حسن سير العدالة بما يحقق العدل في المجتمع و تلك هي الاعتبارات و الأسس التي اعتمد عليها المشرع في منـح الدور الكبير للنيابـة في مسائـل الأسـرة من طرف منظـم إلى طرف أصلـي و بالتالي حماية الشرعية في المجتمع

IV- دعوى ثبوت الزوجية بين مدونة أحوال الشخصية و مدونة الأسرة.
لاشك أنه وبقدر ما كان للفيفيات المتعلقة بثبوت الزوجية من دور مهم في تسهيل على المواطنين لجهة ثبوت النسب، وضمان حق في التوارث فإنه لابد من الإشارة إلى أن عدم تقييد الأمر بضوابط صارمة أدى وفي ضوء تراجع الوازع الديني إلى ممارسات أقل ما يقال عنها أنها لا أخلاقية، وذلك تحت تأثير إما الطمع، من خلال إقامة رسوم ثبوت الزوجية مع أشخاص متوفين بغية الحصول على نصيب من التركة، أو التستر على علاقات غير شرعية، من خلال نسب أبناء غير شرعيين لأشخاص لا علاقة لهم بهم.
لإبراز مميزات دعوى ثبوت الزوجية، لابد من إلقاء نظرة على مسطرة ثبوت الزوجية في إطار مدونة الأحوال الشخصية الملغاة وعناصرها القانونية إن مقتضيات مدونة الأسرة التي التزمت بأحكام الشرع ومقاصده السمحة تقتضي أن تحقق الأهداف المرجوة منها عند تطبيقها وفق الروح التي ابتغاها المشرع ولا يتحقق ذلك إلا بعد تيسير فهم مضامينها ومعرفة كنهها وتطبيقها بما يقتضي التعايش الاجتماعي لذلك تم خلق قسم جديد للقضايا الأسرة وتميزت مساطر هذا النوع من القضايا بالخصوصية والنوعية كل ذلك لتبسيط وتسهيل المساطر واتخاذ الحلول للمشاكل التي تعترض هذه الفئة مما يمكن من تصريف فعال وسريع للعدالة وإيصال الحقوق لأصحابها في الوقت المناسب، ومسطرة ثبوت الزوجية من خلال مدونة الأسرة.
1_العناصر القانونية لدعوى ثبوت الزوجية من خلال مدونة الأحوال الشخصية
حين صدور المنشور عدد 11 بتاريخ 27/06/2000 عن وزارة العدل، بخصوص إقامة بينة ثبوت الزوجية أصبح لزاما على طالب ثبوت الزوجية أن يدلي بالوثائق الفصل 41 من مدونة الأحوال الشخصية وخضوع العقد المكتوب لموافقة القاضي التوثيق، لاسيما في حال اقتران الطلب، سواء بمسطرة التعدد أو زواج القاصر. ولأهمية ما جاء في هذا المنشور نورد المقتطفات التالية: “من المعلوم أن الفصل 41 من مدونة الأحوال الشخصية ستلزم قبل تولي العدول عقد الزواج الأدلاء بمجموعة من المستندات، والهدف من ذلك هوالحرص على أن يقع العقد وفقا لمقتضيات القانونية المتعلقة به، مثل توفر أهلية النكاح منالخاطب و المخطوبة، وبيات هويتهما، وحالتهما العائلية والصحية، وذلك لتفادي ما قديترتب عن الإحلال بهذه المقتضيات من عواقب، وأضرار اجتماعية، تنعكس على الأسرة والمجتمع بصورة سلبية.
ولأن الهدف لا يتحقق في ما يعرف بالزواج بالفاتحة، الذي يقع بدون إشهاد العدلين، وفي غياب تلك المستندات، مما قد يكون والحالة هذه غير متوفر على بعض الشروط الازمة مثل عدم بلوغ سن أهلية النكاح، وعدم الحصول على القاضي في حالة التعدد.
وحرصا على ضرورة الالتزام بأحكام هذه المقتضيات، ومراعات الهدف الذي يتوخاه المشرع من سنها، يتعين كل ما تعلق الأمر بإقامة بينة بإثبات الزوجية أمام عدلين، إدلاء المعنيين بالأمر بالوثائق المطلوبة في الفصل 41المشار إليه، وذلك حسب ما تقتضيه كل حالة على حدة. فإذا أريد مثلا إثبات الزوجية وقعت دون توفر سن أهلية النكاح أو في حال التعدد بمنع تلقي الإشهاد بذلك إلا بعد الإدلاء من يعنيه الأمر ضمن المستندات المطلوبة، بموافقة كتابية من القاضي المكلف بالتوثيق، أما عند الرفض فإنه يبقى لمن يعنيه الأمر، اللجوء الى قضاء الموضوع للبث في وضعيته الزوجية.”
ومن خلال صدور المنشور فإن المسطرة التي كان يعمل بها في هذا الخصوص هي:
 تقديم طلب من طرف الراغب في إقامة بينة ثبوت الزوجية، إلى القاضي المكلف بالتوثيق ،والذي يسجل في سجل خاص حسب الرقم التسلسلي الموافق لتاريخ التلقي.
 شهادة من ممثل السلطة الإدارية، باسم كل من الخاطب والمخطوبة وسنه ومحل سكناه، واسم وليه.
 ما يبين حالة الزوج الشخصية.
 ما يثبت انفصام الزوجية بالنسبة لمن سبق زواجها، لتحقق من انقضاء عدتها ،وخلوها من مانع شرعي.
 إجراء بحث حول الطالب، وحول مصداقية زواجه من المطلوب إقامة بينة ثبوتالزوجية عليها، ومدة الزواج، وعدد الأبناء، وسنهم.
 استماع إلى المعنيين في محضر قانوني يؤشر القاضي على ظهر الوثائق ويسلمها للمعني بالأمر، وذلك لتسليمها للعدلين، اللذان يستمعان بدورهما إلى اللفيف.
وعليه فإن اللجوء إلى المحكمة لإقامة دعوى ثبوت الزوجية، كان رهينا برفض القاضي المكلف بالتوثيق، الموافقة على إقامة البينة، أو في حال ادعاء أحد الزوجين لها وإنكار الَخر، وإن كان من الضرورة في هذه الحالة بدورها إقامة البينة الشرعية التي تعتبر أهم وسيلة لإثبات قيام العلاقة الزوجية في حال عدم توثيقها حسب الفقرة الأخيرة من الفصل الخامس.
كما أن الملاحظ من قراءة كل من النصين، حصر مدونة الأحوال الشخصية لوسائل
الإثبات في هذه الحالة، في البينة الشرعية وحدها )اللفيف(، في حين نجد المادة 16 قد فتحت المجال الواسع في هذا الباب من خلال اعتماد سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة. إلا أنه وإن كانت مدونة الأسرة قد فتحت المجال الواسع للإثبات في هذه الدعوى إلا أنها بالمقابل ضيقت من النطاق الزمني لها، بجعله بداية من خمس سنوات قبل أن يضطر المشرع، تحت ضغط الظروف الواقعية إلى تعديل المادة 16، وجعل المدة محددة في 10 سنوات، أي بإضافة خمس سنوات أخرى عكس مدونة الأحوال الشخصية التي تركت الباب مفتوحا، ويعتبر هذا التضييق الذي قام به المشرع وإن كان مبررا من ناحية حث المواطنين على توثيق عقود زواجهم، تفاديا لكل تلك المشاكل، وذلك بغرض العبور إلى القرن 21، إلا أنه يؤخذ عليه عدم التدرج في هذا الأمر، ورغبته بالقطع مع الماضي بشكل مفاجئ ودون إنذار مسبق، كما أن عدم مواكبة صدور هذه المدونة بما تستحقه من تعريف وإشهار، خاصة بارتفاع نسبة الأمية، وبعد العديد من المواطنين عن المراكز الحضرية، زاد من حيث كان عليه بداية التحسيس بأهمية التوثيق في الحياة اليومية للمواطن تعقيد المأمورية،واثره ليس فقط عليه بل على المجتمع ككل، حتى يتعود الناس على هذا الأمر ويرسخ في نفوسهم، تماما كما يحدث في العادات والأعراف، التي وبعد مدة من تعود الناس على العمل بها، تتحول الى مسلمات و بديهيات، وذلك الى حين التأكد تماما من الأمر لم يعد محلجدال، ولا ضير من ربطه حينئذ بأجل. ولقد حاولت وزارة العدل تدارك هذا الأمر، منخلال المجهودات التي بدلتها ولاتزال، والمتمثلة اساسا في إشرافها على عقد جلسات تنقلية تيسيرا على المواطنين، وتدارك لما تمت الإشارة إليه من نقص في التحسيس.
وعليه فإننا نعتقد أنه و إن كانت المادة 16 أشمل وأعم من الفقرة الاخيرة من الفصل الخامس، مع صياغة أكثر حداثة، إلا أن نص مدونة الأحوال الشخصية كان أكثر وضوحا
وبساطة، كما أن ابتعاده عن حصر الدعوى في نطاق زمني أبعد واضعيه عن أي إحراج قد
يحدث في ما بعد، وهو الأمر الذي حدث بعد خمس سنوات من تطبيق مدونة الأسرة، حيث
اضطرت المحاكم الى إقاف البث في هذه الدعاوى، ما يفوق خمسة أشهر، وعليه وجبت
إعادة النظر في صياغة هذه المادة ككل، حيث أنه حتى وإن التزم المواطنون بضرورة توثيق عقود زواجهم، فإن الأمر لا يخلو من حين لأخر من بعض الصعوبات التي قد تحول دونه، رغم سلوك المسطرة القانونية المعمول بها.
والسؤال المطروح هنا هل سيظل المشرع يمدد الفترة الانتقالية بين كل فينة وأخرى؟
2-العناصر القانونية لدعوى ثبوت الزوجية من خلال مدونة الأسرة
لاستكمال معرفة المميزات الخاصة لدعوى ثبوت الزوجية، لابد من تحليل العناصر القانونية للمادة 16 المنظمة لهذا الموضوع، فعند قراءتنا وتمحيصنا لهذه المادة فإن أول ما يسترعي انتباهنا بخصوص هذه المادة، إقحام الخبرة في الفقرة الثانية، وهي كما نعلم إجراء من إجراءات التحقيق وليست وسيلة للإثبات، كما أن المشرع لم يحدد ما إذا كانت الخبرة المقصودة هنا هي تلك الواردة في قانون المسطرة المدنية، لأنها إذا كانت مقصودة فعلا فلا مجال لإعمالها في دعاوى الأسرة.
أما إذا كان المقصود هو الخبرة الطبية، فإننا نرى أنه ما كان على مشرع إقحام هذه العبارة في نص المادة والاكتفاء فقط بعبارة وسائل الإثبات، وذلك لأنه لا يلجأ للخبرة الطبية إلا بعد إثبات العلاقة الزوجية، فهي بمثابة قرينة، لأن الرابطة البيولوجية لا يعني حتمية ثبوت الزوجية بين أبوي الطفل، خاصة في الحالة التي يدعي فيها أحد الطرفين أن الطفل نتاج علاقة غير شرعية، أو بنسبة الطفل له دون العلاقة الزوجية، خاصة مع نص المشرعحاليا في مدونة الأسرة على حالة ثبوت النسب للشبهة.
كما أن المحاكم، كانت تأخذ بالخبرة الطبية قبل صدور مدونة الأسرة، وذلك بالطريقة التي ذكرناها أي بعد إثبات الزوجية، فقد جاء في حيثية قرار حديث، صادر عن المحكمة الابتدائية بالرباط ما يلي: “وحيث إن نفي المدعى عليه تكذبه شهادة الشهود المستمع إليهم على انفراد بعضهم على سبيل الاستئناس والبعض الَخر بعد أدائهم اليمين القانونية وهم…:الذين صرحوا بأنهم يعرفون الطرفين كزوجين إما لكونهم كانوا يتبادلون معهم الزيارات كزوجين بالنسبة للشاهدين الأول والثاني، أو لوجود علاقة الجوار بالنسبة للثالث .كما صرح الشاهد…بعد أدائه اليمين القانونية أن الطرفان سبق لهما أن اكتريا منه دار في ملكه بيتا للزوجية وأقام عنده مدة أربع سنوات وكان يعرفهما كزوجين وازداد لهما ابن.
وحيث أن المحكمة وصولا منها إلى الحقيقة وبناء على طلب المدعية أمرت بإجراء خبرة طبية على الخلايا الوراثة (ADN) عين للقيام بها الدكتور عبد العزيز السفياني الطبيب بالمعهد الوطني لحفظ الصحة والذي تم استبداله بالسيد قائد القيادة الجهوية للدرك الملكي بالرباط لكون الخبير الأول لم يتأتى له القيام بالمهمة المستندة إليه حيث انتهى الخبير المعين في تقريره المؤرخ في 05/01/2006 إلى كون السيد هو الأب البيولوجي للطفل بنسبة 99.99%.
وعليه، تظل أهم وسيلة معتمدة للإثبات في هذه القضايا، ومن خلال الأحكام التي حصلنا عليها، شهادة الشهود الذين يتم الاستماع إليهم، رفقة الأطراف في إطار إجراء من إجراءات التحقيق، وهو البحث الذي يقوم به القاضي المقرر في مكتبه.
وفي هذا الباب يلعب ذكاء وفطنة القاضي الذي يقوم بهذا الإجراء ،دورا كبيرا في استجلاء الحقيقة، والوصل إلى النتيجة المرجوة من خلال طريقة طرحه للأسئلة ونوعية الأسئلة، فبعد التأكد من هوية الأطراف يكون السؤال المطروح عن تاريخ الزواج أول الأسئلة المطروحة، ولهذا السؤال أهمية قصوى، خصوصا إذا علمنا أن هذا التاريخ من بين مشتملات منطوق الحكم، الأمر الذي يقودنا إلى السؤال الثاني، هو ما إذا أثمرت هذه العلاقة الزوجية عن أبناء أو وجود حمل، بالنظر إلى تأكيد المادة 16 في فقرتها الثالثة على مراعاةوجودهم من عدمهم، هذه نماذج الأسئلة التي يمكن للقاضي المقرر أن يطرحها، لكن لاشيء يمنعه من طرح أسئلة أخرى، حسبما يبدو له من أهميتها، وذلك في كل حالة علىحدة.
أكد أنس سعدون، الباحث في قانون الأسرة ، على ضرورة منح فرصة جديدة فيما يتعلق بدعوى تبوث الزوجية من أجل استيعاب كل الحالات المتبقية للزيجات غير الموثقة، مشددا على ضرورة ترشيد التدخل التشريعي المقبل من خلال ضمانة نجاعة أي تعديل مرتقب للمادة 16 من مدونة الأسرة. وأضاف سعدون أن المادة 16 من مدونة الأسرة لم تستطع تحقيق الهدف منها، وهو جعل وثيقة الزواج الوسيلة المقبولة والوحيدة لإثبات العلاقة الزوجية، مشيرا إلى تمديد الفترة الانتقالية لسماع دعوى ثبوت الزوجية مدة خمس سنوات إضافية، حيث قاربت هذه الفترة الإضافية على الانتهاء دون تحقيق المطلوب منها، وأن كل المؤشرات تؤكد وجوب تدخل تشريعي لتمديد الفترة الانتقالية لمدة جديدة. من الناحية الشرعية ينعقد الزواج بالإيجاب والقبول، وتوافر باقي الشروط وليس من بينها التوثيق، وإنما تم استحداث هذا الشرط الجديد من أجل حماية الحقوق المترتبة عن عقد الزواج، وهكذا فرضت مدونة الأسرة توثيق عقد الزواج في وثيقة رسمية، تحرر من طرف عدلين منتصبين للإشهاد في مجلس واحد، وجعلت بذلك من الكتابة شرط صحة في عقد الزواج، إذ تنص المادة 13 في فقرتها الرابعة، وبصريح العبارة على أنه : “يجب أن يتوافر في عقد الزواج “شرط سماع العدلين التصريح بالإيجاب والقبول من الزوجين وتوثيقه”، كما أن المادة 16 من المدونة نصت في فقرتها الأولى على أنه ” تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج”. ويمكن إثبات العلاقة الزوجية في إطار المادة 16 من مدونة الأسرة بجميع وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود، والبينة الشرعية، والإقرار والقرائن..، ويمكن أيضا اللجوء إلى الخبرة الجينية، حيث أقر المشرع مبدأ حرية الإثبات. وفيما يتعلق بالإشكاليات المرتبطة بوسائل إثبات العلاقة الزوجية، فيمكن الحديث على أنه في حالة وجود منازعة في العلاقة المطلوب إثباتها، تتحمل الجهة المدعية عبئ الإثبات الذي ينبغي أن ينصب على وجود علاقة زوجية “شرعية” مشتهرة تمت بالإيجاب والقبول و إثبات السبب القاهر الذي حال دون توثيق هذه العلاقة، مع بيان تاريخها بالتدقيق وما إذا كانت لاتزال قائمة ومستمرة أو انفصمت بالطلاق.
والسؤال المطروح هو هل استطاعت دعوى ثبوت الزوجية كآلية قانونية تسوية الأوضاع الزوجية غير الموثقة؟؟ بالقطع لم تستطع المادة 16 من مدونة الأسرة تحقيق الهدف منها، وهو جعل وثيقة الزواج الوسيلة المقبولة والوحيدة لإثبات العلاقة الزوجية، ولا أدل على ذلك من تمديد الفترة الانتقالية لسماع دعوى ثبوت الزوجية مدة خمس سنوات إضافية ، وقد انتهت الفترة الإضافية دون تحقيق المطلوب منها، وكل المؤشرات تؤكد وجوب تدخل تشريعي لتمديد الفترة الانتقالية لمدة جديدة. أما بالنسبة للحصيلة فلا يمكن تقييم ما تم تحقيقه في المدة السابقة لدخول مدونة الأسرة حيز التنفيذ طالما أن وزارة العدل والحريات لم تنشر بعد الإحصائيات الجديدة لتطبيق المدونة، وآخر الاحصائيات المتاحة هي تلك المتعلقة بسنة 2011، حيث يلاحظ ارتفاع عدد الأحكام الصادرة في قضايا ثبوت الزوجية، كما يلاحظ ارتفاع في عدد الجلسات التنقلية التي تعقدها عدد من المحاكم للبت في هذه القضايا بعدد من المناطق النائية التي لا تتواجد بها محاكم مما يؤكد وجود جهود تبدل للحد من تفاقم الظاهرة. بعد مرور عشر سنوات من العمل بدعوى ثبوت الزوجية للقضاء على الزيجات الغير موثقة، ألا نحتاج إلى فرصة أخرى؟ لا بد من فرصة جديدة من أجل استيعاب كل الحالات المتبقية للزيجات غير الموثقة، لكن ينبغي العمل على ترشيد التدخل التشريعي المقبل من خلال ضمانة نجاعة أي تعديل مرتقب للمادة 16 من مدونة الأسرة، ويمكن في هذا الصدد طرح عدة فرضيات: إما عدم تمديد الفترة الانتقالية لسماع دعوى ثبوت الزوجية، وفي هذه الحالة ستكون التكلفة ثقيلة خاصة بالنسبة لساكنة العالم القروي في المغرب العميق حيث لا تزال عدة مناطق لا تتوفر على مكاتب للعدول ويتعذر على ساكنتها توثيق الزواج وفق الشكل القانوني. أو تمديد الفترة الانتقالية لأجل جديد مع الاستفادة من تجربة العشر سنوات السابقة والحيلولة دون تكرار الأخطاء التي تم تسجيلها في هذا الصدد وذلك عن طريق تقييد حالة سماع الزوجية بوجود سبب قاهر مع التنصيص على استثناء حالات التحايل على القانون، بعدم السماح بسماع دعوى ثبوت الزوجية المرتبطة بإذن قضائي كما الحال بالنسبة لزواج القاصر أو التعدد أو الزواج المختلط، مع التنصيص على مقتضيات زجرية يعاقب بمقتضاها كل من خالف مقتضيات المادة 16 من المدونة وامتنععن توثيق عقد الزواج دون سبب قاهر مع اعتبار حالة التهرب من الإذن القضائي بمثابةظرف تشديد، والتركيز على محاولة تبسيط اجراءات الزواج وتفعيل عدالة القرب،واستهداف المناطق النائية.
إن واقع تطبيق المادة 16 من مدونة الأسرة خلال 10 سنوات كشفت عن مجموعة من الملاحظات أهمها:
-عندما تتحول القاعدة إلى استثناء: وضعت المادة 16 من المدونة لكي تجعل الأصل في إثبات العلاقة الزوجية هو عقد الزواج المكتوب للقضاء على ظاهرة “زواج الفاتحة” الذي كان منتشرا في أنحاء كثيرة من المغرب، لكن تطبيق هذه المادة أفرز واقعا معاكسا، حيث تحولت إلى أداة لشرعنة “الزواج العرفي” والتحايل على القانون من خلال تشجيع تعدد الزوجات وتزويج القاصرات، ومحاولة فرض سياسة الأمر الواقع على القضاء. وهكذا تم تجريد الفقرة الأولى من المادة 16 من كل حماية لها وعرضها لخرق مستمر، بدليل استمرار زواج الفاتحة على نطاق واسع يعاكس روح الفقرة الأولى التي اعتبرت عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثباته. وتؤكد لغة الأرقام هذه الملاحظة، حيث ارتفعت نسب ثبوت الزوجية بصفة غير منطقية من 6918 حكم سجل سنة 2004 إلى 23057 حكم سنة 2013. وإذا كانت هذه الأرقام تؤكد، من جهة، المجهودات المبذولة من أجل مواجهة ظاهرة الزواج غير الموثق، خاصة الحالات التي تعود إلى فترات زمنية سابقة لم تكن إمكانية توثيق الزواج ممكنة، فإن تحليل هذه الأرقام سيكشف أن نسبة كبيرة منها تتعلق بحالات زواج حديثة أبرمت بالمدن، وأحيانا من طرف أشخاص متعلمين.
-عندما يفتح القانون بابا للتحايل عليه: من أه م المكتسبات التي كرستها مدونة الأسرة أنها أخضعت كل مقتضياتها لمراقبة القضاء، وانفتحت بشكل كبير على المعايير الدولية لحقوق الإنسان عموما، خاصة من حيث ملاءمتها لاتفاقية حقوق الطفل واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وفي هذا الصدد، حددت سن الزواج في 18 سنة لكلا الجنسين، وقيدت من إمكانية السماح بزواج القاصر إلا بعد الحصول على إذن قضائي واستنفاد مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى حماية المصلحة الفضلى للقاصر. ومن بين هذهالإجراءات لجوء القاضي إلى إجراء بحث اجتماعي، أو الاستعانة بخبرة طبية للتأكد من مدى أهلية القاصر للزواج، وفي نفس الوقت قيدت تعدد الزوجات بشروط “مستحيلة”، وأهمها تحقق القضاء من وجود “المبرر الموضوعي الاستثنائي” والإمكانيات المادية للزوج… لكن كل هذه المقتضيات الإيجابية يمكن ضربها بعرض الحائط، إذ بإمكان أي شخص أن يتهرب من هذه القيود التشريعية التي وضعت أساسا لحماية الأسرة والمرأة والطفل، من خلال الاكتفاء بإبرام زواج الفاتحة وفق الأعراف، ثم التقدم بعد مدة من الزمن أمام القضاء بدعوى ثبوت الزوجية. إن سهولة التعامل القضائي مع المادة 16 من مدونة الأسرة شجعت على تزايد حالات زواج الفاتحة، رغم المخاطر التي يمكن أن تنجم ع ن هذا النوع من الزواج الذي لا يخضع لأي رقابة مسبقة، مما يمكن أولياء أمور بعض الفتيات القاصرات من إكراههن على الزواج، وهو ما قد يعدم عنصر الرضى الذي يبقى أهم عنصر لصحة الزواج. كما أن وضعية أغلب الأسر المبنية على أساس علاقات زواج غير موثقة )زواج الفاتحة( تتصف عموما بالهشاشة التي تؤثر كثيرا على وضعية المرأة التي تبقى مجردة من أي حماية قانونية، إذ إن مجرد خلاف بسيط بينها وبين زوجها أو بين عائلته يبقى سببا كافيا لطردها من بيت الزوجية وتجريدها من كل حقوقها، وهو ما يؤدي إلى تعميق وضعية الهشاشة والتهميش والعنف الذي تتعرض له. إن مشروع التعديل الجديد لمدونة الأسرة، الرامي إلى تمديد الفترة الانتقالية لسماع الزوجية لمدة إضافية بشكل مجرد، سيبقى عقيما؛ فطالما لم تتم مواكبة التعديل التشريعي المرتقب بسياسة عمومية ناجعة تستهدف وضع الَليات والموارد البشرية والمادية اللازمة لتوثيق الزواج وتجاوز الصعوبات التي تواجه بعض المواطنات والمواطنين في تدبير شؤونهم الإدارية اللازمة لتوثيق الزواج، خاصة بالمناطق النائية، فسيبقى هذا المشكل مطروحا. من جهة أخرى، إذا لم يتم وضع مقتضى تشريعي يمنع إعمال المادة 16 من مدونة الأسرة في حالة التحايل على القانون للتملص من القيود المفروضة على زواج القاصرات أو تعدد الزوجات، ستبقى هذه المادة بمثابة بوابة تشريعية مفتوحة تشرعن حالة التحايل على القانون وتنسف كل المقتضيات التي كرَّستها مدونة الأسرة التي جاءت أساسا من أجل تغيير مجموعة من الممارسات السيئة، وليس العمل على تطبيعها و شرعنتها ومحاولة إيجاد إطار قانوني لها. لذا يبقى لزاما على ال مش رع الابتعاد ما أمكن عن اعتماد الحلول الجاهزة أو الحلول التي أثبت التطبيق العملي محدوديتها وعدم جدواها، فمجرد تكرار تعديل 2009 من خلال التعديل المرتقب، معناه أننا سنضطر، بعد خمس سنوات، إلى تكرار نفس الممارسة، وهو ما يعني باختصار أننا ندور في حلقة مفرغة.
من خلال ما تم ذكره أعلاه، يتبين من مقارنة كل من الفقرة الأخيرة من الفصل الخامس من مدونة الأحوال الشخصية، والمادة 16 من مدونة الأسرة أن المشرع المغربي ،قد حافظ على الاستثناء الذي أورده بخصوص إثبات العلاقة الزوجية، عن طريق وثيقة عقد الزواج، إلا أن الملاحظ أن هذه الدعوى في ظل مدونة الأحوال الشخصية لا ترفع إلا في حال رفض قاضي التوثيق، منح الإذن لتوثيق رسم ثبوت الزوجية لدى العدلين، في الحالة التي يكون فيها الزوجان متفقان، أو في حالة التي يدعي فيها أحد الزوجين قيام العلاقة الزوجية، وينفيها الطرف الَخر. وهو الأمر الذي لم يعد قائما بعد دخول مدونة حيز التنفيذ ،حيث أصبح لزاما على الراغب في ثبوت الزوجية، أن يرفع دعوى في الموضوع.

V- تداخل دعوى ثبوت الزوجية مع غيرها من الدعاوى وإشكالات أخرى.
تعتبر دعوى ثبت الزوجية، من بين الدعاوى التي تثير عددا من الإشكالات العملية ،التي اختلف القضاء في التعامل معها من محكمة إلى أخرى، بل ومن حالة إلى أخرى.
ويبقى أهم إشكال يواجه الممارس، هو تقاطع هذه الدعوى مع الدعاوى والحالات ،وقد تتشابه معها.وإن الدعوى التي نحن بصدد دراستها، تطرح عددا من الإشكالات، وخاصة على صعيد التفريق وبينها وبين غيرها من الدعاوى، لاسيما دعوى ثبوت النسب، بل حتى بينها وبين بعض الحالات المشابهة لها واقعيا، ومختلفة معها من حيث الَثار القانونية والتي تعد الخطبة أبرز مثال لها كما لا يفوتنا التطرق إلى الحالة التي تتعلق بالإذن بالتعدد، وطريقة تعامل القضاء مع الحالات العملية التي تطرح عليه.
1-دعوى ثبوت الزوجية والنسب والخطبة.
سبق أن اشرنا في معرض تحليلنا للمادة 16 من مدونة الأسرة، أن صدور حكم بثبوت الزوجية، يعني بالضرورة ثبوت النسب، وأن العكس غير صحيح إلا أن الأمر يختلط أحيانا، خاصة عندما تكون دعوى ثبوت الزوجية، مقرونة بطلب ثبوت النسب ومن هنا الخلط قد يقع أحيانا.
ويتم تمييز عادة بين دعوى ثبوت الزوجية ودعوى النسب، سواء من الناحية الشرعية أو من الناحية القانونية من عدة وجوه نذكر من ذلك مثلا:
1- فعلى مستوى التنظيم التشريعي، فإن المشرع نظم دعوى إثبات الزواج بواسطة المادة 16 من مدونة الأسرة، في حين نظم النسب ووسائل إثباته في المواد من 150 إلى 162 من نفس المدونة.
2- نظم المشرع المغربي كذلك دعوى إثبات النسب إلى جانب دعوى نفيه )المادة
153(، وبالمقابل لم ينظم إلا دعوى ثبوت الزواج الذي لم يسبق الإشهاد وتوثيقه أمام العدلين المنتصبين للإشهاد. أما دعوى نفي الزوجية فلا يمكن تصورها إلا كدفع.
3- يثبت النسب كقاعدة بالفراش – وهو العلاقة الزوجية الصحيحة – وقد يثبت استثناءبالزواج الفاسد والزواج الباطل والاتصال عن طريق الشبهة، وهي أوضاع غير متصورةفي الزواج الذي ليست له إلا صورة واحدة.
4- تهيمن على دعوى إثبات النسب قاعدة شاذة تخرج عن أصول الإجراءات مفادها أن:
“النسب يثبت بالظن ولا ينفى إلا بحكم قضائي.”
نحن أمام قاعدة تخرج عن المألوف، تجد أساسها في مبدأ الشرعي يقضي بأن الشرع متشوف للحقوق الأنساب.
مثل هذه القاعدة غير معروفة في الدعوى الأخرى، ومنها دعوى ثبوت الزوجية المنظمة بالمادة 16 من مدونة الأسرة، وإن كانت الزوجة التي تدعي الزوجية وبها حمل أو لها أولاد قد تستفيد من تلك القاعدة على ما يتضح من القراءة المتأنية للفقرة الثالثة من تلك المادة.
5- دعوى إثبات الزواج غير الموثق هي الدعوى – وبقرار المشرع – محصورة في مدة معينة، من المفروض ألا تسمح بعد انتهائها، ما لم يتدخل المشرع من جديد من أجل إطالتها، هذه القاعدة غير متصورة في دعوى إثبات النسب أو نفيه.
6- في دعوى إثبات النسب يمكن الاستعانة بتقنية البصمة الوراثية )المادة 153( بخلاف عقد الزواج – وهو تصرف قانوني – والذي لا يثبت إلا بوجود عناصره من أركان وشروط صحة. وطبقا للمادة 152 من مدونة الأسرة فإن النسب لا يثبت فقط بالزواج، بل كذلك بالإقرار و الشبهة، أما الخبرة الجينية التي يمكنها في الواقع أن تثبت بشكل يقارب اليقين النسب، أو تنفيه، لا يمكن للمحكمة أن تلجأ إليها في بعض الحالات لأن اللجوء إلى الخبرة الجينية محدد بنصوص قانونية منصوص عليها في المدونة، كالمادة 156 مثلا ،التي أعطت للمخطوبة التي حملت من خطيبها أن تثبت نسب الحمل للخاطب باللجوء إلى
الخبرة الجينية إذا أنكر النسب.
و عموما فالقضاء المغربي مازال متحفظا في اللجوء إلى اعتماد الخبرة الجينية في قضايا نفي النسب أو إثباته، و يلجأ إلى ذلك بشكل متحفظ و بحدود. و لا شك أننا نتذكر جيدا موقف المجلس سابقا في قضية معروفة، عرفت أطوارها المحاكم المغربية و الفرنسية، وملخصها أن شخصا مغربيا يحمل جنسية فرنسية كذلك متزوج من مغربية مزدوجةالجنسية، رفعت الزوجة ضده دعوى تطليق أمام محكمة فرنسية طالبت فيها بالتطليق و نفقت البنت، و دفع المدعي عليه بنفي نسب البنت، و طالب بإجراء خبرة طبية، و أكدت الخبرة الجينية أنه يستحيل أن تكون هذه البنت من صلب الزوج، و حكمت المحكمة الفرنسية بنفي النسب، و إخلاء المدعي عليه من كل مسؤوليته تجاه البنت. و لكون حكم نفي النسب الفرنسي لم يكن لصالح المدعية، فقد رفعت دعوى النفقة أمام محكمة ابتدائية مغربية، و دفع الزوج بالحكم الفرنسي الذي ينفي نسب البنت عنه، لكن المحكمة المغربية حكمت لصالحها “الزوجة” على أساس أن وسائل الإثبات الشرعية متوفرة، ” الفراش و الولادة داخل المدة الشرعية”. استأنف المدعي عليه الحكم و دفع بنفي النسب، مدليا بنتائج الخبرة الطبية، و تم تأييد الحكم الابتدائي، و بنت المحكمة قرارها على أساس أن الخبرة الطبية ليست من الوسائل الشرعية في إثبات النسب، و حكمت على المدعي عليه بمستحقات البنت. بعد ذلك رفع الرجل دعوى أمام المجلس الأعلى سابقا، مطالبا بنقض قرار محكمة الاستئناف على أساس أن قرارها غير مرتكز على أساس قانوني، لكن المجلس الأعلى رفض طلب النقض. و هذا يدل على أن المحاكم المغربية على مختلف درجاتها، اعتبرت أن الخبرة الجينية ليست من الوسائل الشرعية لإثبات النسب، و هذا التوجه يجب على القضاء المغربي أن يبدأ في التحلل منه و اللجوء إلى الوسائل العلمية، إذا ما أثير أي نزاع
حول النسب، خصوصا من طرف الزوجين.
و مع ذلك فالخبرة الجينية أصبحت تعتمد في بعض الجرائم، كجرائم الاغتصاب حين يكون هناك حمل و يكون هناك إنكار للمتهم لكل مواقعة له مع الضحية، فغالبا قضاة التحقيق يلجؤون إلى إجراء خبرة جينية على المولود، و إذا تبث أن الولد هو للمتهم الذي أنكر كل مواقعة، يتم وضع المتهم رهن الاعتقال لمتابعة البحث معه، و يحال على المحكمة لمتابعته بتهمة الاغتصاب.
نورد حكم صادر في شهر شتنبر الماضي، حيث اعتبرت محكمة النقض أن أركان الزواج هي الإيجاب والقبول ،«وبتطابقهما يكون الرضا في عقد الزواج، إضافة إلى شروط أخرى، ومنها انتفاء الموانع الشرعية». وأضافت المحكمة أن مسطرة التعدد «تطبق قبلكتابة العقد، أما بعد ثبوت الزواج والبناء بالزوجة ووجود الحمل أو الولد، فإنها تصبحمتجاوزة». ويتعلق الأمر بملف يقضي بثبوت الزواج بين دنيا وعمر، اللذين تقدما بمقال إلى المحكمة الابتدائية لورزازات شهر ماي 2010، يطلبان فيه الإقرار بثبوت زواجهما ابتداء من شهر أبريل 2011. زواج يقول المدعيان أنه أثمر ابنا، وهو ما رفضته المحكمة الابتدائية، قبل أن تعود محكمة الاستئناف لتلغي هذا الحكم، وتقر بصحة هذا الزواج، ما دفع ممثل النيابة العامة، الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بورزازات، إلى الطعن أمام محكمة النقض طالبا عدم الاعتراف بهذا الزواج. الوكيل العام للملك برر طعنه بكون الحكم الاستئنافي غير مرتكز على أساس قانوني ويفتقر إلى التعليل ،«ذلك أن المادة 16 من مدونة الأسرة تنص على أن وثيقة الزواج تعتبر الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج، وأنه إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات وكذا الخبرة». وأضاف ممثل النيابة العامة أن المحكمة الابتدائية كانت قد قضت برفض الطلب «بعلة أن السبب الذي اعتمده المدعي لتبرير عدم توثيق الزواج هو امتناع الزوجة الأولى عن الموافقة على التعدد». سبب اعتبر الوكيل العام للملك أنه لا يمكن اعتباره سببا قاهرا، وأن القرار الذي يطعن فيه، أي قرار محكمة الاستئناف، اعتمد في قضائه بثبوت الزوجية، على شهادة الشهود المستمع إليهم في المرحلة الابتدائية، ووجود ابن بين الزوجين المراد إثبات زواجهما ،«وبان الدخول بالزوجة قبل العقد عليها لا يفسخ النكاح، وبأن مسطرة التعدد في نازلة الحال لم يعد لها محل». وشدد الوكيل العام للملك على أن المحكمة لم تثبت وجود سبب قاهر حال دون توثيق الزواج الثاني، وبالتالي، لا مجال للاعتراف بقانونيته ،«لاسيما مع وجود الزوجة الأولى التي مازالت في عصمة المطلوب في النقض، والتي رفضت منحه الموافقة على الزواج بالثانية». رأي محكمة النقض كان ضد هذه الدفوعات التي قدمها الوكيل العام، حيث اعتبرت أنه، وحسب المادة 16 من مدونة الأسرة ،«فإن أركان الزواج هي الإيجاب والقبول، وبتطابقهما يكون الرضا في عقد الزواج إضافة إلى الشروط الأخرى، ومنها انتفاء الموانع الشرعية». وأضافت المحكمة العليا في المغرب أنه «ولما ثبت للمحكمة تراضي الطرفين على الزواج واشتهاره، كما صرح بذلك الشهود، وإنجاب الولد وعدم وجود موانع، وقضت بثبوتالزواج بينهما، فإنها طبقت المادة 16 من مدونة الأسرة، وأما ما يتعلق بمسطرة التعدد ،فإنها تطبق قبل كتابة العقد، أما بعد ثبوت الزواج والبناء بالزوجة ووجود الحمل أو الولد ،فإنها تصبح متجاوزة، ولذلك يبقى ما أثير غير جدير بالاعتبار وتعين رفض الطلب». ونورد في حكم اخر ، حيث تقدمت كل من زليخة ومحمد بمقال أمام المحكمة الابتدائية للناظور شهر مارس 2013، يطلبان فيه إثبات زواجهما القائم حسب مقالهما منذ 1986، والذي أثمر طفلين اثنين. الزوجان قالا إن إقامتهما في مدينة مليلية وجهلهما بالقانون، حال دون توثيق زواجهما. وبعد تقديم حجج من قبيل رسوم ولادة الأبناء، دخلت «توشة»، الزوجة الأولى لمحمد، على خط الدعوى، مطالبة باعتبار علاقة زوجها بزليخة غير شرعية لكونها لم تقدم أية موافقة لزوجها. تطور ردت عليه الزوجة الثانية بإحضار عقد زواج أبرم في أحد مساجد إسبانيا يحمل توقيع شاهدين، لتصدر المحكمة الابتدائية حكمها بالاعتراف بصحة الزواج الثاني. وبعد تأييد محكمة الاستئناف لهذا الحكم، انتقلت المعركة القضائية بين الزوجتين إلى محكمة النقض، فيما توفي الزوج. ودفعت الزوجة الأولى بعدم صحة العقد الذي يحمل شهادة شخصين اعتبرتهما من أقارب الزوجة الثانية، وأضافت أن أقسام توثيق الزواج توجد في جميع قنصليات المغرب في الخارج، وبالتالي، لا يوجد سبب قاهر لعدم توثيق الزواج الثاني، وبالتالي، يجب تطبيق مسطرة التعدد والمرور عبر موافقتها قبل توثيق أي زواج ثان. محكمة النقض عادت مجددا إلى القول إنه وحسب مدونة الأسرة ،«فإن الزواج ينعقد بإيجاب أحد الطرفين وبقبول الطرف الآخر بألفاظ تفيد معنى الزواج لغة أو عرفا، والمطلوبة )زليخة( أقامت دعوى ثبوت الزوجية بمعية زوجها محمد قيد حياته، اعتمادا على لفيف عدلي وشهادة من مسجد فونخيرولا وازدياد طفلين نتجا عن هذه العلاقة، والمحكمة قضت بثبوت الزوجية بينهما اعتمادا على الوثائق المذكورة وعلى شهادة الشاهدين المستمع إليهما من طرف المحكمة، تكون قد بنت قضاءها على أساس ولم تكن في حاجة إلى إجراء بحث مادامت توفرت لديها العناصر الكافية للبت في النازلة، أما ما أثير بخصوص سلوك مسطرة التعدد، فإن ذلك لا يحول دون تقديم دعوى ثبوت الزوجية إن حصل الزواج فعلا ونتج عنه أولاد، ولذلك يبقى ما أثير غير مؤسس ويتعين رفض الطلب».
وهذا الخلط بين دعوى ثبوت النسب، ودعوى ثبوت الزوجية يقودنا بالضرورة إلى السؤال التالي: ما الفرق بين الزواج والخطبة، بالنظر إلى أن دعاوى النسب التي لا تستند على الزوجية، غالبا ما يكون سندها الحمل في فترة الخطوبة؟
سنحاول في هذه الفقرة أن نبين أوجه الاختلاف بين دعوى ثبوت الزوجية والخطبة.
لابد بداية، وقبل الخوض في هذا الموضوع أن نعرف الخطبة، وذلك حتى نمر إلى التمييز بينها وبين دعوى ثبوت الزوجية على ضوء هذا التعريف: الخطبة طلب الرجل التزوج من امرأة معينة، لا يحرم عليه الشرع أن يتزوجها، وبعبارة أخرى، هي إعلان الرجل رغبته في الزواج بقبول من المرأة خالية من الموانع الشرعية بالنسبة إليه، فإذا أجيبت هذه الرغبة بقبول من المرأة أو ممن له الصفة الشريعة في النيابة عنها، تمت الخطبة بينهما.
فالخطبة وعد بالزواج غير ملزم، وحسب الفقرة الأولى من المادة الخامسة من مدونة الأسرة “الخطبة تواعد رجل وامرأة على الزواج”، فقد أجمعت المذاهب الإسلامية كلها على أن الخطبة وعدا بالزواج غير ملزم والوعد بالعقد ليست له قوة العقد إطلاقا في إلزام طرفيه بآثار العقد.
إن تعريفنا للخطبة أعلاه، لاشك قد بين بشكل كبير من خطوط العريضة التي تمهد للمقارنة بينها بين ثبوت الزوجية.
فإذا كانت الخطبة، وحسب ما جاء في المادة 5 من مدونة الأسرة، المشار إليها أعلاه مجرد وعد بالزواج، فإن دعوى ثبوت الزوجية هي: دعوى يسعى من خلالها رافعوها إلى إثبات العلاقة زوجية قائمة أصلا، وإن تخلف فيها التوثيق بمعنى أن الحكم الصادر عن المحكمة، حكم كاشف عن علاقة زوجية متكاملة العناصر، فحتى إن كان كل من الزواج غير الموثق والخطبة، يلتقيا في تبادل الإيجاب والقبول، فإن المحل الذي يقع عليه هذا الإيجاب والقبول في الخطبة، هو الزواج مستقبلا وليس حالا، بينما نجد الحال عكس ذلك ،في الزواج غير موثق، حيث يكون محل إيجاب والقبول، زواج في حد ذاته، مع ما يصاحبذلك من اتفاق على الصداق أو على الأقل عدم الاتفاق على إسقاطه بحضور الوليوالشاهدين على الأقل، بل حتى في حالة تشابه الحالتين معا، في بعض الطقوس التي جرت العادة على القيام بها من قراءة الفاتحة بغية استجلاب البركة، واستحضار الوازع الديني تأكيدا على عدم التراجع فيما بعد والحفل المقام وما يتخلله من وليمة، وتبادل الهدايا.
ويتضح من خلال الأحكام الصادرة بخصوص دعوى ثبوت الزوجية، مدى الخلط الذي قع فيه المتقاضون، من حيث الأساس القانوني المبني عليه الطلب، وفيما يلي نورد حكما صادرا عن المحكمة الابتدائية بتطوان تتلخص وقائعه في أن السيدة تقدمت بمقال بتاريخ 5/04/2004، عرضت فيه أن المدعي عليه يعمل دركيا، وانه عند التحاقه للعمل بمركز الدرك الملكي بمراكش، تعرف عليها وهي طالبة بكلية الحقوق، فخطبها من أهلها في دوار أولاد المسبل جماعة أولاد سعيد بني عامر بعمالة قلعة السراغنة، وحضر الخطبة عائلتها واستمرت فترة الخطبة مدة، وعندما انتقل للعمل بمركز الدرك الملكي بتطوان طلب منها مرافقته وبعد أن اصطحبها معه أقاما معا في فندق لعدة شهور ثم اكترى لها دار للسكنى بمرتيل، ونتج عن العلاقة مولود بتاريخ 17/11/1992، وأكدت المدعية توفرها على عدة شهود لإثبات الزوجية، ومعاشرة المدعي عليه لها معاشرة الأزواج، مشيرة إلى أن كثرة تنقل المدعى عليه كدركي، حالت دون توثيق العقد، فضلا عن أن الخطوبة تمت باقتران الإيجاب والقبول، حيث قدمت المدعية دعواها ملتمسة الحكم بثبوت الزوجية بينها وبين المدعى عليه وثبوت النسب الولد منه مع إلزام المدعى عليه بتسجيل الولد بكناش الحالة المدنية حسب تاريخ ميلاده 17/11/1992، من أمه المدعية وتحميل جميع المصاريف.
وحيث تخلف المدعى عليه عن الجواب رغم استدعائه لعدة جلسات وأن المدعية تدعي ثبوت الزوجية بينها وبين المدعى عليه وتؤسس دعواها على مقتضيات المادة 196 من مدونة الأسرة التي تتعلق بإثبات النسب الناتج عن الحمل في فترة الخطوبة، فضلا عن ذلك فإن المدعية لم تثبت الشروط المنصوص عليها في المادة 156، خصوصا في ما يتعلق

بإشهار الخطبة وان الحمل حصل أثناء فترة الخطوبة وبأن المدعى عليه يقر بكون الحملمنه، مما تكون معه الدعوى قد جاءت بشكل مخالف للفصل 32 من المسطرة المدنية منخلال هذا الحكم يلاحظ مدى الخلط الواضح الذي وقعت فيه المدعية، من خلال رفعها لدعوى ثبوت الزوجية، استنادا إلى المادة 156 المتعلقة بثبوت نسب الحمل الناتج عن الحمل في فترة الخطوبة.
ونظن أنه ما كان لهذا الخلط أن يكون، لولا أن المشرع أضاف في الفقرة الأولى من المادة 156 من مدونة الأسرة “…وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج”… المشابهة بشكل أو بآخر لمستهل الفقرة الثانية من المادة 16 التي تنص على أنه: “إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته…”، حيث نرى أنه كان على المشرع الاكتفاء بعبارة “وحصل إيجاب وقبول وظهر حمل بالمخطوبة” دون إقحام لتلك العبارة لما تخلقه من لبس في أذهنا الممارسين وعامة المواطنين على السواء.
2-دعوى ثبوت الزوجية والإذن بالتعدد.
للتطرق إلى هذا الموضوع لابد بداية أن نورد نظرة عامة حول التعدد، قبل التطرق إلى مدى تقاطع دعوى ثبوت الزوجية، مع هذا الموضوع.
يقصد بالتعدد: أن يجمع الرجل الواحد في عصمته أكثر من امرأة واحدة، لكن من غير أن يتجاوز الحد المسموح به شرعا بشرط العدل بينهما. وقد أجمع الفقهاء الشريعة على أن الزوج لا يجوز له أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات استنادا لقوله تعالى: } وَإ نِ خِ فت م ألَاَّ ت ق سِ طوا فيِ ا ليتَاَمَى فاَ نكِ حوا مَا طَابَ ل كَ م مِنَ الن سَِاءِ مَث نىَ وَث لَاثَ وَ رباَعَ فإَ نِ خِ فت م ألَاَّ ت عَدِل وا فَوَاحِدَة ً أ وَ مَا مَلكََ ت أ يَمَان ك م { .
والحكمة من إباحة التعدد لا تخفى عن ذي بصيرة، فهناك المرض الذي يحول دون الجماع، وهناك العقم الذي يحول دون إنجاب الأطفال، وهناك المرأة العاجزة عن تلبية الرغبة الجنسية لزوجها لسبب أو لَخر، ففهي هذه المثلة وما شابهها يضطر الرجل ليتزوج، وفي نفس يعز عليه أن يطلق الزوجة الأولى فيبقيها في عصمته وتحت رعايته. فلولا إقرار الشريعة للتعدد في تلك الحالات، لَل الأمر بالزوج على توقيع الطلاقوهو أبغض الحلال عند الله. أو الوقوع في المحظور شرعا وهو الزنى، الشيء الذي يشجععلى الفاحشة والفساد.
وإذا كان المشرع في ظل مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1958 لم يحدد مسطرة معينة بخصوص هذا الموضوع، حيث كان بإمكان الراغب في التعدد أن يتوجه مباشرة إلى العدلين ويبرم عقد زواجه الجديد، ولم يكن الأمر يتوقف على إصدار إذن بذلك من أية جهة، فإنه خلال تعديلات جاء النص لأول مرة يعطي للقضاء حق ممارسة الرقابة على نظام التعدد، بعدما أوقفه على إذن القاضي الذي لا يمنحه إلا بعد التأكد من قدرة الزوج على الإنفاق، وتوفير شروط العدل بين الزوجات، فضلا عن وجوب إشعار الزوجة الأولى زوجها في التزوج عليها، وكذا إشعار الثانية بأن من يريد الزواج بها متزوج بغيرها، حتى لا تعتقد انه عازب أو مطلق أو أرمل وأنه سيعيش معها وحدها.
وقد أكدت مدونة الأسرة الشروط الأخيرة التي أقرتها تعديلات 1993، مع إضافة شروط أخرى تم تضمينها في المواد 40 و41 و42 من مدونة الأسرة فالظاهر من خلال هذه المواد المرتبطة بالتعدد، أنه لم يعد ارتباط الزوج بامرأة ثانية في إطار علاقة زواج حق يمارسه كيفما شاء، بل أضحى استثناء متوقفا على رخصة تمنحها المحكمة، وذلك بعد أن يتم سلوك مسطرة دقيقة، تراعى فيها مجموعة من الضوابط الصارمة، وتنتهي إما بالاستجابة لطلب التعدد وإصدار إذن بذلك أو رفض الطلب. ويحتاج طالب التعدد إلى إثبات المبرر الموضوعي الاستئنائي الداعي إلى هذا الطلب، كما جاء في المادة 42 من مدونة الأسرة، غير أن الظرف أو المبرر الاستثنائي أصبح يختزل في وجود الأول دون مراعاة مدى صحة العلاقة الزوجية من الناحية الشرعية” .
إن منح الإذن بالتعدد، كما ذكرنا سلفا يستلزم من طالبه الالتزام بمسطرة معقدة، تنتهي في الغالب برفض طلبه.

وعليه فإن الشخص المقدم على الزواج بامرأة ثانية، يقوم في الغالب بالقفز على ذلكالإذن، من خلال الدخول بالزوجة المراد التزوج بها، ورفع دعوى ثبوت الزوجية لاحقا، ولا تخلو هذه الفرضية من حالتين إما إخفاء واقعة زواجه بأولى، او التصريح أمام المحكمة بزواجه الأول، وفي هذه الحالة هناك اتجاهين:
اتجاه يرى أنه من الأجدى أن تناقش المحكمة المعروضة على أنظارها دعوى ثبوت الزوجية، حالة التعدد باستدعاء الزوجة الأولى المراد التزوج عليها والاستماع إلى أقوالها طبقا للمواد المتعلقة بالتعدد، وتكوين قناعتها بخصوص المبرر الموضوعي الذي جعل الزوج يلجأ إلى التعدد، بدلا من تكليف الزوج بالإدلاء به وانتظار فتح الملف جديد، يعرض على أنظار غرفة التعدد التي يتناقش بالضرورة نازلة التعدد دون العلم بكون الأمر يتعلق بحالة زواج ثان غير موثق .
وهو رأي منتقد بدوره حتى وإن كان ذا هدف عملي، بالنظر إلى أن ذلك يخرق الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية، الذي يلزم المحكمة في حدود طلبات الأطراف وأنه لا يسوغ لها أن تغير تلقائيا موضوع أو سبب هذه الطلبات، تماما كتوجه المحكمة الذي لا نعلم إذا كانت لا تزال تسير عليه إلى حد الَن، بالنظر إلى قلة الحالات حتى لا نقول ندرتها، ثم ماذا لو أن الزوجة الأولى لم توافق على أن يتزوج زوجها بامرأة ثانية ولم تطلب الطلاق؟ ألن يكون لزاما على المحكمة أن تنظر في التطليق للشقاق؟
كما جاء في الفقرة الأخيرة في المادة 45 من مدونة الأسرة، فتكون بذلك قد قضت بأكثر مما طلب منها فعليا، فمن دعوى ثبوت الزوجية إلى إذن بالتعدد إلى تطليق للشقاق ،وعليه فإننا نرى أن على المحكمة أن تلتزم بما طلب منها، وذلك بالتأكد من الشروط المتطلبة قانونا في هذا النوع من الدعاوى، والحكم وفقا لذلك، إما بقبول الطلب أو رفضه او عدم قبوله، لأن العبرة بالإذن هو استصداره قبل العلاقة الزوجية لا بعدها.
وهو الرأي المنسجم مع الاتجاه الثاني في العمل القضائي، الذي نتفق معه والذي يستغرب الإذن للشخص في الزواج من الزوجة الثانية، والحال أنه متزوج بها منذ اربع سنوات أو

أكثر وله منها أبناء ويعاشرها معاشرة الأزواج تحت سقف واحد بعدما أتم بها الزواج بهاوفق ما جرت به العادة والعرف، وجاء زواجه مستوفيا لكافة شروطه الشرعية.
وبتالي ان الحل بخصوص الحالة المذكورة بداية سيكون حتما القول بثبوت الزوجيةلكون الزواج من الثانية يقتضي حتما وجود زوجة اولى هنا يطرح هذا التساؤل عن الجدوى من استصدار إذن بالتعدد، ما دام أن العلاقة الزوجية ناشئة منذ سنوات.

VI- السبب القاهر كمبرر للجوء إلى دعوى ثبوت الزوجية وتفسير القضائي له.
أولت مدونة الأسرة أهمية قصوى لعقد الزواج و عملت على تنظيم أحكامه لما له منآثار جمة على المجتمع و على أحوال الناس الشخصية، فكان أن أحاطت أحكامه بكثير من العناية ، وتنص المادة 16 من مدونة الأسرة أنه إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات و كدا الخبرة .و يستفاد من الفصل المذكور أنه فتح باب الإثبات على مصراعيه أمام طالبي ثبوت الزوجية .غير أن الإثبات في موضوع الزوجية لا يفسح له المجال إلا بعد إثبات السبب القاهر الدي حال دون توثيق العقد في وقته و الدي يعتبر مناط سماع دعوى الزوجية فما هو السبب القاهر ؟ كيف تعامل العمل و الاجتهاد القضائيين مع هده الخصوصيات؟ 1-مفهوم السبب القاهر و التفسير القضائي له.
في بحثنا عن مفهوم السبب القاهر، لم نعثر في النظريات الفقهية أو القوانين الوضعية، ما يقارب هذا المفهوم سوى القوة القاهرة، التي تقترن دائما أثناء الحديث عنها بالحادث الفجائي، وذلك على أساس أنها من موانع المسؤولية، فالأمر يتعلق دائما بأحداث غير متوقعة، لا يمكن مقاومتها وتكون السبب الحقيقي للضرر.
ولقد عرف المشرع المغربي القوة القاهرة في الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود واعتبر فيه أن: “القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه كالظواهر الطبيعية )الفيضانات والجفاف، العواصف والحرائق والجراد( وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا، ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة، الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقيم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لذرئه عن نفسه.
وكذلك لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة السبب الذي ينتج عن خطأ سابق للمدين”.وهو بهذا لم يخالف التعريفات الفقهية في هذا الصدد فقد عرفها الفقيه الرماني أولبيان UL PIEN بأنها “كل حادث لم يكن في وسع إرادة المرء أن يتوقعه، وإن أمكن توقعه عقلا لا يتمكن منمقاومته عملا.”
وعن الفقه المغربي فقد عرفها أحمد الخمليشي بأنها: “كل واقعة تتحقق فيه عنصرا عدمالتوقع وتعذر الدفع سواء كانت من فعل الإنسان أو من فعل الطبيعة.”
بهذا سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين، سنخصص إحداهما لتفسير القضائي للسبب القاهر في اتجاه المتشدد )الفقرة ألأولى(، بينما سنخصص الأخرى للتفسير القضائي للسبب القاهر في الاتجاه يمكن وصفه بالمرن )الفقرة الثانية.(
2-الاتجاه المتشدد في السبب القاهر.
ستكون دراستنا لهذا الجانب، شاملة لأحكام وقرارات صادرة في ظل قانون مدونة الأحوال الشخصية، وكذا في ظل مدونة الأسرة، بالنظر إلى عدم وجود تعريف محدد لمفهوم السبب القاهر في هذه الدعاوى، وضرورة اعتماد التفسير المؤسس من طرف القضاء في هذا الباب.
وستكون بداية من خلال قرار صادر عن المجلس الأعلى، تتلخص وقائعه في أن المدعية رفعت دعوى نفقتها ونفقة حملها، باعتبارها زوجة المدعى عليه، فقضت لها المحكمة الابتدائية وفق طلبها، باستئناف المدعى عليه الحكم المحكمة الإقليمية بالدار البيضاء، طاعنا في موجب إثبات الزوجية بالزور، وانتهى التحقيق بعدم المتابعة، فأيدت المحكمة الإقليمية الحكم الابتدائي.
ليطعن بعد ذلك بالنقض، وقد جاء في حيثيات القرار ما يلي: “حيث يعيب الطاعن الحكم بخرق الفصل الخامس من مدونة الأحوال الشخصية فقد نص الفصل المذكور في ما مفاده على أن الزواج لا يصح ولا يترتب آثاره إلا إذا سمع إيجابه وقبول من الزوجين عدلان سامعان في مجلس واحد وأنه لا يجوز قبول البينة إلا على سبيل الاستثناء، وتبين من علل الحكم أن قضائه رفضوا تطبيق مقتضيات الفصل الخامس من المدونة وقبلوا البينة الشرعية من غير بيان للسبب الخاص )الاستثناء( معتبرين تمسك الطاعن بالفصل الخامس انتقالا من دعوى إلى أخرى. حيث يتبين من الحكم المطعون فيه أن الطالبة تطلب الحكم لهابآثار الزوجية من نفقتها باعتبارها حاملا من الطاعن ونفقة حملها مستدلة بينة شرعية إثبات الزواج وذلك بعد إنكار خصمها العلاقة الزوجية.
وحيث إن الحكم المطعون فيه طبق مقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الخامس من المدونة ودون إشارة إلى أن هناك حالة استثناء.
وحيث إن الحكم بذلك يكون قد خرق مقتضيات الفصل الخامس المشار إليه.
من اجله ومن غير حاجة إلى بحث الوسائل الأخرى قضى المجلس الأعلى )محكمة النقض حاليا( بنقض الحكم الصادر عن إقليمية البيضاء…
يتضح من هذا القرار، أن المجلس الأعلى )محكمة النقض( قد استجاب لطعن طالب النقض المؤسس على عدم بيان المحكمة الإقليمية، للسبب الخاص، المصطلح عليه في مدونة الأحوال الشخصية، بحالة الاستثناء دون الأخذ بعين الاعتبار وجود الأبناء، وهو القرار الذي يناقض قرارا آخر صادرا عنه، سنناقشه عند التطرق للاتجاه المرن في تفسير السبب القاهر.
وجاء في حيثيات حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش ما يلي: “حيث إن المعول عليه في النازلة هو تحديد المفهوم الحقيقي والدقيق للأسباب القاهرة فهي تعني الأسباب المادية وألا ينصرف مدلولها للأسباب والموانع القانونية التي تحول دون العقد على الزوجة، بمعنى أنه يجب أن يكون المانع الذي حال دون توثيق عقد الزواج هو مانع واقعين أما إذا تعلق الأمر بمانع قانوني حظر المشرع بمقتضاه أو علقه على استيفاء شكلية معينة ،فإنه يجب احترام هذه الشكلية، وحيث إنه في النازلة فإن الطرفين لم ينجبا أبناء وليست طالبة صحة الزوجية حاملا حتى يتشفع لها ذلك في تبرير تحايلها على النص القانوني، وما دام الأمر كذلك فإنه يجب ملاحظة أن طالب صحة الزوجية متزوج بامرأة أخرى وكل ما منعه من توثيق عقد الزواج هو رغبته في عدم اللجوء إلى مسطرة التعدد ومن تم يعاملبنقيض القصد ويكون كل ذلك مبررا لرفض الطلب .
خلاصة القول هو أن الاتجاه المتشدد يعمل على الالتزام بحرفية النص، لا في مدونة الأحوال الشخصية ولا في مدونة الأسرة، وأن اختلاف هو نفسه في فهم ما يريده المشرع من خلال النص القانونين فتارة يتطلب ذكر حالة الاستثناء وتارة يتطلب تبيين دواعي الأخذ بها، وتارة يتطلب أكثر من هذا وذلك، بفرض شرح هذه الحالة كما أنه لا يتساهل بخصوص موضوع الأذونات، وذلك رغم كون أهمية هذه الأخيرة، تتجلى في كونها سابقة على العلاقة الزوجية لا العكس.
3-الاتجاه المرن في تفسير السبب القاهر.
بعد التطرق إلى الاتجاه المتشدد في تفسير السبب القاهر، سنتطرق في هذه الفقرة إلى الاتجاه المرن في هذا التفسير.
وسنستهل هذه الفقرة بقرار المجلس الأعلى، جاء في إحدى حيثياته ما يلي: “فيما يخص السبب الثالث المتخذ من عدم التقيد بالنقطة القانونية التي وقع النقض من أجلها، ذلك أن المحكمة لم تتقيد بقرار النقض فيما قضى به من عدم بيان حالة الاستثناء في الحكم المستأنف بناء على اللفيف المدلى به من طرف المدعية ولم تبحث المحكمة في الظروف التي قد تبرر حالة الاستثناء علما بأن المحكمة قد أخذت بالشهادة بأن النكاح قد انعقد بالبيضاء حيث يوجد جهاز للتوثيق وعدول بكثرة كما أخذت بالشهادة على أن الزوج ميسور الحال لا يضره ما سيصرفه وأن قول المحكمة أن العقد ليس بركن، ليس له ما يبرره من النصوص المقررة عند الفقهاء وان قول المحكمة في استنتاجها أن المشرع المغربي قرر حالة الاستثناء من أجل دفع معرة الزنا ولحوق نسب الأولاد ليس على إطلاقه بل الشريعة الإسلامية لا تسمح باختلاط الأنساب.
لكن يتضح من حيثيات الحكم المطعون فيه السالفة الذكر أن المحكمة لم تتعد النقطة التي نقض الحكم من أجلها وأنها بتت بعدما عجز المستأنف عليه عن معارضة ما أدلت به المدعية سواء اللفيف المدعى فيه الزور واللفيف الَخر الذي لم يطعن فيه بأي شيء وانالمحكمة اعتبرت واقعة الزواج أنجزت بالبيضاء حسب قول الشهود الحاضرين لحظة الزفاف كما أنها عللت حالة الاستثناء بأقوال الفقهاء ومنها فتوى ابن لب والشيخ خليل حول إشهار النكاح والدخول مع علم الولي والزوجين وإنجاب الأولاد وما زاد على ذلك من كون حالة الاستثناء يلجأ إليها لدفع معرة الزنا لا تأثير له مما يكون معه سبب غير مرتكز على أساس” .
فبعد أن تطلب القرار المتطرق إليه أعلاه، ضرورة حضور عدلين سامعين للإيجاب والقبول، وتطلب ذكر تبيان حالة الاستثناء من خلال قرار آخر، اعتمد في هذا القرار مجرد تعليل معتمد على أقوال الفقهاء، دون إظهار لحالة الاستثناء التي بررت اللجوء إلى ثبوت الزوجية، علما أن واقعة الزواج أنجزت بالبيضاء، وهي مدينة كما نعلم لا يمكن الاحتجاج بعدم وجود عدول فيها.
وجاء حكم الصادر بتاريخ 08/10/2007 والذي جاء في منطوقه “وحيث إن المادة 16 من مدونة الأسرة أعطت للمحكمة صلاحية تقييم الحجج مع الأخذ بعين الاعتبار وجود الأطفال، وحيث يتبين للمحكمة من خلال اطلاعها على وثائق الملف…. على أن السيد …كان متزوجا بالسيدة… منذ تاريخ مارس 2005 وأن هذا الزواج أثمر عن ازدياد ولد المزداد بتاريخ 16/03/2007 وحيث أنه والحالة ما ذكر فإن طلب المدعي يكون مبنيا على أساس قانوني ويجب الاستجابة إليه” .
من خلال حيثيات الحكم أعلاه يتضح بجلاء أن المحكمة أصدرت حكما وفق مقتضيات المادة 16 وجاء منسجما مع المنشور الوزاري، ومما يزيد تأكيدا أن الاجتهاد القضائي على مستوى محكمة النقض أصبح بدوره يغض الطرف عن المناقشة التعليل المتعلق بالسبب القاهر في حالة وجود الأولاد والحمل، وهذا ما يظهر جليا من قرار المجلس الأعلى )محكمة النقض حاليا( الذي عاب على محكمة الموضوع كونها لم تركز قرارها القاضي بسماع ثبوت الزوجية على أساس قانوني، ولم تعلله تعليلا كافيا، وأرجعسبب عدم تعليله إلى ما يلي: “فإن المحكمة لما قضت بثبوت الزوجية دون أن تبين السبب القاهر الذي حال دون توثيق عقد الزواج، واستندت في ذلك إلى شهادة شاهدين غير عدلين ،ودون مراعاة أن المدعية لم ترفع دعواها إلا بعد وفاة من تدعيه زوجا لها، مع عدم وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية تكون قد بنت قرارها على غير أساس” .
بمعنى أن النازلة لو كانت تتضمن الأطفال أو الحمل لكان القرار المطعون فيه غير معيب بصرف النظر عن أي تعليل آخر .

و خلاصة القول في هدا الموضوع أن سماع دعوى الزوجية تطرح إشكاليات عدة على مستوى العمل القضائي و قد تمت محاولة اقتراح بعض الحلول لهده الإشكاليات قدر الإمكان غير أن ما يجب التأكيد عليه في ختام هدا المقال أنه يجب تغليب منطق المقاربة الاجتماعية القانونية على منطق المقاربة القانونية الجافة و ذلك تمشيا مع رغبة المشرع في معالجة الأوضاع القائمة بما يحقق استقرار العلاقات الأسرية و بما يضمن حماية الأعراض و الأسباب و يحفظ الحق في المطالبة بالحقوق المترتبة عن الزوجية و دلك في إطار الدفع في اتجاه القطع مع ثقافة عدم توثيق عقود الزواج، فالأكيد أن الصياغة التي جاءت بها المادة 16 لا تسعف كثيرا في خدمة هدا الغرض، فقد كان أحرى بالمشرع أن لا ينص على اعتبار السبب القاهر المانع من توثيق العقد كشرط لسماع دعوى الزوجية )وهو الشرط الدي لا يتحقق إلا نادرا من الوجهة القانونية الصرفة( و أن يفتح الباب على مصراعيه أمام القضاء لسماع دعوى الزوجية ومراقبة توافر الأركان و الشروط التي لا خلاف فيها ،وهو لو فعل كان سيعطي للقضاء مجالا أوسع وهامشا أكبر لمعالجة حالات الزواج غير الموثقة ،و يعدم حجة كل متهاون أو متماطل بعد انتهاء الفترة الانتقالية.

الخاتمة:
لقد حاولنا التطرق إلى أهم الإشكالات التي تعترض طريق الدارسين والممارسين وحتى المواطنين، بخصوص دعوى ثبوت الزوجية، والتركيز ما وسعنا ذلك على الجانب العملي، من خلال الأحكام والقرارات التي أوردناها.
وفي نهاية هذا المقال نخلص إلى أن تناول المادة الشرعية بالدراسة العملية والتحليل لا يخلو من بعض الصعوبات، كما وجدنا في موضوع “دعوى ثبوت الزوجية” مادة دسمة .ونافذة مهمة أطللنا من خلالها على مجموعة من القواعد والأحكام ذات صلة بتنظيم شؤون الأسرة، كما أن خلصنا فيها إلى مجموعة من الملاحظات أهمها:
تداخل دعوى ثبوت الزوجية مع وقائع قانونية أخرى، إما نتيجة لسوء فهم غايات المادة 16 من مدونة الأسرة. أو عن قصد الانحراف بها عن تلك الغايات بالتحايل والتضليل.
توافد المتقاضين على إثارة دعاوى ثبوت الزوجية، وما صاحبه من مجهودات وزارة العدل في هذا الشأن، من خلال إشرافها على تنظيم الجلسات التقنية، والحملات التحسيسية التي تقوم بها مختلف المصالح في سائر العمالات والأقاليم، ينبئ باندثار الزيجات غير الموثقة أو المنجزة خارج الإطار القانوني والشرعي في أقرب الَجال.
ومن أجل رآب الصدع التشريعي وضمان استقرار الاجتهاد القضائي في مجال الأسرة، يتعين تعديل المادة 16 من المدونة وذلك بعدم تمديد الفترة الانتقالية وجعل الإثبات القضائي للزواج خاصا بحالات إنكار النسب، ونفي النسب ونفي الحمل، دون الحالات الأخرى التي يكون فيها التراضي والتي أقترح أن يتم تصحيح الزواج، والتأكد وجوبا من عدم وجود الحمل بشهادة طبية ويوم الإشهاد… وبهذه الاقتراحات يمكن إخراج القضاء الأسري من دائرة السوء، وتنزيهه عن الشوائب الناتجة عن إثبات وثائق غير صحيحة ولا شرعية، لاسيما وأن القضاء بشكل عام هو مرآة العدالة وميزان الحق ومقياس القيم20.
ويبقى أن نشير أخيرا إلى أن مشكل عدم توثيق عقود الزواج وهو مشكل لا نعتقد بأنه سينتهي بانتهاء الفترة الانتقالية المحددة في خمس سنوات له ارتباط كبير بالمقتضيات القانونية المتعلقة بالزواج وخصوصا منها المقتضيات المتعلقة بالولاية- بالزواج دون سن الأهلية وبمسطرة التعدد، ولهدا وجب على المشرع مقاربته مقاربة شمولية تنطلق أساسا من مراعاة الخصوصيات الاجتماعية ودون أن يكون في دلك رجوع عن مبدأ اعتبار عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج.

20 – ذ. الطيب المنور: “الإثبات القضائي للزواج بين إشكالية النص التشريعي ومقاصد ضمان استقرار الأسرة”، ص
.201

المراجع المعتمدة:
 ابن حيان في صحيحه كتاب النكاح.
 إدريس العلوي العبدلاوي: “القانون القضائي الخاص الدعوى والأحكام”، طبعة 1.
 الطيب لمنور: “قضايا الأحوال الشخصية والميراث.”
 الطيب المنور: “الإثبات القضائي للزواج بين إشكالية النص التشريعي ومقاصد ضمان استقرار
الأسرة..”
 محمد الشتوي: “ألإجراءات الإدارية والقضائية لتوثيق الزواج”، ط 1، 2004،..
 ياسين سعدون: “دراسة تحليلية للأحكام المتعلقة بإنشاء العلاقة الزوجية وآثارها.”
 عبد الكريم طالب: “الشرح العملي لقانون مسطرة مدنية”، الطبعة الخامسة 2009.
 القرار 611 الصادر بتاريخ 13/06/1983 في ملف الاجتماعي 99090، مجموعة قرارات المجلس
الأعلى مادة الأحوال الشخصية 1965-1989.
 قرار عدد 87 صادر عن الغرفة الشرعية في ملف الاجتماعي رقم 37820 مذكور بمجموعة قرارات
المجلس العلى مدونة الأحوال الشخصية 1995-1989.
 مأمون الكزبري: “نظرية الالتزامات في القانون المغربي”، الطبعة الثالثة 1974، ج1، ف م م.
 محمد الكشبور: “الوسيط في القانون الأحوال الشخصية”، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ،
الطبعة الرابعة 1999.
 مدونة الأسرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*