الرئيسية » آراء و أقلام » وجهة نظر قانونية في واقعة “طوبيس الدار البيضاء”

وجهة نظر قانونية في واقعة “طوبيس الدار البيضاء”

طفت على مواقع التواصل الإجتماعي، وخاصة فايسبوك ومجموعة من وسائل الإعلام في المغرب، نقاشات قانونية وإجتماعية، بعد إنتشار مقطع فيديوا خليع، يظهر أحداثا واقعية، تعود لجريمة أخلاقية هزت كل الأنظار، قام بها مجموعة من القاصرين ضد شابة مختلة عقليا في إحدى حافلات النقل الحضري لمدينة الدار البيضاء، ولعل جل إن لم نقل كل الآراء إنصبت في منحى واحد، هو إعتبار هاته الأفعال بمثابة جريمة إغتصاب تامة كتكييف قانوني، مادام القانون الجنائي المغربي يعتبر كل محاولة بدأت في الشروع في تنفيدها، تكون قد تمت ولو لم تتحقق النتيجة المرجوة للجاني منها، في حين هنالك آراء أخرى مغايرة -وإن كانت قليلة- التي إعتبرت بأن الأفعال المرتكبة كما وضحها شريط الفيديوا المنتشر على الأنترنت، لا يمكن تكييفها قانونيا، إلا كجريمة هتك عرض، أو جريمة الإخلال علني بالحياء، مادامت العناصر القائمة لجريمة الإغتصاب غير مكتملة قانونيا.

فإلى أي حد يمكن إعتبار هاته الأفعال تدخل ضمن جريمة الإغتصاب؟ لإمكانية التسليم بكون الجناة اقترفوها، أو الأصح هو تكييف الجريمة المرتكبة بهتك عرض مختلة أو الإخلال العلني بالحياء العام، في ظل القانون الجنائي المغربي؟

ينص القانون الجنائي المغربي من خلال الفصل 486 على أن جريمة الإغتصاب هي مواقعة رجل لامرأة كرها عنها، ويعاقب عليه بالسجن من 5 إلى 10 سنوات، غير أنه إذا كانت المجني عليها قاصر أو كانت عاجزة أو معاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية أو حاملا، فإن الفاعل يعاقب بالسجن من 10 إلى 20 سنة.

ولكي تتحقق جريمة الإغتصاب من وجهة نظر القانون، لابد من تحقق ركنين أساسين، وهما: الركن المادي والركن المعنوي للجريمة، فإذا كان هذا الأخير يشكل وجود إرادة الجاني في إرتكاب الجريمة، التي على أية حال لن نركز عليه في تحليلنا لهاته النازلة، نظرا لكونها مسألة ذهنية، من الصعب إثباتها أو نفيها، هذا على خلاف الركن المادي الذي يشتمل على محورين جوهريين مترابطين، من شأن إنتفاء أحدهما أن يؤدي إلى عدم تصور قيام الجريمة، ولعلهما: ثبوت الوقاع أو المحاولة فيه مادمنا نتحدث عن مشروع جناية الإغتصاب، وكذى عدم الرضا من لدن المجنى عليها.

وقائع الشريط المسرب لأحداث النازلة، والذي إلتقط موقع المعلومة القانونية على مشاهد منه، لكن إدارة الموقع أبت إلا أن تنشره للعامة، نظرا لما فيه من مشاهد شنيعة تخدش الحياء العام، تظهر هاته الشابة وهي ممسوكة من يديها بالقوة، مما يوضح بأنها لم تكن راضية لما يقع ضدها، مما يجعل ركن الغصب متوفر ضمن الركن المادي للجريمة، أما الركن الآخر الذي هو الوقاع، فهل هو متوفر ضمن أحداث النازلة ؟
أولا وقبل كل شيء يجب أن نسلط الضوء حول تعريف الوقاع، الذي يعرفه القانون بأنه الإتصال الجنسي القائم بين امرأة و رجل، وذلك بأن يولج قضيبه من عضوها التناسلى إيلاجا محققا ولو جزئيا، ويستوي في ذلك لو كان لمرة واحدة أو لأكثر، وهذا مفاده لإمكانية الحديث عن ثبوت هذا الركن، أنه يجب ان نكون بصدد رجل له القدرة على الممارسة، بالإضافة إلى الأخذ بعين الإعتبار مدى توفر ظروف أخرى من شأنها أن تعضض هذا الإحتمال من قبيل الخلوة، أو العنف، أو كل فعل من شأنه أن يثبت نية إرتكاب الجاني للجريمة، لكي يثبت توفر الركن المعنوي أيضا، وبالتالي لبصح الحكم المسبق بقيام الجريمة من وجهة نظر القانون الجنائي.

والحال أن الشريط، وإن أظهر ملامسة وهيجانا من لدن الجناة، فإنه لم يثبت تحقق شرط المواقعة، حتى يصح القول بتمامية أو بداية الشروع في إرتكاب جريمة الإغتصاب من عدمه، مع كل التحفظ في إمكانية إتجاه إرادة الجناة إلى الإغتصاب، التي على أية حال لا يمكن أن تثبت أولا وقبل كل شيء، إلا بعد إستنطاقهم أوليا وتفصيليا، وبعد حين أن يلفظ القضاء كلمته بإدانتهم، فيجب التنبيه إلى أنه لا يصح الحسم في القول بأن المشتبه فيهم حاولوا إغتصاب المجنى عليها أم العكس، ليبقى الإحتمال الثابت في حقهم هو إعتبار هؤلاء الجناة إرتكبوا جرائم هتك عرض ٱمرأة مختلة عقليا، وكذى خدش الحياء العام، هما الأكثر تحققا على وقائع النازلة، ما يفرض مساءلتهم جنائيا ومدنيا.

في حين أنه من الجهة المقابلة، نلاحظ بأن الفصل 484 من القانون الجنائي المغربي ينص على انه يعاقب بالحبس من 2 الى 5 سنوات كل من هتك بدون عنف أو حاول هتك عرض قاصر، كما نص من خلال الفصل 485 من نفس القانون على أنه يعاقب بالسجن من 5 إلى 10 سنوات من هتك أو حاول هتك عرض أي شخص.

ولعله من التدقيق في الفصلين السابقين أن نلاحظ بأن المشرع المغربي ساوى في العقوبة يبين الفعل التام في جريمة هتك العرض، والمحاولة فيها، وبالتالي فإن
جريمة هتك العرض، وسواء كانت بسيطة او مشددة او توفرت بعض أو جميع الافعال التي تكونها، تنسب إلى الجريمة التامة، وأن الجاني متى ارتكب أي فعل من الأفعال التي تكون جريمة هتك العرض، يعد مرتكبا للجريمة، لانه ليس لهذه الجريمة درجات يتميز منها البدء عن التنفيذ، ولكن الواقع أن جريمة هتك العرض كجميع الجرائم التي يعاقب على الشروع فيها متى كانت الأفعال التي قام بها الجاني لا تدع مجالا للشك، في أنه يريد إتيان الجريمة، وأنه لم يعدل عن اتمامها إلا لسبب خارج عن إرادته، والحال أن وقائع النازلة وخاصة المثبتة منها على شريط الفيديوا توضح ثبوت جريمة هتك العرض، ماديا ومعنويا.

بالإضافة إلى أن الفعل الذي قام به الجناة يعد محاولة لارتكاب جريمة هتك العرض، أيضا يمكن وصف ذات الأفعال بكونها جنحة الإخلال العلني بالحياء، الذي ترجع لقاضي الموضوع السلطة التقديرية في إثباته، وبالتالي فإذا لم تكن الأفعال التي قام بها الجناة في نظر القاضي كافية لاعتبارها جريمة هتك عرض، فيمكن أن يغير التكييف القانوني الذي يمكن أن تعطيه النيابة العامة للجريمة، على أنها جنحة الإخلال العلني بالحياء، باعتبار أن كل جريمة هتك العرض تحتوي ضمنها جريمة أخرى هي الإخلال العلني بالحياء.

وأمام هذا الجدل في الأخير لا يسعنا إلا إعلان رفضنا التام لمثل هاته الممارسات الإجرامية، وهذا الموضوع المتواضع لم يكن إلا تحليلا تقنيا لوقائع هاته النازلة المعروضة على أنظار القضاء، كمحاولة من أجل تنوير الرأي العام من خلال وجهة نظر شخصية حول مقتضيات القانون الجنائي في إرتباطها بهاته الواقعة، لكي لا يظن البعض بأننا نحاول الدفاع حول الظاهرة الإجرامية، أو تبرأت الجناة من المنسوب إليهم، فإن لاحظ الرأي العام بأن القانون لم يوفر الحماية اللازمة للضحية، فإننا نتساءل وإياكم حول ما يمكن تعديله من أجل توفير الحماية الكافية لكرامة الإنسان والمرأة على وجه الخصوص، وحفظ حقوقها المادية والشخصية، كما نضع أكثر من علامة للإستفهام حول مستقبل مشروع قانون العنف ضد النساء الذي لم يخرج لحيز التطبيق بعد، وإن تمت المصادقة عليه أمام مجلسي البرلمان بأغلبية مطلقة.

من إنجاز قديري المكي الخلافة، طالب جامعي متخصص في القانون الخاص، وتوضيب فريق عمل موقع المعلومة القانونية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*